درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۱۳: عام و خاص ۳۱

 

ولم يطّلع على كونه معلّقا على أمر غير واقع أو عدم الموانع ؛ قال الله تبارك وتعالى : ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ الآية (١).

نعم ، من شملته العناية الإلهيّة واتّصلت نفسه الزكيّة بعالم اللوح المحفوظ ـ الّذي هو من أعظم العوالم الربوبيّة ، وهو أمّ الكتاب ـ يكشف (٢) عنده الواقعيّات على ما هي عليها ، كما ربما يتّفق لخاتم الأنبياء ولبعض الأوصياء ، وكان عارفا بالكائنات كما كانت وتكون. نعم ، مع ذلك ربما يوحى إليه حكم من الأحكام تارة بما يكون ظاهرا في الاستمرار والدوام مع أنّه في الواقع له غاية وأمد يعيّنها بخطاب آخر ، واخرى بما يكون ظاهرا في الجدّ مع أنّه لا يكون واقعا بجدّ ، بل لمجرّد الابتلاء والاختبار ، كما أنّه يؤمر وحيا أو إلهاما بالإخبار بوقوع عذاب أو غيره ممّا لا يقع لأجل حكمة في هذا الإخبار أو ذاك الإظهار. فبدا له تعالى ، بمعنى : أنّه يظهر ما أمر نبيّه أو وليّه بعدم إظهاره أوّلا ، ويبدي ما خفي ثانيا. وإنّما نسب إليه تعالى البداء مع أنّه في الحقيقة الإبداء ، لكمال شباهة إبدائه تعالى كذلك بالبداء في غيره.

وفيما ذكرنا كفاية فيما هو المهمّ في باب النسخ ، ولا داعي بذكر تمام ما ذكروه في ذاك الباب ، كما لا يخفى على اولي الألباب.

[الثمرة بين التخصيص والنسخ]

ثمّ لا يخفى ثبوت الثمرة بين التخصيص والنسخ ، ضرورة أنّه على التخصيص يبنى على خروج الخاصّ عن حكم العامّ رأسا ، وعلى النسخ على ارتفاع حكمه

__________________

(١) الرعد / ٣٩.

(٢) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «ينكشف». والأولى منه سوق العبارة هكذا : «ويكشف عنده الواقعيّات على ما هي عليه ـ كما ربما يتّفق لخاتم الأنبياء ولبعض الأوصياء ـ ، وكان عارفا بالكائنات كما كانت وتكون».

عنه من حينه فيما دار الأمر بينهما في المخصّص. وأمّا إذا دار بينهما في الخاصّ والعامّ ، فالخاصّ على التخصيص غير محكوم بحكم العامّ أصلا ، وعلى النسخ كان محكوما به من حين صدور دليله ، كما لا يخفى (١).

__________________

(١) وقد يذكر للبحث ثمرات أخر :

منها : أنّه إذا ورد خاصّ يشمل أكثر أفراد العامّ ، فبناء على تعيّن التخصيص يلزم منه التخصيص الأكثر وهو مستهجن. بخلاف النسخ.

ومنها : أنّه إذا ورد مخصّصان مستوعبان للعامّ ، فبناء على التخصيص يقع التعارض بين المخصّصين والعامّ. بخلاف النسخ.

المقصد الخامس

في المطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن

[وفيه فصول :]

فصل

[تعريف المطلق وبيان ما يطلق عليه]

[تعريف المطلق]

عرّف المطلق بأنّه ما دلّ على شائع في جنسه (١).

وقد أشكل عليه بعض الأعلام (٢) بعدم الاطّراد أو الانعكاس (٣) ، وأطال

__________________

(١) هذا التعريف نسبه المحقّق القميّ إلى أكثر الاصوليّين ، وقال في تفسيره : «أي : على حصّة مهملة محتملة الصدق على حصص كثيرة مندرجة تحت جنس تلك الحصّة ، وهو المفهوم الكلّي الّذي يصدق على هذه الحصّة وعلى غيرها من الحصص». قوانين الاصول ١ : ٣٢١.

(٢) وهو صاحب الفصول ، راجع الفصول الغرويّة : ٢١٨.

(٣) أمّا عدم الإطراد : فلشموله لألفاظ العموم البدليّ ، كمن وما وأيّ الاستفهاميّة ، فإنّها تدلّ على معنى شائع في أفراد جنسها مع أنّها ليست من مصاديق المطلق.

وأمّا عدم الانعكاس : فلعدم شموله للألفاظ الدالّة على نفس الماهيّة ، كأسماء الأجناس ، مع أنّهم عدّوها من المطلق.

ثمّ إنّ صاحب الفصول ذكر للمطلق تعريفا آخر ، وهو قوله : «المطلق ما دلّ على معنى شائع في جنسه شيوعا حكميّا». وقال في توضيحه : «المراد بالموصولة اللفظ الموضوع ، فخرجت المهملات. والمراد بالمعنى كلّ ما صحّ أن يقصد باللفظ ، فدخل المعنى الحقيقيّ والمجازيّ حتّى المقيّد الّذي استعمل فيه لفظ المطلق من حيث الخصوصيّة إذا اعتبر من حيث شيوعه. والمراد بقولنا : (شايع في جنسه) أن يكون المعنى حصّة مهملة محتملة لحصص الجنس ـ أي فردا منتشرا بين أفراد الجنس ـ ، فخرج العلم الشخصيّ وألفاظ العموم الشموليّ والمعرّف بلام العهد الخارجيّ والنكرة المستعملة في حصّة معيّنة والمطلق المقيّد وما دلّ ـ

الكلام في النقض والإبرام. وقد نبّهنا في غير مقام على أنّ مثله شرح الاسم ، وهو ممّا يجوز أن لا يكون بمطّرد ولا بمنعكس. فالأولى الإعراض عن ذلك ببيان ما وضع له بعض الألفاظ الّتي يطلق عليها المطلق أو من غيرها ممّا يناسب المقام (١).

[ما يطلق عليه المطلق]

فمنها : اسم الجنس ، كإنسان ورجل وفرس وحيوان وسواد وبياض ... إلى غير ذلك من أسماء الكلّيّات من الجواهر والأعراض بل العرضيّات (٢).

__________________

ـ على الماهيّة من حيث هي. ويخرج بقولنا : (شيوعا حكميّا) ألفاظ العموم البدليّ ، لأنّ دلالتها على معنى شائع وضعيّ لا حكميّ». انتهى كلامه ملخّصا. الفصول الغرويّة : ٢١٧ ـ ٢١٨.

ولكن ناقش السيّد الإمام الخمينيّ في كلا التعريفين بوجوه :

الأوّل : أنّ ظاهرهما أنّ الإطلاق والتقييد من صفات اللفظ ، مع أنّ الظاهر أنّهما من صفات المعنى ، ضرورة أنّ نفس الطبيعة الّتي جعلت موضوع الحكم قد تكون مطلقة وقد تكون مقيّدة.

الثاني : أنّ الشيوع في جنسه ـ الّذي جعل صفة المعنى ـ إن كان المراد منه أنّه جزء مدلول اللفظ بحيث يكون الإطلاق دالّا على الشيوع ، فهو فاسد ، لأنّ المطلق هو ما لا قيد فيه بالإضافة إلى كلّ قيد لوحظ فيه من غير دلالة على الخصوصيّات الفرديّة أو الحالات الشخصيّة. وإن كان المراد أنّه صفة المعنى وأنّ اللفظ لا يدلّ إلّا على المعنى ، وهو شائع في جنسه ، فيكون الشيوع في الجنس سريان المعنى في أفراده الذاتيّة ، فحينئذ يخرج من التعريفين إطلاق أفراد العموم ، مثل قوله تعالى : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ المائدة / ١ ، وكذا إطلاق الأعلام الشخصيّة ، مثل قوله تعالى : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الحجّ / ٢٩ ، وكذا إطلاق المعاني الحرفيّة.

الثالث : أنّ التعريف المذكور ـ بكلا التعبيرين ـ غير منعكس ، لدخول بعض المقيّدات فيه ، كالرقبة المؤمنة ، فإنّه شائع في جنسه. راجع مناهج الوصول ٢ : ٣١٣ ـ ٣١٤.

(١) كعلم الجنس والمعرّف باللام ، فإنّ المطلق لا يصدق عليهما ، ولكنّهما يناسبانه.

(٢) والفرق بين العرض والعرضيّ في اصطلاح المصنّف رحمه‌الله أنّ العرض يطلق على الأعراض المتأصّلة الّتي كان بحذائها شيء في الخارج ، كالسواد والبياض. والعرضيّ يطلق على الامور الانتزاعيّة الّتي لا موطن لها إلّا وعاء الاعتبار ، كالزوجيّة والملكيّة والحرّيّة وغيرها.

وأنت خبير بأنّ هذا الاصطلاح خلاف اصطلاح أهل المعقول ، فإنّهم يصطلحون بالعرضيّ ـ