درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۵۵: نهی مقتضی فساد از ضدش ۹

 

حرمتها ، كما لا يخفى.

لا يقال : هذا لو كان النهي عنها دالّا على الحرمة الذاتيّة ، ولا يكاد يتّصف بها العبادة ، لعدم الحرمة بدون قصد القربة ، وعدم القدرة عليها مع قصد القربة بها إلّا تشريعا ، ومعه تكون محرّمة بالحرمة التشريعيّة لا محالة ، ومعه لا تتّصف بحرمة اخرى ، لامتناع اجتماع المثلين كالضدّين (١).

فإنّه يقال : لا ضير في اتّصاف ما يقع عبادة لو كان مأمورا به بالحرمة الذاتيّة (٢) ، مثلا صوم العيدين كان عبادة منهيّا عنها ، بمعنى أنّه لو امر به كان عبادة لا يسقط الأمر به إلّا إذا أتى به بقصد القربة ، كصوم سائر الأيّام (٣). هذا فيما إذا لم يكن ذاتا عبادة ، كالسجود لله ونحوه. وإلّا كان محرّما مع كونه فعلا عبادة ، مثلا : إذا نهي الجنب أو الحائض عن السجود له تبارك وتعالى كان عبادة محرّمة ذاتا حينئذ ، لما فيه من المفسدة والمبغوضيّة في هذا الحال (٤).

مع أنّه لا ضير في اتّصافه بهذه الحرمة مع الحرمة التشريعيّة ، بناء على أنّ الفعل فيها لا يكون في الحقيقة متّصفا بالحرمة ، بل إنّما يكون المتّصف بها ما هو من أفعال

__________________

(١) حاصل الإشكال : أنّ النهي لا يدلّ على الفساد إلّا إذا دلّ على الحرمة الذاتيّة ، واتّصاف العبادة بالحرمة الذاتيّة ممتنع ، فدلالة النهي على الفساد ممنوع.

والوجه في امتناع اتّصافه بالحرمة الذاتيّة أنّه إن أتى بالعمل بدون قصد القربة كصلاة الحائض لتمرين الصبيّ فلا تتّصف بالحرمة ، لأنّ العمل بدون قصد القربة لا يكون عبادة كي تتّصف بالحرمة ؛ وإن أتى به مع قصد القربة ـ ولا أمر به مع حرمته ـ فلا يقدر على نيّة القربة إلّا بتشريع أمر ليقصد التقرّب به ، وحينئذ يحرم العمل للتشريع ، ومع هذه الحرمة التشريعيّة يمتنع اتّصافه بالحرمة الذاتيّة ، للزوم اجتماع المثلين ، وهو محال.

(٢) قوله : «بالحرمة الذاتيّة» متعلّق بقوله : «اتّصاف».

(٣) وأورد عليه المحقّق الأصفهانيّ بوجهين :

أحدهما : أنّ الالتزام بحرمة العبادة وإن لم يقصد بها القربة في غاية الإشكال.

ثانيهما : أنّ مثل هذه العبادة فاسد ولو لم يتعلّق به النهي ، لعدم اشتماله على ما يصلح للمقرّبيّة. نهاية الدراية ١ : ٥٩٣.

(٤) والحاصل : أنّه لا مانع من اتّصاف العبادة الشأنيّة والعبادة الذاتيّة بالحرمة الذاتيّة.

القلب (١) ، كما هو الحال في التّجرّي والانقياد ، فافهم.

هذا مع أنّه لو لم يكن النهي فيها دالّا على الحرمة لكان دالّا على الفساد ، لدلالته على الحرمة التشريعيّة (٢) ، فإنّه لا أقلّ من دلالته على أنّها ليست بمأمور بها وإن عمّها إطلاق دليل الأمر بها أو عمومه.

نعم ، لو لم يكن النهي عنها إلّا عرضا ، كما إذا نهي عنها فيما كانت ضدّ الواجب ـ مثلا ـ لا يكون مقتضيا للفساد ، بناء على عدم اقتضاء الأمر (٣) بالشيء للنهي عن الضدّ إلّا كذلك ـ أي عرضا ـ ، فيخصّص به أو يقيّد (٤).

__________________

(١) فإنّ التشريع عبارة عن البناء القلبيّ على جعل الحكم ، والعمل إنّما يكشف عن ذلك البناء ، فلا وجه لتحريمه.

(٢) توضيحه : أنّ النهي عن العبادة يدلّ على عدم الأمر بالعبادة ، فلا يجوز الإتيان بها بعنوان أنّها مأمور بها ، وإلّا يلزم التشريع المحرّم ، وحرمة التشريع كاف في الفساد.

(٣) وفي بعض النسخ : «عدم الاقتضاء للأمر».

(٤) فحاصل مختار المصنّف رحمه‌الله في النهي عن العبادة أنّه يقتضي فساد العبادة فيما إذا تعلّق بنفس العبادة أو وصفها الملازم لها.

وأمّا جزؤها : فالنهي عنه لا يقتضي فساد العبادة إلّا إذ اقتصر المكلّف عليه في مقام الامتثال ، فحينئذ بطلت العبادة من جهة كونها فاقدة للجزء.

وأمّا شرطها : فإن كان عبادة فالنهي عنه موجب لفساده المستلزم لفساد المشروط به ، وإلّا فلا يقتضي فساد العبادة المشروطة به.

وتبعه في المقام السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٥ : ١٤ ـ ٢٦ و ٥٢.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ النهي عن العبادة ـ سواء تعلّق النهي بنفس العبادة أو بجزئها أو بشرطها ـ يقتضي فساد العبادة إلّا إذا تعلّق النهي بوصفها الّذي يغايرها وجودا. فوائد الأصول ٢ : ٤٦٤ ـ ٤٦٦.

وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى أنّ النهي تارة يكون تحريميّا نفسيّا متعلّقا بعبادة ، فلا شبهة في اقتضائه الفساد عقلا ؛ واخرى يكون تنزيهيّا نفسيّا ، فمع بقائه على تنزيهيّته ودلالته على مرجوحيّة متعلّقه لا يجتمع مع الصحّة ؛ وثالثة يكون غيريّا ، فلا يقتضي الفساد ؛ ورابعة تعلّق بجزء العبادة أو شرطها أو وصفها الملازم أو المفارق ، فلا يقتضي الفساد مطلقا. مناهج الوصول ٢ : ١٦٠ ـ ١٧١.

المقام الثاني : في المعاملات

ونخبة القول : أنّ النهي الدالّ على حرمتها لا يقتضي الفساد ، لعدم الملازمة فيها ـ لغة ولا عرفا ـ بين حرمتها وفسادها أصلا ، كانت الحرمة متعلّقة بنفس المعاملة بما هي فعل بالمباشرة (١) ، أو بمضمونها بما هي فعل بالتسبيب (٢) ، أو بالتسبّب بها إليه وإن لم يكن السبب ولا المسبّب ـ بما هو فعل من الأفعال ـ بحرام (٣). وإنّما يقتضي الفساد فيما إذا كان دالّا على حرمة ما لا يكاد يحرم مع صحّتها ، مثل النهي عن أكل الثمن أو المثمن في بيع (٤) أو بيع شيء (٥).

نعم ، لا يبعد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الإرشاد إلى فسادها ، كما أنّ الأمر بها يكون ظاهرا في الإرشاد إلى صحّتها من دون دلالته على إيجابها أو استحبابها ، كما لا يخفى. لكنّه في المعاملات بمعنى العقود والإيقاعات ، لا المعاملات بالمعنى الأعمّ المقابل للعبادات.

فالمعوّل هو ملاحظة القرائن في خصوص المقامات ، ومع عدمها لا محيص عن الأخذ بما هو قضيّة صيغة النهي من الحرمة ؛ وقد عرفت أنّها غير مستتبعة للفساد لا لغة ولا عرفا.

نعم ، ربما يتوهّم استتباعها له شرعا من جهة دلالة غير واحد من الأخبار عليه : منها: ما رواه في الكافي والفقيه عن زرارة عن الباقر عليه‌السلام : سألته عن مملوك

__________________

(١) لا بما هو سبب ، كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة ، بناء على تعلّق النهي بذوات الألفاظ الّتي توجد بها المعاملة ، لأنّها شاغلة عن صلاة الجمعة.

(٢) كتمليك العبد المسلم الكافر ، فإنّ النهي تعلّق بمضمون المعاملة ، وهو تمليكها من الكافر ، لأنّه مبغوض عند الله تعالى ، لا نفس المعاملة بما أنّها فعل مباشريّ.

(٣) كما إذا تعلّق النهي بتملّك الربا بالبيع والقرض الربويّين ، فإنّ النهي لم يتعلّق بالسبب ـ وهو العقد ـ ، ولا بالمسبّب ـ وهو تملّك الزيادة ، لجواز تملّكها بناقل شرعيّ ـ ، بل تعلّق بالتسبّب بالبيع أو القرض لتملّك الزيادة.

(٤) كبيع المنابذة والملامسة.

(٥) كبيع الميتة وبيع الخنزير.