المقصد الرابع
في العامّ والخاصّ
[وفيه فصول :]
المقصد الرابع
في العامّ والخاصّ
[وفيه فصول :]
فصل
[تعريف العامّ وأقسامه]
[تعريف العامّ]
قد عرّف العامّ بتعاريف قد وقع (١) من الأعلام فيها النقض ـ بعدم الاطّراد تارة والانعكاس اخرى ـ بما لا يليق بالمقام (٢) ، فإنّها تعاريف لفظيّة تقع في جواب السؤال عنه ب «ما الشارحة» (٣) ، لا واقعة في جواب السؤال عنه : ب «ما الحقيقيّة». كيف؟!(٤) وكان المعنى المركوز منه في الأذهان أوضح ممّا عرّف به مفهوما ومصداقا ، ولذا يجعل صدق ذاك المعنى على فرد وعدم صدقه المقياس في الإشكال عليها (٥) بعدم الاطّراد أو الانعكاس بلا ريب فيه ولا شبهة تعتريه من أحد ،
__________________
(١) وفي بعض النسخ : «وقد وقع».
(٢) راجع هداية المسترشدين : ٣٣٩ ، الفصول الغرويّة : ١٥٨ ، الإحكام (للآمديّ) ٢ : ٤١٣ ـ ٤١٤.
(٣) قد كرّر المصنّف رحمهالله أنّ مثل هذه التعاريف تعاريف لفظيّة تقع في جواب السؤال ب «ما الشارحة».
وظاهر كلامه أنّ التعريف اللفظيّ مساوق لمطلب ما الشارحة. ولكن أورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بأنّه لا مساوقة بين التعريف اللفظيّ ومطلب ما الشارحة ، فإنّ التعريف اللفظيّ يبيّن مفهوم اللفظ ، ومطلب ما الشارحة يبيّن ماهيّة مفهوم اللفظ. راجع نهاية الدراية ١ : ٣٢٧ و ٦٣١.
(٤) أي : كيف لا تكون هذه التعاريف لفظيّة؟!
(٥) أي : على التعاريف بما هي حقيقة العامّ.
والتعريف لا بدّ أن يكون بالأجلى ، كما هو أوضح من أن يخفى.
فالظاهر أنّ الغرض من تعريفه إنّما هو بيان ما يكون بمفهومه جامعا بين ما لا شبهة في أنّها أفراد العامّ ليشار به إليه في مقام إثبات ماله من الأحكام ، لا بيان ما هو حقيقته وماهيّته ، لعدم تعلّق غرض به (١) ـ بعد وضوح ما هو محلّ الكلام بحسب الأحكام من أفراده ومصاديقه ـ ، حيث لا يكون بمفهومه العامّ (٢) محلّا لحكم من الأحكام (٣).
[أقسام العامّ]
ثمّ الظاهر أنّ ما ذكر له من الأقسام من الاستغراقيّ والمجموعيّ والبدليّ (٤) إنّما هو باختلاف كيفيّة تعلّق الأحكام به (٥) ، وإلّا فالعموم
__________________
(١) أي : بما هو حقيقة العامّ.
(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «لا يكون العامّ بمفهومه».
(٣) بل الأحكام الشرعيّة ثابتة لما هو عامّ بالحمل الشائع ، أي ما يكون مصداقا له.
(٤) والمحقّق النائينيّ أنكر العموم البدليّ ، وقال : «وتسمية العموم البدليّ بالعموم ـ مع أنّ العموم بمعنى الشمول ، والبدليّة تنافي الشمول ـ لا تخلو عن مسامحة. وعلى كلّ تقدير العموم بمعنى الشمول ليس إلّا الاستغراقيّ والمجموعيّ». فوائد الاصول ٢ : ٥١٤.
ولا يخفى : أنّ الملاك في إطلاق العموم على مفهوم هو شموله وسريانه إلى جميع ما يصلح لأن ينطبق عليه. وهذا الشمول والسريان ثابت في العامّ البدليّ ، غاية الأمر أنّ الحكم المتعلّق به يسقط بمجرّد إتيان فرد من الأفراد الّتي يشملها ، ففي مثل قولنا : «جئني برجل أيّ رجل» تشمل كلمة «أيّ رجل» جميع أفراد الرجل ، غاية الأمر يسقط الأمر المتعلّق بهذا المفهوم العامّ بمجرّد إتيان فرد من الأفراد الّتي ينطبق عليها.
(٥) إن قلت : كيف ذلك ولكلّ واحد منها لفظ غير ما للآخر مثل «أيّ رجل» للبدليّ ، و «كلّ رجل» للاستغراقيّ.
قلت : نعم ، ولكنّه لا يقتضي أن تكون هذه الأقسام له ولو بملاحظة اختلاف كيفيّة تعلّق الأحكام ، لعدم إمكان تطرّق هذه الأقسام إلّا بهذه الملاحظة ، فتأمّل جيّدا. منه [أعلى الله مقامه].
في الجميع بمعنى واحد ، وهو : «شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق (١) عليه (٢)». غاية الأمر أنّ تعلّق الحكم به تارة بنحو يكون كلّ فرد موضوعا على حدة للحكم ؛ واخرى بنحو يكون الجميع موضوعا واحدا ، بحيث لو أخلّ بإكرام واحد في «أكرم كلّ فقيه» ـ مثلا ـ لما امتثل أصلا ، بخلاف الصورة الأولى ، فإنّه أطاع وعصى ؛ وثالثة بنحو يكون كلّ واحد موضوعا على البدل ، بحيث لو أكرم واحدا منهم لقد أطاع وامتثل ، كما يظهر لمن أمعن النظر وتأمّل (٣).
__________________
(١) هكذا في جميع النسخ ، والصحيح : «لأن ينطبق ...».
(٢) فالعامّ ـ عند المصنّف رحمهالله ـ عبارة عمّا دلّ على شمول مفهوم لجميع ما يصلح لأن ينطبق عليه.
(٣) لا يخفى : أنّ الظاهر من كلام المصنّف رحمهالله أنّ منشأ هذا التقسيم هو اختلاف كيفيّة تعلّق الحكم بالعامّ.
ولكن التحقيق : أنّ الاستغراقيّة والمجموعيّة والبدليّة من خصوصيّات الموضوع العامّ ، ضرورة أنّ الموضوع المنطبق على جميع الأفراد قد يلحظ كلّ فرد من أفراده وحده موضوعا للحكم ، وقد يلحظ مجموع أفراده بما هو مجموع موضوعا للحكم ، وقد يلحظ فرد من أفراده على البدل موضوعا للحكم. ولا شكّ أنّ الموضوع مقدّم على الحكم ، فيمتنع أن ينشأ خصوصيّات الموضوع المقدّم من قبل الحكم المتأخّر عنه.
ولذا حمل المحقّق الأصفهانيّ عبارة الكفاية على غير ظاهره ، فأفاد ما حاصله : أنّ طبيعة العامّ متقوّمة بجهتين : جهة وحدة وجهة كثرة ، فإنّها واحدة مفهوما ومتكثّرة ذاتا. لكن المولى في مرحلة جعل الحكم تارة يلحظ جهة الوحدة من دون لحاظ جهة الكثرة ، فيلحظ الطبيعة فانية في أفرادها على نحو الوحدة في الجمع ـ أي يلحظ الأفراد الكثيرة على نحو الجمع واقعا في مفهوم واحد ـ ويجعل الحكم عليها على نحو الجمع ، فيكون المجموع موضوعا واحدا بحيث يكون كلّ فرد جزء الموضوع. واخرى يلحظ الطبيعة فانية في أفرادها على نحو الوحدة في الكثرة ـ أي يلحظ الأفراد الكثيرة على نحو الاستقلال واقعا في مفهوم واحد ـ ويجعل الحكم على الأفراد بحيث يكون كلّ واحد منها مفهوما مستقلّا. وثالثة يلحظ الطبيعة فانية في صرف وجود الأفراد بنحو يكون كلّ واحد منها على البدل موضوعا للحكم. فعلى الأوّل يكون العموم مجموعيّا ، أي : جهة الكثرة وإن كانت محفوظة فيه ، إلّا أنّها ملغاة في مرتبة الموضوعيّة. وعلى الثاني يكون استغراقيّا ، أي : جهة الوحدة بين الأفراد وإن كانت محفوظة ، إلّا أنّها ملغاة في مرتبة الموضوعيّة. وعلى الثالث يكون بدليّا أي : كلتا الجهتين ملغاة في مرتبة الموضوعيّة. نهاية الدراية ١ : ٦٣١ ـ ٦٣٢.