درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۰۱: عام و خاص ۱۹

 

كما أنّ قضيّة إرادة العموم منه لغيرهم استعماله في غيره (١).

لكنّ الظاهر أنّ مثل أدوات النداء لم يكن موضوعا لذلك (٢) ، بل للخطاب الإيقاعيّ الإنشائيّ. فالمتكلّم ربما يوقع الخطاب بها تحسّرا وتأسّفا وحزنا ، مثل «يا كوكبا ما كان أقصر عمره» (٣) ، أو شوقا (٤) ونحو ذلك ، كما يوقعه مخاطبا لمن يناديه حقيقة. فلا يوجب استعماله في معناه الحقيقيّ حينئذ التخصيص بمن يصحّ مخاطبته (٥).

نعم ، لا يبعد دعوى الظهور انصرافا في الخطاب الحقيقيّ ، كما هو الحال في حروف الاستفهام والترجّي والتمنّي وغيرها على ما حقّقنا في بعض المباحث السابقة (٦) من كونها موضوعة للإيقاعيّ منها بدواع مختلفة مع ظهورها في الواقعيّ

__________________

(١) أي : كما أنّ إرادة الشمول لغير المشافهين ممّا يقع في تلو الأداة ـ كالناس في «يا أيّها الناس» ـ تقتضي استعمال ما وضع للخطاب في غير الخطاب الحقيقيّ.

(٢) أي : للخطاب الحقيقيّ.

(٣) البيت من قصيدة أبي الحسن التهاميّ في رثاء ولده الّذي مات صغيرا. وتمام البيت هكذا : «وكذاك عمر كواكب الأسحار». راجع شهداء الفضيلة : ٢٤.

(٤) كقول الشافعيّ :

يا آل بيت رسول الله حبّكم

فرض من الله في القرآن أنزله

الصواعق المحرقة : ٨٨

(٥) وهو الحاضرين.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى التفصيل بين القضايا الخارجيّة فتختصّ بالمشافهين ، لأنّ عموم الخطاب فيها للغائبين ـ فضلا عن المعدومين ـ يحتاج إلى عناية زائدة ، وبين القضايا الحقيقيّة فتعمّ المعدومين فضلا عن الغائبين ، لأنّ توجيه الخطاب إليهم لا يحتاج إلى أزيد من تنزيلهم منزلة الموجودين الّذي هو المقوّم لكون القضيّة حقيقيّة. فوائد الاصول ٢ : ٥٥٠.

وأورد عليه السيّد المحقّق الخوئيّ ـ تبعا للمحقّق الاصفهانيّ ـ بأنّه لا يكفي في شمول الخطاب للمعدوم والغائب تنزيلهم منزلة الموجود ، بل لا بدّ من تنزيلهم منزلة الحاضر في مجلس التخاطب ، وهو أمر زائد على مقتضى القضيّة الحقيقيّة ، فينفيه الأصل مع عدم الدليل عليه. راجع نهاية الدراية ١ : ٦٥٢ ـ ٦٥٣ ، والمحاضرات ٥ : ٢٧٧.

(٦) راجع الجزء الأوّل : ١٢٨.

منها انصرافا إذا لم يكن هناك ما يمنع عنه. كما يمكن دعوى وجوده (١) غالبا في كلام الشارع ، ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل : «يا أيّها الناس اتّقوا» و «يا أيّها المؤمنون» بمن حضر مجلس الخطاب بلا شبهة ولا ارتياب.

ويشهد لما ذكرنا (٢) صحّة النداء بالأدوات مع إرادة العموم من العامّ الواقع تلوها بلا عناية ولا للتنزيل والعلاقة رعاية (٣).

وتوهّم كونه ارتكازيّا (٤) ، يدفعه عدم العلم به مع الالتفات إليه والتفتيش عن حاله ، مع حصوله بذلك لو كان مرتكزا (٥) ، وإلّا فمن أين يعلم بثبوته كذلك ؛ كما هو واضح(٦).

وإن أبيت إلّا عن وضع الأدوات للخطاب الحقيقيّ فلا مناص عن التزام اختصاص الخطابات الإلهيّة بأدوات الخطاب أو بنفس توجيه الكلام بدون

__________________

(١) أي : وجود ما يمنع عن انصرافها إلى المعاني الحقيقيّة.

(٢) من أنّ أدوات النداء موضوعة للخطاب الإيقاعيّ الإنشائيّ ، لا الحقيقيّ.

(٣) أي : ولا رعاية للتنزيل والعلاقة.

ومقصوده : أنّ صحّة النداء بالأدوات مع إرادة العموم من تاليها لغير المشافهين ـ من دون رعاية قرينة مجاز وتنزيل الغائب منزلة الحاضر ـ أقوى شاهد على أنّها موضوعة للخطاب الإنشائيّ الإيقاعيّ ، وإلّا لما صحّ إرادة العموم إلّا بالتنزيل أو العناية ورعاية قرينة المجاز.

(٤) حاصل التوهّم : أنّ صحّة إرادة العموم من العامّ الواقع تلو الأدوات ليس لأجل وضعها للخطاب الإيقاعيّ ، بل لأجل كون تنزيل الغائب والمعدوم منزلة الحاضر والموجود أمرا ارتكازيّا يصحّح إرادة العموم من تلوها مع وضع الأدوات للخطاب الحقيقيّ.

(٥) وفي بعض النسخ المطبوعة : «مع حصول العلم به بذلك لو كان ارتكازيّا».

(٦) حاصل الدفع : أنّ الغفلة عن الامور الارتكازيّة وإن كانت ممكنة ، إلّا أنّ التفتيش عنها والتوجّه إليها يوجب العلم بها. وفي مثل «يا أيّها الناس» لا نلتفت إلى التنزيل بعد التوجّه إليه والتفتيش عنه. وعدم العلم بالتنزيل بعد التفتيش يكشف عن عدم كونه ارتكازيّا. فيكون معنى العبارة : «يدفع التوهّم عدم العلم بالتنزيل بعد التوجّه إليه والتفتيش عن حاله ، مع حصول العلم بالتنزيل بالتفتيش والتوجّه إليه لو كان مرتكزا ، وإلّا فمن أين يعلم بثبوت التنزيل ارتكازا».

الأداة (١) كغيرها (٢) بالمشافهين (٣) فيما لم يكن هناك قرينة على التعميم.

وتوهّم صحّة التزام التعميم في خطاباته تعالى لغير الموجودين ـ فضلا عن الغائبين ـ لإحاطته بالموجود في الحال والموجود في الاستقبال (٤) ، فاسد (٥) ، ضرورة أنّ إحاطته تعالى لا توجب صلاحيّة المعدوم بل الغائب للخطاب. وعدم صحّة المخاطبة معهما لقصورهما لا يوجب نقصا في ناحيته تعالى ، كما لا يخفى. كما أنّ خطابه اللفظيّ لكونه تدريجيّا ومتصرّم الوجود كان قاصرا عن أن يكون موجّها نحو غير من كان بمسمع منه ضرورة.

هذا لو قلنا بأن الخطاب بمثل ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا﴾ في الكتاب (٦) حقيقة إلى غير النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلسانه (٧).

وأمّا إذا قيل بأنّه المخاطب والموجّه إليه الكلام حقيقة ، وحيا أو إلهاما ، فلا محيص إلّا عن كون الأداة (٨) في مثله للخطاب الإيقاعيّ ولو مجازا. وعليه لا مجال لتوهّم اختصاص الحكم المتكفّل له الخطاب بالحاضرين ، بل يعمّ المعدومين فضلا عن الغائبين.

__________________

(١) قوله : «بأدوات الخطاب أو بنفس توجيه الكلام بدون الأداة» متعلّق بقوله : «الخطابات الإلهيّة».

(٢) أي : كغير الخطابات الإلهيّة ، وهو الخطابات العرفيّة.

(٣) متعلّق بقوله : «اختصاص».

(٤) هذا التوهّم تعرّض له صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٨٣.

(٥) خبر قوله : «توهّم».

(٦) النساء / ١.

(٧) هكذا في النسخ. والأولى إمّا أن يقول : «في الكتاب موجّه حقيقة إلى ...» أو يقول : «بأنّ المخاطب بمثل ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا﴾ في الكتاب حقيقة هو غير النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله».

(٨) هكذا في النسخ : والصحيح أن يقول : «فلا محيص عن كون الأداة ...» ، لأنّ المقصود من العبارة : أنّ في هذا الفرض لا بدّ لنا من الالتزام بالخطاب الإيقاعيّ. وما في النسخ لا يفهم المقصود بل يفهم عكسه ، لأنّ الاستثناء من النفي إثبات ، فيكون معنى قوله : «فلا محيص إلّا عن كون الأداة» : أنّه لا محيص إلّا المحيص عن الالتزام بالخطاب الإيقاعيّ. وهذا خلاف المقصود.