درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۸۶: عام و خاص ۴

 

فصل

[دلالة العامّ على العموم متوقّف على إطلاقه]

ربما عدّ من الألفاظ الدالّة على العموم النكرة [الواقعة] (١) في سياق النفي (٢) أو النهي (٣). ودلالتها عليه لا ينبغي أن تنكر عقلا ، لضرورة أنّه لا يكاد تكون طبيعة معدومة إلّا إذا لم يكن فرد منها بموجود ، وإلّا كانت موجودة.

لكن لا يخفى : أنّها تفيده إذا اخذت مرسلة (٤) ـ لا مبهمة ـ قابلة للتقييد (٥) ، وإلّا فسلبها لا يقتضي إلّا استيعاب السلب لما اريد منها يقينا ، لا استيعاب ما يصلح لانطباقها عليه من أفرادها.

وهذا (٦) لا ينافي كون دلالتها عليه عقليّة ، فإنّها بالإضافة إلى أفراد ما يراد منها ، لا الأفراد الّتي تصلح لانطباقها عليها. كما لا تنافي دلالة مثل لفظ «كلّ» على العموم وضعا كون عمومه بحسب ما يراد من مدخوله. ولذا لا ينافيه تقييد المدخول

__________________

(١) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٢) نحو : لا رجل في الدار.

(٣) نحو : لا تضرب زيدا.

(٤) أي : تكون الطبيعة مطلقة.

(٥) وإحراز الإرسال فيما أضيفت إليه إنّما هو بمقدّمات الحكمة ، فلولاها كانت مهملة ، وهي ليست إلّا بحكم الجزئيّة ، فلا تفيد إلّا نفي هذه الطبيعة في الجملة ولو في ضمن صنف منها ، فافهم ، فإنّه لا يخلو من دقّة. منه [أعلى الله مقامه].

(٦) أي : عدم إفادة النكرة الواقعة في سياق النفي استيعاب جميع أفرادها فيما كانت مبهمة مهملة.

بقيود كثيرة. نعم ، لا يبعد أن يكون ظاهرا عند إطلاقها في استيعاب جميع أفرادها (١).

وهذا هو الحال في المحلّى باللام ، جمعا كان أو مفردا. بناء على إفادته للعموم. ولذا لا ينافيه تقييد المدخول بالوصف وغيره (٢).

__________________

(١) وفي مراد المصنّف رحمه‌الله من هذه العبارة وجوه :

الأوّل : أنّه لا يبعد أن يكون مثل لفظ «كلّ» ظاهرا في استيعاب جميع أفراد مدخوله عند إطلاق مدخوله. وعليه فالصحيح أن يقول : «نعم ، لا يبعد أن يكون ظاهرا عند إطلاقه في استيعاب جميع أفراده».

الثاني : أنّه لا يبعد أن تكون النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهى ظاهرة عند إطلاقها في استيعاب جميع أفرادها. وعليه فالصحيح أن يقول : «نعم ، لا يبعد أن تكون ظاهرة ...».

الثالث : أنّه لا يبعد أن يكون لفظ «كلّ» ظاهرا في استيعاب جميع أفرادها عند إطلاق النكرة. وهذا يناسب ظاهر العبارة.

أمّا الثالث : فهو وإن يناسب ظاهر العبارة ، إلّا أنّه غير مقصود قطعا ، لعدم ارتباط بين صدره وذيله.

وأمّا الثاني : فهو لا يناسب ما ذكر آنفا من أنّ النكرة إذا اخذت مطلقة تفيد استيعاب جميع أفرادها قطعا ، فلا معنى لنفي البعد عنه.

فالأقرب هو الوجه الأوّل.

(٢) ونلخّص ما أفاده في هذا الفصل ذيل مطالب :

الأوّل : أنّ النكرة الواقعة في سياق النهي أو النهي إنّما تدلّ على عموم ما يراد منها عقلا. وأمّا دلالتها على العموم سعة وضيقا فتتبّع سعة المدخول وضيقه. فنفي النكرة ونهيها إنّما يدلّان على النفي والنهي عن جميع أفراد المنفي والمنهي عنه ، وأمّا تعيين حدود المنفي أو المنهي عنه يحتاج إلى دليل آخر.

وعليه فدلالة النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي على العموم ـ بمعنى استيعاب جميع ما تصلح لأن تنطبق عليه من أفرادها ـ يتوقّف على أن تكون مطلقة كي تجري مقدّمات الحكمة ويحرز أنّ المراد بها سعة المدخول ، وإلّا فلا تدلّ عليه ، بل تدلّ على نفي المتيقّن منها في إطار الإرادة.

الثاني : أنّ لفظة «كلّ» وأمثالها وإن كانت موضوعة للعموم ، إلّا أنّها موضوعة لعموم ما يراد من مدخولها. وأمّا دلالتها على سعة مدخولها واستيعاب جميع ما يصلح لأن ينطبق عليه من أفراده فيتوقّف على إطلاق مدخولها وجريان مقدّمات الحكمة.

الثالث : أنّ المحلّى باللام ـ بناء على إفادته العموم ـ إنّما يدلّ على عموم أفراد مدخوله. ـ

وإطلاق التخصيص على تقييده ليس إلّا من قبيل «ضيّق فم الركيّة (١)» (٢).

لكن دلالته على العموم وضعا محلّ منع ، بل إنّما يفيده فيما إذا اقتضته الحكمة أو قرينة اخرى. وذلك لعدم اقتضائه وضع «اللام» ولا مدخوله ولا وضع آخر للمركّب منهما ، كما لا يخفى. وربما يأتي في المطلق والمقيّد (٣) بعض الكلام ممّا يناسب المقام (٤).

__________________

ـ وأمّا دلالته على سعة مدخوله واستيعاب جميع أفراده تبتني على إثبات إطلاق مدخوله بإجراء مقدّمات الحكمة.

وبالجملة : إنّ العامّ لا يدلّ على العموم ـ بمعنى استيعاب جميع ما يصلح لأن ينطبق عليه من أفراده ـ إلّا بعد جريان مقدّمات الحكمة.

وناقش فيه السيّد الإمام الخمينيّ بوجهين :

الأوّل : أنّ موضوع الإطلاق نفس الطبيعة ، وموضوع الحكم في العامّ هو أفرادها ، لا نفسها.

الثاني : أنّ المتكلّم بالعموم يتعرّض لمصاديق الطبيعة ، ومعه لا معنى لعدم كونه في مقام بيان تمام الأفراد. بخلاف باب الإطلاق ، لإمكان أن لا يكون المتكلّم بصدد بيان حكم الطبيعة ، بل يكون بصدد بيان حكم آخر ، فلا بدّ من جريان مقدّمات الحكمة.

وبالجملة : دخول ألفاظ العموم على نفس الطبيعة المهملة يدلّ على استيعاب أفرادها. مناهج الوصول ٢ : ٢٣٣.

والسيّد المحقّق الخوئيّ ـ بعد ارتضائه بما أفاده المصنّف رحمه‌الله في المطلب الأوّل ـ أورد على المطلب الثاني ـ بما يتضمّنه كلام المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ٦٣٣ ـ ، وحاصله : أنّ ما أفاده يستلزم لغويّة مثل لفظ «كلّ» ، لأنّه إذا احرز عموم مدخولها بمقدّمات الحكمة فلا يبقى لمثله أيّ أثر. محاضرات في اصول الفقه ٥ : ١٥٨.

(١) الركيّة : البئر.

(٢) جواب عن إشكال مقدّر :

أمّا الإشكال ، فهو : أنّ عدم دلالة المحلّى باللام على العموم إلّا بعد إطلاق المدخول ينافي إطلاق التخصيص عليه بعد تقيّده بقيد ، فإنّ التخصيص فرع ثبوت العموم.

وأمّا الجواب ، فهو : أنّ إطلاق التخصيص عليه من باب المسامحة ، نظير الأمر بالتضييق في قولهم : «ضيّق فم الركيّة» ، حيث يقال قبل إحداث البئر.

(٣) يأتي في الصفحة : ٢٠٩ ـ ٢١٠ من هذا الجزء.

(٤) هكذا في النسخ ، والأولى أن يقول : «وذلك لعدم وضع اللام ولا مدخوله ولا المركّب منهما للعموم».

فصل

[حجّيّة العامّ المخصّص في الباقي]

[المشهور بين الأصحاب]

لا شبهة في أنّ العام المخصّص بالمتّصل أو المنفصل حجّة فيما بقي فيما علم عدم دخوله في المخصّص مطلقا ولو كان متّصلا ، وما احتمل دخوله فيه أيضا إذا كان منفصلا(١)،

__________________

(١) والأولى أن يقول : «الحقّ أنّ العامّ المخصّص حجّة فيما بقي إذا علم عدم دخوله في المخصّص مطلقا ولو كان متّصلا ، وحجّة فيما احتمل دخوله فيه أيضا إذا كان منفصلا».

وجه الأولويّة : أنّ قوله : «لا شبهة» ظاهر في نفي الشبهة عند الجميع. وهو ينافي الخلاف الّذي تعرّض له بعد. مضافا إلى أنّ قوله : «بالمتّصل أو المنفصل» مستدرك ، لأنّ قوله : «مطلقا ولو كان متّصلا» مغن عنه.

وحاصل ما أفاده : أنّ المخصّص قسمان :

أحدهما : ما يقترن بالعامّ في جملة واحدة ، كقولنا : «أشهد أن لا إله إلّا الله» ، ويسمّى : «المخصّص المتّصل».

ثانيهما : ما لا يقترن بالعامّ في جملة واحدة ، بل ورد في كلام آخر مستقلّ قبله أو بعده ، كأن يقول المولى : «أكرم العلماء» ثمّ يقول : «لا تكرم النحويّين» ، ويسمّى : «المخصّص المنفصل».

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ في المقام صور أربع :

الأولى : أن يعلم عدم دخول الباقي ـ وهو غير ما خرج بالتخصيص ـ في المخصّص وكان المخصّص منفصلا. ـ

كما هو (١) المشهور بين الأصحاب ، بل لا ينسب الخلاف (٢) إلّا إلى بعض أهل الخلاف(٣).

وربما فصّل بين المخصّص المتّصل فقيل بحجّيّته فيه ، وبين المنفصل فقيل بعدم حجّيّته(٤).

[احتجاج النافين والجواب عنه]

واحتجّ النافي (٥) بالإجمال ، لتعدّد المجازات حسب مراتب الخصوصيّات ، وتعيّن الباقي من بينها بلا معيّن ترجيح بلا مرجّح (٦).

والتحقيق في الجواب أن يقال : إنّه لا يلزم من التخصيص كون العامّ مجازا :

أمّا في التخصيص بالمتّصل : فلما عرفت من أنّه لا تخصيص أصلا ، وأنّ أدوات

__________________

ـ الثانية : أن يعلم عدم دخول الباقي في المخصّص وكان المخصّص متّصلا.

الثالثة : أن يحتمل دخول الباقي في المخصّص وكان المخصّص منفصلا.

الرابعة : أن يحتمل دخوله في المخصّص وكان المخصّص متّصلا.

فالعامّ المخصّص حجّة في الباقي إلّا في الصورة الرابعة.

(١) أي : كون العامّ حجّة في الباقي.

وتوهّم بعض المحشّين رجوعه إلى الصورة الثالثة ـ أي : كون العامّ حجّة في الباقي فيما احتمل دخوله في المخصّص إذا كان منفصلا ـ. ولكنّه لا يناسب ما يأتي من الإضراب حيث قال : «بل لا ينسب الخلاف ...».

(٢) الخلاف هنا بمعنى المخالفة.

(٣) وهو الغزاليّ وأبو الحسن الكرخيّ وعيسى بن أبان وأبو ثور. راجع الإحكام (للآمديّ) ٢ : ٢٢٧ ، واصول السرخسيّ ١ : ١٤٤ ، واصول الجصّاص ١ : ١٣١ ، والإحكام (لابن حزم) ٣ : ٣٧٣.

(٤) هذا ما ذهب إليه البلخيّ من العامّة على ما في الإحكام (للآمديّ) ٢ : ٢٢.

(٥) راجع اصول الجصّاص ١ : ١٣١.

(٦) توضيحه : أنّ العامّ حقيقة في العموم ، وإذا خصّص كان استعماله في الباقي استعمالا في غير الموضوع له ، فيكون استعماله مجازيّا. وبما أنّ مراتب المجاز ـ أي ما عدا الخاصّ ـ متعدّدة ولا معيّن لإحداها ، فلا يكون العامّ حجّة في إحداها ، وتعيين تمام الباقي ترجيح بلا مرجّح.