درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۱۷: مطلق و مقید ۴

 

الخصوصيّات (١) إنّما تكون بالقرائن الّتي لا بدّ منها لتعيينها على كلّ حال ، ولو قيل بإفادة اللام للإشارة إلى المعنى (٢). ومع الدلالة عليه بتلك الخصوصيّات لا حاجة إلى تلك الإشارة لو لم تكن مخلّة ، وقد عرفت إخلالها (٣) ، فتأمّل جيّدا (٤).

وأمّا دلالة الجمع المعرّف باللام على العموم ـ مع عدم دلالة المدخول عليه ـ : فلا دلالة فيها على أنّها تكون لأجل دلالة اللام على التعيّن ، حيث لا تعيّن إلّا للمرتبة المستغرقة لجميع الأفراد (٥). وذلك (٦) لتعيّن المرتبة الاخرى ، وهي أقلّ

__________________

(١) أي : العهد بأقسامه ، والاستغراق ، وتعريف الجنس.

(٢) أي : المعنى المعيّن.

(٣) أي : ومع دلالة القرائن على المعنى مقرونا بتلك الخصوصيّات لا حاجة إلى الإشارة إلى المعنى المعيّن باللام لو لم تكن مخلّة ، وقد عرفت إخلالها.

(٤) لا يخفى : أنّ العبارة غير خالية عن التشويش. وذلك لأنّ مدّعى الخصم أنّ الخصوصيّة والتعيّن في كلّ واحد من الأقسام من قبل خصوص اللام ، كما أنّ المعنى في كلّ واحد منها من قبل مدخولها ، من باب تعدّد الدالّ والمدلول. فمدّعاهم أنّ اللام مفيدة للخصوصيّة والتعيّن ، لا أنّها تفيد المعنى ، ولا أنّها تفيد المعنى المتعيّن. فلا معنى لقول المصنّف رحمه‌الله : «ولو قيل بإفادة اللام للإشارة إلى المعنى».

مضافا إلى أنّ مدّعى المصنّف رحمه‌الله في المقام أنّ الخصوصيّة والتعيّن في كلّ واحد من الأقسام من قبل القرائن الخارجيّة ، كما أنّ المعنى في كلّ واحد منها من قبل مدخولها ، فالقرائن إنّما تدلّ على الخصوصيّات فحسب ، لا على المعنى مقرونا بالخصوصيّات. وعليه لا معنى لقوله : «ومع الدلالة عليه بتلك الخصوصيّات» أي : ومع دلالة القرائن على المعنى مقرونا بتلك الخصوصيّات.

وحقّ العبارة أن لم يجعل كلمة «أو» وصليّة ، ويقال : «ولو قيل بإفادة اللام للإشارة إلى الخصوصيّة فمع الدلالة بها ـ أي بتلك القرائن ـ على تلك الخصوصيّات لا حاجة إلى تلك الإشارة ...».

(٥) إشارة إلى ما يمكن أن يتوهّم في المقام. وهو : أنّ الجمع المعرّف باللام يدلّ على العموم قطعا. وبما أنّ نفس المدخول لا يدلّ على العموم فلا بدّ أن تستند هذه الدلالة إلى اللام ، لأنّ اللام تدلّ على التعيّن ، ولا تعيّن لمراتب الجمع إلّا المرتبة الأخيرة ـ أي المرتبة المستغرقة لجميع الأفراد ـ ، فدلالة الجمع المعرّف باللام على العموم تكشف عن دلالة اللام على التعيّن. وهذا ينافي ما ادّعيتم من أنّ اللام مطلقا تكون للتزيين.

(٦) أي : عدم كاشفيّة دلالة الجمع المعرّف باللام على العموم عن دلالتها على التعيّن.

مراتب الجمع ، كما لا يخفى. فلا بدّ أن تكون دلالته عليه مستندة إلى وضعه كذلك لذلك ، لا إلى دلالة اللام على الإشارة إلى المعيّن ليكون به التعريف.

وإن أبيت إلّا عن استناد الدلالة عليه إليه فلا محيص عن دلالته على الاستغراق بلا توسيط الدلالة على التعيين ، فلا يكون بسببه تعريف إلّا لفظا ، فتأمّل جيّدا.

ومنها : النكرة ، مثل «رجل» في ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ (١) ، أو في «جئني برجل» (٢).

ولا إشكال أنّ المفهوم منها في الأوّل (٣) ـ ولو بنحو تعدّد الدالّ والمدلول ـ هو الفرد المعيّن في الواقع ، المجهول عند المخاطب ، المحتمل الانطباق على غير واحد من أفراد الرجل. كما أنّه في الثاني (٤) هي الطبيعة المأخوذة مع قيد الوحدة ،

__________________

ـ والحاصل : أنّ المصنّف رحمه‌الله أجاب عن التوهّم المذكور بوجهين :

الأوّل : أن لا تعيّن للمرتبة الأخيرة ، بل أقلّ المراتب أيضا متعيّنة.

الثاني : أنّه ـ لو فرض استناد العموم إلى اللام ـ لا تلازم بين دلالته على العموم ودلالته على التعيّن ، بل يمكن أن يستند العموم إلى نفس اللام من دون توسيط دلالتها على التعيّن.

ولكن السيّد المحقّق الخوئيّ أورد على كلا الوجهين :

أمّا الأوّل : فأورد عليه بأنّ أقلّ مراتب الجمع ـ وهي الثلاثة ـ لا تعيّن لها في الخارج ، لأنّ كلّ مرتبة من مراتب الأعداد ـ كالثلاثة والأربعة والخمسة وغيرها ـ كان قابلا للانطباق على الأفراد الكثيرة في الخارج ، فلا تعيّن لها فيه ، حيث أنّا لا نعلم أنّ المراد منه هذه الثلاثة أو تلك وهكذا. نعم ، لها تعيّن في افق النفس.

مضافا إلى أنّ كلمة «اللام» تدلّ على التعيّن الخارجيّ. والتعيّن الخارجيّ منحصر في المرتبة الأخيرة من الجمع. فإذن يتعيّن إرادة المرتبة الأخيرة.

وأمّا الثاني : فأورد عليه بأنّ كلمة «اللام» لم توضع إلّا للدلالة على التعريف والتعيّن. المحاضرات ٥ : ٣٦٠ ـ ٣٦١.

(١) القصص / ٢٠. وهذا مثال لما إذا وقعت النكرة في الجملة الخبريّة.

(٢) وهذا مثال لما إذا وقعت النكرة في الجملة الإنشائيّة.

(٣) أي : في مورد الخبر.

(٤) أي : في مورد الإنشاء.

فيكون حصّة من الرجل ، ويكون كلّيّا ينطبق على كثيرين ، لا فردا مردّدا بين الأفراد.

وبالجملة : النكرة ـ أي ما بالحمل الشائع يكون نكرة عندهم ـ إمّا هو فرد معيّن في الواقع غير معيّن للمخاطب ، أو حصّة كلّيّة ، لا الفرد المردّد بين الأفراد ؛ وذلك لبداهة كون لفظ «رجل» في «جئني برجل» نكرة ، مع أنّه يصدق على كلّ من جيء به من الأفراد ، ولا يكاد يكون واحد منها هذا أو غيره ، كما هو قضيّة الفرد المردّد لو كان هو المراد منها ، ضرورة أنّ كلّ واحد هو هو ، لا هو أو غيره (١). فلا بدّ أن تكون النكرة الواقعة في متعلّق الأمر هو الطبيعيّ المقيّد بمثل مفهوم الوحدة ، فيكون كلّيّا قابلا للانطباق ، فتأمّل جيّدا.

إذا عرفت ذلك ، فالظاهر صحّة إطلاق المطلق عندهم حقيقة على اسم الجنس والنكرة بالمعنى الثاني (٢) ، كما يصحّ لغة (٣). وغير بعيد أن يكون جريهم في هذا الإطلاق على وفق اللغة من دون أن يكون لهم فيه اصطلاح على خلافها ، كما لا يخفى.

نعم ، لو صحّ ما نسب إلى المشهور (٤) من كون المطلق عندهم موضوعا لما قيّد بالإرسال والشمول البدليّ لما كان ما اريد منه الجنس أو الحصّة عندهم بمطلق ، إلّا أنّ الكلام في صدق النسبة.

ولا يخفى : أنّ المطلق بهذا المعنى (٥) لطرو القيد غير قابل ، فإنّ ما له من

__________________

(١) أي : لو كان المراد من النكرة هو الفرد المردّد لزم أن يصدق على كلّ فرد أنّه نفسه ، لا أنّه نفسه أو غيره.

(٢) وهو الطبيعة الكلّيّة مقيّدة بقيد الوحدة القابلة للانطباق على كثيرين.

(٣) فإنّ المطلق مأخوذ من «الإطلاق» ، وهو في اللغة الإرسال. لسان العرب ١٠ : ٢٢٧.

(٤) راجع قوانين الاصول ١ : ٣٢١.

(٥) أي : المعنى المنسوب إلى المشهور.