درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۷۵: مفاهیم ۱۷

 

ثمّ إنّه لا وجه للتفصيل بين اختلاف الشروط بحسب الأجناس وعدمه واختيار عدم التداخل في الأوّل والتداخل في الثاني (١) ، إلّا توهّم عدم صحّة التعلّق (٢) بعموم اللفظ في الثاني ، لأنّه من أسماء الأجناس (٣) ، فمع تعدّد أفراد شرط واحد لم يوجد إلّا السبب الواحد ؛ بخلاف الأوّل ، لكون كلّ منها سببا ، فلا وجه لتداخلها.

وهو (٤) فاسد ، فإنّ قضيّة إطلاق الشرط في مثل «إذا بلت فتوضّأ» هو حدوث الوجوب عند كلّ مرّة لو بال مرّات ، وإلّا فالأجناس المختلفة لا بدّ من رجوعها إلى واحد فيما جعلت شروطا وأسبابا لواحد ، لما مرّت إليه الإشارة (٥) من أنّ الأشياء المختلفة بما هي مختلفة لا تكون أسبابا لواحد.

هذا كلّه فيما كان موضوع الحكم في الجزاء قابلا للتعدّد ، وأمّا ما لا يكون قابلا لذلك (٦) فلا بدّ من تداخل الأسباب فيما لا يتأكّد المسبّب ومن التداخل فيه فيما يتأكّد(٧).

__________________

(١) هذا التفصيل ذهب إليه ابن إدريس الحلّي في السرائر ١ : ٢٥٨.

(٢) أي : عدم صحّة الاستدلال بالعموم لإثبات الجزاء لكلّ فرد.

(٣) وأسماء الأجناس قد وضعت لنفس الطبيعة المهملة الّتي لا تدلّ على العموم ، بل إنّما تدلّ على أنّ صرف الوجود من الطبيعة موضوعا للحكم.

(٤) أي : التوهّم.

(٥) راجع الصفحة ١١١ ـ ١١٢ هذا الجزء.

(٦) والأولى أن يقول : «وأمّا إذا لم يكن قابلا للتعدّد».

(٧) والحاصل : أنّ محلّ النزاع في تداخل الأسباب أو المسبّبات إنّما هو فيما إذا كان الجزاء قابلا للتعدّد ، كالوضوء بناء على إمكان تعدّده ، لأنّ الوضوء على الوضوء نور على نور ، وكالغسل بناء على تعدّد حقائق الأغسال.

وأمّا إذا لم يكن قابلا للتعدّد فلا بدّ من تداخل الأسباب فيما لا يتأكّد المسبّب ، كطهارة الشيء ، فإنّها لا يتأكّد ، بداهة أنّه إذا غسل الثوب المتنجّس في الماء الكرّ وطهر فلا أثر لغسله ثانيا في الماء الجاري ، ولا يوجب ذلك تأكّد طهارته.

وأمّا إذا كان المسبّب قابلا للتأكّد فلا بدّ من تداخل المسبّبات ، مثل وجوب قتل شخص للقصاص والارتداد ، فيتأكّد وجوب القتل.

فصل

[مفهوم الوصف]

الظاهر أنّه لا مفهوم للوصف وما بحكمه (١) مطلقا (٢) ؛ لعدم ثبوت الوضع (٣) ؛

__________________

(١) كالحال والتميز وغيرهما.

(٢) أي : سواء اعتمد الوصف على الموصوف ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ كما في عوالي اللئالي ١ : ٣٩٩ ـ : «في الغنم السائمة زكاة» ، أو لم يعتمد على الموصوف بل كان الوصف نفسه موضوعا للحكم ، نحو قوله تعالى : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما.﴾ المائدة / ٣٨.

فموضوع البحث في مفهوم الوصف ـ عند المصنّف رحمه‌الله ـ هو مطلق الوصف ، سواء اعتمد على الموصوف أم لا ، كما هو الظاهر أيضا من مطارح الأنظار : ١٨٤ والفصول الغرويّة : ١٥١.

وخالفه المحقّق النائينيّ وخصّ النزاع بالوصف المعتمد ، فأفاد ما ملخّصه : «أنّ الحقّ هو اختصاص النزاع بالوصف المعتمد دون غيره ، فإنّ الوصف غير المعتمد على الموصوف ليس إلّا اللقب. والالتزام بالمفهوم فيما إذا ذكر الموصوف صريحا إنّما هو لخروج الكلام عن اللغويّة. وهذا لا يجري في مثل «أكرم عالما» ، فإنّ موضوع الحكم لا يحتاج إلى نكتة غير إثبات الحكم له ، لا إثباته وانتفائه عن غيره. فالأولى أن يجعل عنوان البحث هكذا : لو نعّت موضوع القضيّة بنعت فهل يدلّ ذكر النعت بعد المنعوت على انتفاء الحكم عن ذات المنعوت غير المتّصف بهذا الوصف مطلقا ، أو لا يدلّ مطلقا ، أو يفصّل بين الوصف المشعر بعلّية مبدأ اشتقاقه للحكم وبين غيره؟». فوائد الاصول ٢ : ٢١٥.

والسيّد المحقّق الخوئيّ وافق استاذه المحقّق النائينيّ. وخالفه الإمام الخمينيّ واختار مذهب المصنّف رحمه‌الله. راجع المحاضرات ٥ : ١٢٧ ـ ١٢٨ ، مناهج الوصول ٢ : ٢١٥.

(٣) أي : عدم ثبوت وضع الوصف للدلالة على العلّيّة المنحصرة الّتي هي الملاك في انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف.

وعدم لزوم اللغويّة بدونه ، لعدم انحصار الفائدة به (١) ؛ وعدم قرينة اخرى ملازمة له.

وعلّيّته ـ فيما إذا استفيدت ـ غير مقتضية له ، كما لا يخفى (٢). ومع كونها بنحو الانحصار وإن كانت مقتضية له ، إلّا أنّه لم يكن من مفهوم الوصف ، ضرورة أنّه قضيّة العلّة الكذائيّة المستفادة من القرينة عليها في خصوص مقام ، وهو ممّا لا إشكال فيه ولا كلام ، فلا وجه لجعله تفصيلا في محلّ النزاع ومورد النقض والإبرام (٣).

ولا ينافي ذلك (٤) ما قيل (٥) من أنّ الأصل في القيد أن يكون احترازيّا ، لأنّ الاحترازيّة لا توجب إلّا تضييق دائرة موضوع الحكم في القضيّة ، مثل ما إذا كان بهذا الضيق بلفظ واحد. فلا فرق أن يقال : «جئني بإنسان» أو «[جئني] بحيوان ناطق». كما أنّه لا يلزم في حمل (٦) المطلق على المقيّد فيما وجد شرائطه إلّا ذلك (٧) ، من دون حاجة فيه إلى دلالته على المفهوم ، فإنّه من المعلوم أنّ قضيّة الحمل ليس إلّا أنّ المراد بالمطلق هو المقيّد ، وكأنّه لا يكون في البين غيره. بل ربما قيل (٨) : «إنّه لا وجه للحمل لو كان بلحاظ المفهوم ، فإنّ ظهوره فيه ليس بأقوى من ظهور المطلق في الإطلاق كي يحمل عليه ، لو لم نقل بأنّه الأقوى لكونه بالمنطوق ، كما لا يخفى».

وأمّا الاستدلال على ذلك ـ أي عدم الدلالة على المفهوم ـ بآية ﴿وَرَبائِبُكُمُ

__________________

(١) بل لذكر الوصف فوائد أخر ، كالاهتمام بشأن الموصوف ببيان فضائله أو كون الشخص معروفا بين الأفراد بهذا الوصف وغيرهما.

(٢) لأنّ العلّة ما لم تكن منحصرة لم تدلّ على المفهوم.

(٣) وفي بعض النسخ : «وموردا للنقض والإبرام».

(٤) أي : عدم المفهوم للوصف.

(٥) نسبه الشيخ محمّد تقيّ الاصفهانيّ إلى المشتهر في الألسنة. هداية المسترشدين : ٢٩٤.

(٦) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «من حمل».

(٧) أي : تضييق دائرة موضوع الحكم في القضيّة.

(٨) والقائل هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في تقريرات درسه. فراجع مطارح الأنظار : ١٨٣.