درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۱۹: مطلق و مقید ۶

 

فيكون حصّة من الرجل ، ويكون كلّيّا ينطبق على كثيرين ، لا فردا مردّدا بين الأفراد.

وبالجملة : النكرة ـ أي ما بالحمل الشائع يكون نكرة عندهم ـ إمّا هو فرد معيّن في الواقع غير معيّن للمخاطب ، أو حصّة كلّيّة ، لا الفرد المردّد بين الأفراد ؛ وذلك لبداهة كون لفظ «رجل» في «جئني برجل» نكرة ، مع أنّه يصدق على كلّ من جيء به من الأفراد ، ولا يكاد يكون واحد منها هذا أو غيره ، كما هو قضيّة الفرد المردّد لو كان هو المراد منها ، ضرورة أنّ كلّ واحد هو هو ، لا هو أو غيره (١). فلا بدّ أن تكون النكرة الواقعة في متعلّق الأمر هو الطبيعيّ المقيّد بمثل مفهوم الوحدة ، فيكون كلّيّا قابلا للانطباق ، فتأمّل جيّدا.

إذا عرفت ذلك ، فالظاهر صحّة إطلاق المطلق عندهم حقيقة على اسم الجنس والنكرة بالمعنى الثاني (٢) ، كما يصحّ لغة (٣). وغير بعيد أن يكون جريهم في هذا الإطلاق على وفق اللغة من دون أن يكون لهم فيه اصطلاح على خلافها ، كما لا يخفى.

نعم ، لو صحّ ما نسب إلى المشهور (٤) من كون المطلق عندهم موضوعا لما قيّد بالإرسال والشمول البدليّ لما كان ما اريد منه الجنس أو الحصّة عندهم بمطلق ، إلّا أنّ الكلام في صدق النسبة.

ولا يخفى : أنّ المطلق بهذا المعنى (٥) لطرو القيد غير قابل ، فإنّ ما له من

__________________

(١) أي : لو كان المراد من النكرة هو الفرد المردّد لزم أن يصدق على كلّ فرد أنّه نفسه ، لا أنّه نفسه أو غيره.

(٢) وهو الطبيعة الكلّيّة مقيّدة بقيد الوحدة القابلة للانطباق على كثيرين.

(٣) فإنّ المطلق مأخوذ من «الإطلاق» ، وهو في اللغة الإرسال. لسان العرب ١٠ : ٢٢٧.

(٤) راجع قوانين الاصول ١ : ٣٢١.

(٥) أي : المعنى المنسوب إلى المشهور.

الخصوصيّة ينافيه ويعانده (١). وهذا بخلافه بالمعنيين (٢) ، فإنّ كلّا منهما له قابل ، لعدم انثلامهما بسببه أصلا ، كما لا يخفى.

وعليه لا يستلزم التقييد تجوّزا في المطلق ، لإمكان إرادة معناه من لفظه (٣) وإرادة قيده من قرينة حال أو مقال ، وإنّما استلزمه لو كان بذاك المعنى.

نعم ، لو اريد من لفظه المعنى المقيّد كان مجازا مطلقا ، كان التقييد بمتّصل أو منفصل.

__________________

(١) وفي العبارة وجهان :

الأوّل : أن يرجع الضمير في قوله : «له» إلى القيد ، وفي قوله : «ينافيه ويعانده» إلى المطلق.

وعليه يكون المعنى : فإنّ ما للقيد من الخصوصيّة ينافي المطلق بمعنى الشيوع ، ولا يكون أحد المتقابلين قابلا للآخر.

الثاني : أن يرجع الضمير في قوله : «له» إلى المطلق بهذا المعنى ، وفي قوله : «ينافيه ويعانده» إلى القيد. وعليه يكون المعنى : فإنّ ما للمطلق من الخصوصيّة ـ وهي خصوصيّة الإرسال والشيوع ـ ينافي القيد الموجب للضيق ، ولا يكون أحد المتقابلين قابلا للآخر.

(٢) أي : بخلاف المطلق بمعنى الطبيعة المهملة في اسم الجنس ، وبمعنى الطبيعة المقيّدة بقيد الوحدة في النكرة.

(٣) وفي بعض النسخ : «لإمكان إرادة معنى لفظه منه» ، ويكون المعنى : لإمكان إرادة معنى لفظ المطلق من لفظ المطلق.

فصل

[مقدّمات الحكمة؟]

قد ظهر لك : أنّه لا دلالة لمثل «رجل» إلّا على الماهيّة المبهمة وضعا ، وأنّ الشياع والسريان كسائر الطوارئ يكون خارجا عمّا وضع له ، فلا بدّ في الدلالة عليه من قرينة حال ، أو مقال ، أو حكمة.

[ما هو مقدّمات الحكمة؟]

وهي (١) تتوقّف على مقدّمات (٢) :

__________________

(١) أي : قرينة الحكمة.

(٢) وتسمّى : «مقدّمات الحكمة».

وقد اختلفوا في عددها على أقوال :

الأوّل : أنّها اثنتان : ١ ـ انتفاء ما يوجب التقييد. ٢ ـ كونه واردا في مقام بيان تمام المراد.

وهذا مذهب الشيخ الأنصاريّ ـ على ما في تقريرات درسه «مطارح الأنظار» : ٢١٨. وتبعه المحقّق النائينيّ على ما في فوائد الاصول ٢ : ٥٧٣ ـ ٥٧٦.

الثاني : أنّها ثلاث : ١ ـ كون المتكلّم في مقام البيان. ٢ ـ انتفاء ما يوجب تعيين مراده.

٣ ـ انتفاء القدر المتيقّن في مقام التخاطب ولو كان المتيقّن ثابتا بملاحظة الخارج عن مقام التخاطب. وهذا ما ذهب إليه المصنّف رحمه‌الله في المقام ، وسيأتي توضيحه.

الثالث : أنّها ثلاث : ١ ـ أن يكون متعلّق الحكم أو موضوعه قابلا للانقسام ، وإلّا فلا يتمكّن المتكلّم من تقييده بإتيان القيد. ٢ ـ أن يكون المتكلّم في مقام البيان. ٣ ـ أن لا يأتي المتكلّم ـ

إحداها : كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد (١) ، لا الإهمال أو الإجمال (٢).

ثانيتها : انتفاء ما يوجب التعيين (٣).

ثالثتها : انتفاء القدر المتيقّن في مقام التخاطب ؛ ولو كان المتيقّن بملاحظة

__________________

ـ في كلامه قرينة على التقييد. وهذا ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ على ما في أجود التقريرات ١ : ٥٢٨ ـ ٥٢٩.

وهو الظاهر من كلام السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٥ : ٣٦٤ ـ ٣٧٠.

الرابع : أنّها ثلاث : وهي ما ذكر في المتن من دون تقييد الثالثة بمقام التخاطب ، أي عدم وجود القدر المتيقّن مطلقا ولو في الخارج. وهذا ما أفاده المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٢ : ٥٦٧.

الخامس : أنّها واحدة. وهي إحراز كون المتكلّم في مقام البيان. وهذا مختار السيّد البروجرديّ ، وتبعه تلميذه السيّد الإمام الخمينيّ. راجع نهاية الاصول : ٣٤٢ ـ ٣٤٣ ، مناهج الوصول ٢ : ٣٢٥ ـ ٣٢٧.

(١) والأولى أن يقول : «إحداها : إحراز كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد من الجهة الّتي يكون بصدد البيان من تلك الجهة».

أمّا لزوم تبديل قوله : «كون المتكلّم ...» ب «إحراز كون المتكلّم» : فلما يأتي منه ذيل قوله : «بقي شيء».

وأمّا لزوم تتميمه ب «من الجهة الّتي يكون بصدد البيان ...» : فلما يأتي منه ذيل قوله : «تتمّة».

(٢) بيان ذلك : أنّه قد لا يكون المتكلّم في مقام بيان تمام مراده ، بل يكون في مقام أصل تشريع الحكم فقط مع أنّ الحكم في الواقع مقيّد بقيد لم يذكره لعدم مجيء وقت العمل به ، كما في قوله تعالى : ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ البقرة / ٤٣ ؛ أو يكون في مقام إرشاد السامع إلى منفعة فعل ، كقول الطبيب للمريض : «اشرب الدواء» ؛ أو يكون في مقام بيان حكم آخر ، كقوله تعالى : ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ...﴾ المائدة / ٤ ، فإنّه ورد في مقام بيان حلّيّة ما اصطاده الكلب المعلّم من جهة كونه ميتة ، لا في مقام البيان من جهة طهارة محلّ الإمساك وعدمها. فإنّ في كلّ هذه الموارد لم ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق.

(٣) أي : لم يأت المتكلّم في كلامه قرينة على تعيين مراده.

وأفاد السيّد الإمام الخمينيّ ـ تبعا للسيّد المحقّق البروجرديّ ـ : أنّ انتفاء ما يوجب التعيين ليس من مقدّمات الحكمة ، بل هو محقّق محلّ البحث ، لأنّ محطّ البحث ـ في التمسّك بالإطلاق ـ ما إذا جعل شيء موضوعا لحكم وشكّ في دخالة شيء آخر فيه ، فيرفع بالإطلاق. وأمّا مع وجود ما يوجب التعيين فلا يبقى شكّ حتّى يتمسّك في إثبات عدم دخالته بالإطلاق. راجع نهاية الاصول : ٣٤٢ ـ ٣٤٣ ، مناهج الوصول ٢ : ٣٢٦ ـ ٣٢٧.

الخارج عن ذاك المقام في البين ، فإنّه غير مؤثّر في رفع الإخلال بالغرض لو كان بصدد البيان ، كما هو الفرض (١).

فإنّه فيما تحقّقت لو لم يرد الشياع لأخلّ بغرضه (٢) ، حيث إنّه لم يبيّنه (٣) مع أنّه بصدده. وبدونها لا يكاد يكون هناك إخلال به ، حيث لم يكن مع انتفاء الأولى إلّا في مقام الإهمال أو الإجمال ، ومع انتفاء الثانية كان البيان بالقرينة ، ومع انتفاء الثالثة لا إخلال بالغرض لو كان المتيقّن تمام مراده ، فإنّ الفرض أنّه بصدد بيان

__________________

(١) والحاصل : أنّ المصنّف رحمه‌الله فصّل بين القدر المتيقّن بحسب مقام التخاطب وبين القدر المتيقّن بحسب الخارج ، فالأوّل يمنع عن التمسّك بالإطلاق ، والثاني لا يمنع عنه.

والسرّ في ذلك : أنّ القدر المتيقّن بحسب مقام التخاطب هو أن يفهم السامع من اللفظ الصادر من المتكلّم أنّ بعض أفراد الموضوع متيقّن الإرادة بالنسبة إلى سائر أفراده ، كأن يقع ذلك البعض مورد السؤال. ومعلوم أنّ هذا التيقّن يمنع عن إحراز إرادة الإطلاق من المطلق ، لأنّ التيقّن صالح لأن يكون بيانا لإرادة ذلك المتيقّن دون غيره ، بل لو أراد المتكلّم غير المتيقّن ولم ينصب قرينة كان ذلك مخلّا بغرضه. بخلاف القدر المتيقّن الخارجيّ ، وهو ما يفهم السامع من القرائن الخارجيّة غير المستندة إلى اللفظ أنّ بعض أفراد الموضوع متيقّن الإرادة بالنسبة إلى سائر أفراده ، كأن يفهم من مناسبة الحكم والموضوع. ومن الواضح أنّ مثل هذا المتيقّن لا يمنع عن التمسّك بالإطلاق ، ضرورة أنّه لا يخلو مطلق في الخارج عن ذلك إلّا نادرا.

وخالفه المحقّق النائينيّ ، فأنكر كونه من مقدّمات الحكمة بدعوى أنّ حال القدر المتيقّن في مقام التخاطب حال القدر المتيقّن الخارجيّ ، فإنّ من أوضح مصاديق القدر المتيقّن في مقام التخاطب هو ورود المطلق في مورد السؤال ، حيث يكون المورد هو المتيقّن المراد من اللفظ المطلق ، مع أنّ المصنّف رحمه‌الله لا يلتزم باختصاص المطلق بالمورد ، بل ذهب ـ تبعا لغيره ـ إلى أنّه يصحّ التمسّك بإطلاقه. فوائد الاصول ٢ : ٥٧٥ ـ ٥٧٨.

وخالفه أيضا السيّد الإمام الخمينيّ بدعوى أنّ القدر المتيقّن إنّما يكون في مورد يتردّد الأمر بين الأقلّ والأكثر ، مع أنّ الأمر في باب الإطلاق دائر بين أن تكون الطبيعة تمام الموضوع أو المقيّد تمامه. مناهج الوصول ٢ : ٣٢٧.

(٢) أي : فإنّ المتكلّم لو لم يرد الشياع مع تحقّق مقدّمات الحكمة لأخلّ بغرضه.

(٣) ظاهر النسخ : «لم ينبّه». والصحيح إمّا ما أثبتناه ـ كما هو المتراءى من بعض النسخ ـ ، وإمّا أن يقول : «لم ينبّه عليه».