درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۲۱: مطلق و مقید ۸

 

جيّدا (١).

وقد انقدح بما ذكرنا أنّ النكرة في دلالتها على الشياع والسريان أيضا تحتاج ـ فيما لا يكون هناك دلالة حال أو مقال ـ إلى مقدّمات الحكمة (٢) ، فلا تغفل.

بقي شيء : [الأصل عند الشكّ في كون المتكلّم في مقام البيان]

وهو أنّه لا يبعد أن يكون الأصل فيما إذا شكّ في كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد هو كونه بصدد بيانه. وذلك لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات من التمسّك بالإطلاقات فيما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرف وجهها إلى جهة خاصّة (٣).

__________________

(١) وأورد المحقّق الأصفهانيّ على ما استشهد به المصنّف رحمه‌الله بأنّ المقيّد المنفصل إنّما يكشف عن عدم كون المتكلّم في مقام البيان من جهة القيد ، لا من سائر الجهات. وانكشاف عدم كونه في مقام البيان من جهة لا يلازم انكشاف عدم كونه في مقام البيان من سائر الجهات ، ولذا يمكن التمسّك بالإطلاق في سائر الجهات. نهاية الدراية ١ : ٦٧١.

(٢) وفي النسخ المخطوطة : «من مقدّمات الحكمة». والصحيح ما أثبتناه.

(٣) لا يخفى : أنّ للشكّ في كونه في مقام البيان صورتين :

الأولى : أن لا يحرز أنّه في مقام البيان من أيّ جهة من الجهات ، بل دار الأمر بين أن يكون في مقام البيان وأن يكون في مقام الإهمال من جميع الجهات ، كما إذا شكّ في قوله تعالى : ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ البقرة / ٢٧٥ ، هل يكون في مقام بيان أصل التشريع أو في مقام بيان تمام المراد؟

الثانية : أن يحرز أنّه في مقام البيان من جهة خاصّة ويشكّ في كونه في مقام البيان من جهة اخرى ، كما قال الله تعالى : ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ﴾ المائدة / ٤ ، ونعلم بإطلاقه من جهة أنّ حلّيّة أكله لا تحتاج إلى الذبح ، سواء كان إمساكه من الحلقوم أو من موضع آخر ، كان إلى القبلة أو إلى غيرها ؛ ولا نعلم أنّه في مقام البيان من جهة طهارة محلّ الإمساك أو نجاسته.

ظاهر كلام المصنّف رحمه‌الله ثبوت بناء العقلاء على حمل كلام المتكلّم على كونه في مقام البيان في كلتا الصورتين. وتبعه المحقّق العراقيّ على ما في نهاية الأفكار ٢ : ٥٧٧.

وخالفه السيّدان العلمان : الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ تبعا للمحقّق النائينيّ ـ ، بدعوى عدم قيام بناء العقلاء على حمل كلام المتكلّم على كونه في مقام البيان في الصورة الثانية. مناهج الوصول ٢ : ٣٢٨ ـ ٣٢٩ ، المحاضرات ٥ : ٣٦٨ ـ ٣٦٩ ، أجود التقريرات ١ : ٥٣١.

ولذا ترى أنّ المشهور لا يزالون يتمسّكون بها مع عدم إحراز كون مطلقها بصدد البيان ، وبعد (١) كونه (٢) لأجل ذهابهم إلى أنّها موضوعة للشياع والسريان ، وإن كان ربما نسب ذلك إليهم (٣). ولعلّ وجه النسبة ملاحظة أنّه لا وجه للتمسّك بها بدون الإحراز ، والغفلة عن وجهه ، فتأمّل جيّدا.

[الانصراف وأنواعه]

ثمّ إنّه قد انقدح بما عرفت ـ من توقّف حمل المطلق على الإطلاق فيما لم يكن هناك قرينة حاليّة أو مقاليّة على قرينة الحكمة المتوقّفة على المقدّمات المذكورة ـ أنّه لا إطلاق له فيما كان له الانصراف إلى خصوص بعض الأفراد أو الأصناف ، لظهوره فيه ، أو كونه (٤) متيقّنا منه ولو لم يكن ظاهرا فيه بخصوصه حسب اختلاف مراتب الانصراف ؛ كما أنّه منها(٥) ما لا يوجب ذا ولا ذاك ، بل يكون بدويّا زائلا بالتأمّل ؛ كما أنّه منها ما يوجب الاشتراك ، أو النقل (٦).

__________________

(١) أي : ومع بعد ...

(٢) أي : كون تمسّكهم بها.

(٣) راجع القوانين ١ : ٣٢١.

(٤) أي : كون بعض الأفراد أو الأوصاف.

(٥) أي : من مراتب الانصراف.

(٦) حاصل ما أفاده : أنّ للانصراف مراتب متفاوتة ـ شدّة وضعفا ـ :

الأولى : ما يوجب ظهور اللفظ في المنصرف إليه ، كانصراف لفظ «ما لا يؤكل لحمه» إلى غير الإنسان ، بحيث يوجب صيرورة لفظ «ما لا يؤكل لحمه» ظاهرا في غير الإنسان.

الثانية : ما يوجب تيقّن المنصرف إليه مع عدم كونه ظاهرا فيه بخصوصه ، كانصراف لفظ «الماء» إلى غير ماء الذاج والنفط.

الثالثة : ما لا يوجب الظهور ولا التيقّن ، بل يكون انصرافا بدويّا زائلا بالتأمّل ، كانصراف لفظ «الماء» إلى ماء الفرات إذا استعمل في الموضع القريب منه.

الرابعة : ما يوجب اشتراك اللفظ بين المعنى الحقيقيّ الإطلاقيّ وبين المعنى المنصرف إليه. وهذا الانصراف ناشئ عن غلبة استعمال المطلق في المنصرف إليه.

الخامسة : ما يوجب نقل اللفظ المطلق إلى المنصرف إليه. وهذا ناشئ عن مهجوريّة المعنى المطلق وغلبة استعمال اللفظ المطلق في المنصرف إليه.

ظاهر كلام المصنّف رحمه‌الله أنّ الانصراف يمنع عن التمسّك بالإطلاق بجميع مراتبه إلّا المرتبة الثالثة.