درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۹۲: عام و خاص ۱۰

 

والتحقيق عدم جوازه ، إذ غاية ما يمكن أن يقال في وجه جوازه : أنّ الخاصّ إنّما يزاحم العامّ فيما كان فعلا حجّة ، ولا يكون حجّة فيما اشتبه أنّه من أفراده ، فخطاب «لا تكرم فسّاق العلماء» لا يكون دليلا على حرمة إكرام من شكّ في فسقه من العلماء ، فلا يزاحم مثل «أكرم العلماء» ولا يعارضه ، فإنّه يكون من قبيل مزاحمة الحجّة بغير الحجّة.

وهو (١) في غاية الفساد ، فإنّ الخاصّ وإن لم يكن دليلا في الفرد المشتبه فعلا ، إلّا أنّه (٢) يوجب اختصاص حجّيّة العامّ في غير عنوانه من الأفراد ، فيكون «أكرم العلماء» دليلا وحجّة في العالم غير الفاسق. فالمصداق المشتبه وإن كان مصداقا للعامّ بلا كلام ، إلّا أنّه لم يعلم أنّه من مصاديقه بما هو حجّة ، لاختصاص حجّيّته بغير الفاسق.

وبالجملة : العامّ المخصّص بالمنفصل وإن كان ظهوره في العموم كما إذا لم يكن مخصّصا ـ بخلاف المخصّص بالمتّصل كما عرفت ـ إلّا أنّه في عدم الحجّيّة ـ إلّا في غير عنوان الخاصّ ـ مثله. فحينئذ يكون الفرد المشتبه غير معلوم الاندراج تحت إحدى الحجّتين ، فلا بدّ من الرجوع إلى ما هو الأصل في البين. هذا إذا كان المخصّص لفظيّا.

وأمّا إذا كان لبّيّا (٣) : فإن كان ممّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب (٤) ، فهو كالمتّصل ، حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعامّ إلّا في الخصوص. وإن لم يكن كذلك ، فالظاهر بقاء العامّ في المصداق المشتبه على

__________________

ـ موضوع الحكم وتضييقه وبين المخصّص اللبّي الّذي يوجب تقييد موضوع الحكم. فلا يجوز التمسّك به في الأوّل ، ويجوز في الثاني. وهذا ما اختاره المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٢ : ٥٣٦ ـ ٥٣٩.

(١) أي : ما يقال في وجه جوازه.

(٢) أي : الخاصّ.

(٣) المخصّص اللبّيّ ما يقابل اللفظيّ ، كالإجماع ودليل العقل والسيرة وغيرها.

(٤) كما إذا كان المخصّص حكما عقليّا ضروريّا بحيث يعدّ عرفا من القرائن المتّصلة المانعة عن انعقاد ظهور للعامّ في العموم.

حجّيّته كظهوره فيه.

والسرّ في ذلك : أنّ الكلام الملقى من السيّد حجّة ليس إلّا ما اشتمل على العامّ الكاشف بظهوره عن إرادته للعموم ، فلا بدّ من اتّباعه ما لم يقطع بخلافه. مثلا ، إذا قال المولى : «أكرم جيراني» ، وقطع (١) بأنّه لا يريد إكرام من كان عدوّا له منهم (٢) ، كان أصالة العموم باقية على الحجّيّة بالنسبة إلى من لم يعلم بخروجه عن عموم الكلام ، للعلم بعداوته ، لعدم حجّة اخرى بدون ذلك على خلافه (٣). بخلاف ما إذا كان المخصّص لفظيّا ، فإنّ قضيّة تقديمه عليه (٤) هو كون الملقى إليه كأنّه كان ـ من رأس ـ لا يعمّ الخاصّ ، كما كان كذلك حقيقة فيما كان الخاصّ متّصلا. والقطع بعدم إرادة العدوّ لا يوجب انقطاع حجيّته إلّا فيما قطع أنّه عدوّه ، لا فيما شكّ فيه ، كما يظهر صدق هذا من صحّة مؤاخذة المولى لو لم يكرم واحدا من جيرانه لاحتمال عداوته له ، وحسن عقوبته على مخالفته ، وعدم صحّة الاعتذار عنه بمجرّد احتمال العداوة ، كما لا يخفى على من راجع الطريقة المعروفة والسيرة المستمرّة المألوفة بين العقلاء الّتي هي ملاك حجّيّة أصالة الظهور.

وبالجملة : كان بناء العقلاء على حجّيّتها (٥) بالنسبة إلى المشتبه هاهنا. بخلاف هناك. ولعلّه لما أشرنا إليه من التفاوت بينهما بإلقاء حجّتين هناك تكون قضيّتهما بعد تحكيم الخاصّ وتقديمه على العامّ كأنّه لم يعمّه حكما من رأس ، وكأنّه لم يكن بعامّ ؛ بخلاف هاهنا ، فإنّ الحجّة الملقاة ليست إلّا واحدة ، والقطع بعدم إرادة إكرام العدوّ في «أكرم جيراني» ـ مثلا ـ لا يوجب رفع اليد عن عمومه إلّا فيما قطع بخروجه من تحته ، فإنّه على الحكيم إلقاء كلامه على وفق غرضه ومرامه ، فلا بدّ من اتّباعه ما لم تقم حجّة أقوى على خلافه.

__________________

(١) أي : قطع العبد.

(٢) أي : من الجيران.

(٣) أي : على خلاف العموم.

(٤) أي : تقديم الخاصّ على العامّ.

(٥) أي : حجّيّة أصالة الظهور بالنسبة إلى الفرد المشتبه ، كمحتمل العداوة.