درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۷۹: مفاهیم ۲۱

 

ثمّ إنّه في الغاية خلاف آخر ـ كما أشرنا إليه ـ. وهو أنّها هل هي داخلة في المغيّى بحسب الحكم أو خارجة عنه؟

والأظهر خروجها ، لكونها من حدوده ، فلا تكون محكومة بحكمه. ودخوله فيه (١) في بعض الموارد إنّما يكون بالقرينة. وعليه تكون كما بعدها بالنسبة إلى الخلاف الأوّل ، كما أنّه على القول الآخر تكون محكومة بالحكم منطوقا.

ثمّ لا يخفى أنّ هذا الخلاف لا يكاد يعقل جريانه فيما إذا كانت قيدا للحكم ، فلا تغفل (٢).

__________________

ـ الليل» أو «أطعم الفقراء حتّى يقدم الحاجّ» فتدلّ على المفهوم ويلزم ارتفاع سنخ الحكم عند تحقّق الغاية ، وبين ما إذا كانت قيدا للموضوع أو الحكم فلا تدلّ على المفهوم. نهاية الأفكار ٢ : ٤٩٧.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «دخولها فيه».

(٢) حيث إنّ المغيّى حينئذ هو نفس الحكم لا المحكوم به ليصحّ أن ينازع في دخول الغاية في حكم المغيّى أو خارج عنه* ، كما لا يخفى. نعم ، يعقل أن ينازع في أنّ الظاهر هل هو انقطاع الحكم المغيّى**؟ بحصول غايته الاصطلاحيّ ـ أي مدخول إلى أو حتّى ـ أو استمراره في تلك الحال؟ ولكن الأظهر هو انقطاعه ، فافهم واستقم. منه [أعلى الله مقامه].

* هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «أو خروجه عنه».

** وقد يقال : إنّ الوجه في عدم المعقوليّة أنّ دخول الغاية في المغيّى فيما إذا كانت الغاية قيدا للحكم مستلزم لاجتماع الضدّين ، ضرورة أنّه إذا كان مثل قوله عليه‌السلام : «حتّى تعلم أنّه قذر» داخلا في حكم المغيّى يلزم منه أن يكون معلوم النجاسة طاهرا ، وليس ذلك إلّا اجتماع الضدّين.

فصل

[مفهوم الحصر]

[الجملة المشتملة على كلمة «إلّا»]

لا شبهة في دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم سلبا أو ايجابا بالمستثنى منه ، ولا يعمّ المستثنى. ولذلك يكون الاستثناء من النفي إثباتا (١) ومن الإثبات نفيا (٢). وذلك للانسباق (٣) عند الإطلاق قطعا.

فلا يعبأ بما عن أبي حنيفة من عدم الإفادة (٤) ، محتجّا بمثل : «لا صلاة إلّا بطهور» (٥) ؛ ضرورة ضعف احتجاجه (٦) : أوّلا ، بكون المراد من مثله أنّه لا تكون

__________________

(١) كقوله تعالى : ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ الحجر / ٤٢.

(٢) كقوله تعالى : ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً﴾ العنكبوت / ١٤.

(٣) أي : لتبادر الاختصاص من الاستثناء.

(٤) أي : عدم إفادة الاستثناء من النفي إثبات الحكم للمستثنى ومن المثبت نفي الحكم من المستثنى. راجع الإحكام (للآمديّ) ٢ : ٣٠٨ ، شرح العضديّ ١ : ٢٦٥.

(٥) وسائل الشيعة ١ : ٢٥٦ ، الباب ١ من أبواب الوضوء الحديث ١ و ٦. والمراد من مثل : «لا صلاة إلّا بطهور» هو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا نكاح إلّا بوليّ» ، راجع مستدرك الوسائل ١٤ : ٣١٧.

(٦) وحاصل احتجاجه : أنّه لو دلّ الاستثناء على اختصاص الحكم بالمستثنى منه بحيث يكون الاستثناء من النفي إثباتا ومن الإثبات نفيا لكان مثل : «لا صلاة إلّا بطهور» دالّا على تحقّق الصلاة عند وجود الطهارة مطلقا ـ أي وإن كان فاقدا لما عداها من الأجزاء والشرائط ـ ، وهو باطل قطعا ، فليكشف هذا من عدم دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم بالمستثنى منه.

الصلاة الّتي كانت واجدة لأجزائها وشرائطها المعتبرة فيها صلاة إلّا إذا كانت واجدة للطهارة (١) ، وبدونها لا تكون صلاة على وجه (٢) ، وصلاة تامّة مأمورا بها على آخر (٣). وثانيا ، بأنّ الاستعمال مع القرينة ـ كما في مثل التركيب ممّا علم فيه الحال ـ لا دلالة له على مدّعاه أصلا ، كما لا يخفى.

ومنه قد انقدح : أنّه لا موقع للاستدلال على المدّعى بقبول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إسلام من قال كلمة التوحيد (٤). لإمكان دعوى أنّ دلالتها على التوحيد كانت بقرينة الحال أو المقال (٥).

والإشكال في دلالتها عليه بأنّ خبر «لا» إمّا يقدّر «ممكن» أو «موجود» ، وعلى كلّ تقدير لا دلالة لها عليه. أمّا على الأوّل : فلأنّه (٦) حينئذ لا دلالة لها إلّا على إثبات إمكان وجوده تبارك وتعالى ، لا وجوده. وأمّا على الثاني : فلأنّها وإن دلّت على وجوده تعالى ، إلّا أنّه لا دلالة لها على عدم إمكان إله آخر.

مندفع بأنّ المراد من الإله هو واجب الوجود ، ونفي ثبوته ووجوده

__________________

(١) بل المراد من مثله في المستثنى منه نفي الإمكان وأنّه لا يكاد يكون بدون المستثنى ، وقضيّته ليس إلّا إمكان ثبوته معه ، لا ثبوته فعلا ، لما هو واضح لمن راجع أمثاله من القضايا العرفيّة. منه [أعلى الله مقامه].

(٢) أي : على القول بكون ألفاظ العبادات موضوعة للصحيحة منها.

(٣) أي : على القول بكون ألفاظ العبادات موضوعة للأعمّ.

(٤) استدلّ الشيخ الأعظم الأنصاريّ بهذا الدليل ـ على ما في تقريرات درسه ـ ، حيث قال : «وقبول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إسلام من قال لا إله إلّا الله من أعدل الشواهد على ذلك».

مطارح الأنظار : ١٨٧.

وتقريب الاستدلال : أنّه لو لم يدلّ الاستثناء في كلمة التوحيد على الحصر ونفي الالوهيّة عن غير الفرد الواحد الأحد ـ وهو الله سبحانه ـ لم تنفع في إسلام من قال : «لا إله إلّا الله». وقبول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إسلام من تفوّه به من أعدل الشواهد على أنّ الاستثناء يفيد الحصر.

(٥) ولكن قال الشيخ الأعظم الأنصاريّ ـ على ما في مطارح الأنظار : ١٨٧ ـ : «والقول بأنّ ذلك للقرينة أو أنّها تدلّ على التوحيد شرعا بمكان من السخافة».

(٦) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «فلأنّها».