درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۰۷: عام و خاص ۲۵

 

دار فيه (١) بين العموم والمفهوم إذا لم يكن مع ذلك أحدهما أظهر ، وإلّا كان مانعا عن انعقاد الظهور أو استقراره في الآخر.

ومنه قد انقدح الحال فيما إذا لم يكن بين ما دلّ على العموم وما له المفهوم ذاك الارتباط والاتّصال ، وأنّه لا بدّ أن يعامل مع كلّ منهما معاملة المجمل لو لم يكن في البين أظهر ، وإلّا فهو المعوّل والقرينة (٢) على التصرّف في الآخر بما لا يخالفه بحسب العمل.

__________________

(١) أي : فيما إذا ورد العامّ وما له المفهوم في كلام أو كلامين.

(٢) معطوف على قوله : «المعوّل» ، أي : وهو القرينة ...

فصل

[الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة]

الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة (١) هل الظاهر هو رجوعه إلى الكلّ أو خصوص الأخيرة أو لا ظهور له في واحد منهما ، بل لا بدّ في التعيين من قرينة؟ (٢) أقوال (٣).

__________________

(١) لا يخفى : أنّ البحث لا يختصّ بالاستثناء ، بل يعمّ كلّ مخصّص متّصل كالنعت والحال وغيرهما. كما أنّ البحث لا يعمّ كلّ جمل متعدّدة ، بل يختصّ بالجمل المتعاطفة.

وعليه ، فكان الأولى أن يقول : «المخصّص المتعقّب للجمل المتعاطفة» ، فإنّ قولنا : «المخصّص» يشمل النعت والحال وغيرهما. وقولنا : «المتعقّب» يدلّ على خروج المخصّص غير المتعقّب ، وهو المخصّص المنفصل الّذي يسقط الجميع عن الحجّيّة من جهة العلم الإجماليّ. وقولنا : «للجمل المتعاطفة» يدلّ على خروج الجمل المستقلّة.

(٢) مثاله قوله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ...﴾ النور / ٥ و ٦.

وقوله تعالى : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ النساء / ٩٢.

(٣) القول الأوّل : ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة. وهذا منسوب إلى أبي حنيفة كما في الإحكام (للآمديّ) ٢ : ٣٠٠. واختاره العلّامة في مبادئ الوصول : ١٣٦ ، وصاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٢٠٤. ـ

والظاهر أنّه لا خلاف ولا إشكال في رجوعه إلى الأخيرة على أيّ حال ، ضرورة أنّ رجوعه إلى غيرها بلا قرينة خارج عن طريقة أهل المحاورة. وكذا في صحّة رجوعه إلى الكلّ ـ وإن كان المتراءى من كلام صاحب المعالم رحمه‌الله (١) حيث مهّد مقدّمة لصحّة رجوعه إليه (٢) ـ أنّه (٣) محلّ الإشكال والتأمّل. وذلك ضرورة أنّ تعدّد المستثنى منه كتعدّد المستثنى لا يوجب تفاوتا أصلا في ناحية الأداة بحسب المعنى ـ كان الموضوع له في الحروف عامّا أو خاصّا ـ ، وكان المستعمل فيه الأداة

__________________

ـ القول الثاني : أنّ الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل ، وتخصيصه بالأخيرة يحتاج إلى الدليل. وهذا مذهب الشافعيّة من العامّة والشيخ الطوسيّ من الإماميّة. راجع الإحكام (للآمدي) ٢ : ٣٠٠ ، والعدّة ١ : ٣٢١.

القول الثالث : عدم ظهور الكلام في واحد منهما ، وإن كان رجوعه إلى الأخيرة متعيّنا. فيبقى ما عدا الأخيرة مجملا. وهذا ما يتراءى من كلام السيّد المرتضى في الذريعة إلى اصول الشريعة ١ : ٢٤٩. واختاره المصنّفرحمه‌الله في المقام.

القول الرابع : التفصيل بين ما إذا كرّر الحكم دون الموضوع ، كقولنا «أكرم العلماء واحسنهم واطعمهم واقض حوائجهم إلّا الفاسقين» ، وبين ما إذا كرّر الموضوع أيضا كالآية الشريفة. فعلى الأوّل يرجع الاستثناء إلى الجميع ، وعلى الثاني يرجع إلى خصوص الأخيرة. وهذا ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٢ : ٥٥٥.

القول الخامس : التفصيل بين ما إذا لم يتكرّر الموضوع وما إذا كرّر. فعلى الأوّل يرجع الضمير إلى المذكور في الجملة الأولى ، فيوجب تخصيصه بالإضافة إلى جميع الأحكام الثابتة له. وعلى الثاني يرجع إلى ما اعيد فيه الموضوع وما بعده. وهذا ما أفاده السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٥ : ٣٠٨ ـ ٣٠٩.

القول السادس : أنّه إذا لم يتكرّر الموضوع يرجع الاستثناء إلى الجميع ، وإذا تكرّر ـ سواء تكرّر في الجمل كلّها أو في بعض الجمل ـ فرجوعه إلى الجميع وإلى الأخيرة محتمل ، ولا يكون ظاهرا في واحد منهما. وهذا مختار السيّد الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ٢ : ٣٠٧ ـ ٣٠٨.

(١) معالم الدين : ١٢٤.

(٢) لا يخفى : أنّ الظاهر من كلام صاحب المعالم أنّه مهّد المقدّمة لإثبات أنّ رجوع الاستثناء إلى الكلّ على نحو الاشتراك المعنويّ ، لا الاشتراك اللفظيّ. فغرضه من تمهيد المقدّمة بيان كيفيّة رجوعه إلى الكلّ ، لا بيان أصل صحّة رجوعه إليه.

(٣) أي : رجوعه إلى الكلّ.

فيما كان المستثنى منه متعدّدا هو المستعمل فيه فيما كان واحدا ، كما هو الحال في المستثنى بلا ريب ولا إشكال. وتعدّد المخرج أو المخرج عنه خارجا لا يوجب تعدّد ما استعمل فيه أداة الإخراج مفهوما.

وبذلك يظهر : أنّه لا ظهور لها في الرجوع إلى الجميع أو خصوص الأخيرة ، وإن كان الرجوع إليها متيقّنا على كلّ تقدير.

نعم ، غير الأخيرة أيضا من الجمل لا يكون ظاهرا في العموم ، لاكتنافه بما لا يكون معه ظاهرا فيه ، فلا بدّ في مورد الاستثناء فيه من الرجوع إلى الاصول.

اللهمّ إلّا أن يقال بحجّيّة أصالة الحقيقة تعبّدا ، لا من باب الظهور ، فيكون المرجع عليه (١) أصالة العموم إذا كان وضعيّا ، لا ما إذا كان بالإطلاق ومقدّمات الحكمة ، فإنّه لا يكاد تتمّ تلك المقدّمات مع صلوح الاستثناء للرجوع إلى الجميع ، فتأمّل (٢).

__________________

(١) أي : على القول بحجّيّة أصالة الحقيقة تعبّدا.

(٢) إشارة إلى أنّه يكفي في منع جريان المقدّمات صلوح الاستثناء لذلك ، لاحتمال اعتماد المطلق حينئذ في التقييد عليه ، لاعتقاد أنّه كاف فيه.

اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ مجرّد صلوحه لذلك بدون قرينة عليه غير صالح للاعتماد ما لم يكن بحسب متفاهم العرف ظاهرا في الرجوع إلى الجميع. فأصالة الإطلاق مع عدم القرينة محكّمة ، لتماميّة مقدّمات الحكمة ، فافهم. منه [أعلى الله مقامه].