درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۲۸: قطع ۲

 

من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظنّ لو حصل له وقد تمّت مقدّمات الانسداد على تقدير الحكومة (١) ، وإلّا فالرجوع إلى الاصول العقليّة من البراءة والاشتغال والتخيير ، على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.

وإنّما عمّمنا متعلّق القطع (٢) ، لعدم اختصاص أحكامه بما إذا كان متعلّقا بالأحكام الواقعيّة ؛ وخصّصنا بالفعليّ (٣) ، لاختصاصها بما إذا كان متعلّقا به على ما ستطّلع عليه. ولذلك عدلنا عمّا في رسالة شيخنا العلّامة ـ أعلى الله مقامه ـ من تثليث الأقسام (٤).

وإن أبيت إلّا عن ذلك ، فالأولى أن يقال : «إنّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع أولا. وعلى الثاني إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أولا» ، لئلّا يتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام (٥). ومرجعه على

__________________

ـ بينه وبين مقلّديه. والثاني كأحكام الدماء الثلاثة.

(١) وفي بعض النسخ : «على تقرير الحكومة». والأولى ما أثبتناه.

والحاصل : أنّ البالغ لا ينتهي إلى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظنّ إلّا بعد تحقّق ثلاثة امور :

الأوّل : حصول الظنّ بالحكم.

الثاني : تماميّة مقدّمات انسداد باب العلم.

الثالث : كون تماميّتها على نحو الحكومة ـ أي على نحو يحكم العقل باعتبار الظنّ ـ ، لا على نحو الكشف بأن يكشف عن حكم الشارع باعتباره ، فإنّ على الكشف يحصل القطع بالحكم الظاهريّ.

(٢) أي : عمّمناه للحكم الظاهريّ.

(٣) أي : خصّصنا الحكم بالفعليّ.

(٤) فرائد الاصول ١ : ٢٥.

(٥) والحاصل : أنّ الشيخ الأنصاريّ قسّم حالات المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعيّ إلى ثلاثة أقسام : إمّا أن يحصل له القطع بالحكم ، أو يحصل له الظنّ ، أو يحصل له الشكّ.

وعدل المصنّف رحمه‌الله عن هذا التقسيم إلى أحد التقسيمين التاليين :

الأوّل : التقسيم الثنائيّ ، بأن يقال : إنّ البالغ الملتفت إلى الحكم الشرعيّ إمّا أن يحصل له القطع بالحكم أو لا يحصل.

والوجه في العدول إليه أنّ أحكام القطع لا تختصّ بما إذا كان متعلّقا بالحكم الواقعيّ ، بل يشمل ما إذا كان متعلّقا بالحكم الظاهريّ أيضا. وعليه يكون الحكم الظاهريّ الثابت ـ

الأخير (١) إلى القواعد المقرّرة عقلا أو نقلا لغير القاطع ومن يقوم عنده الطريق (٢) ، على تفصيل يأتي في محلّه ـ إن شاء الله تعالى ـ حسبما يقتضي دليلها.

__________________

ـ بالأمارات والاصول الشرعيّة مندرجا في الحكم المقطوع به ، فتدخل مسائل الظنّ والشكّ ـ إلّا الاصول الثلاثة العقليّة ـ في مسائل القطع.

الثاني : التقسيم الثلاثيّ ، بأن يقال : إنّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع ، أو لا يحصل له القطع ولكن يقوم عنده طريق معتبر ، أو لا يحصل له القطع ولا يقوم عنده طريق معتبر. فلا بدّ من تبديل الظنّ ب «الطريق المعتبر» والشكّ ب «عدم الطريق المعتبر».

والوجه في العدول إليه أن لا تتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام ، فإنّ الظنّ غير المعتبر ـ كالظنّ الحاصل من الشهرة الفتوائيّة ـ محكوم بحكم الشكّ ، وقد جعل في تقسيم الشيخ قسيما له. والأمارة المعتبرة ـ بما تفيد الظنّ النوعيّ الّذي يجتمع احيانا مع الشكّ ولا يعتبر في حجّيّتها الظنّ الشخصيّ ، كأمارة اليد على الملكيّة ـ تكون قسيم الشكّ ، وقد جعلت في تقسيم الشيخ داخلة في الشكّ.

ثمّ إنّ أكثر المتأخّرين خالفوه في المقام. فحاول بعضهم تصحيح ما أفاده الشيخ من تثليث الأقسام ، منهم : المحقّق النائينيّ والمحقّق العراقيّ والسيّد الخوئيّ. راجع فوائد الاصول ٣ : ٤ ، نهاية الأفكار ٣ : ٤ ـ ٥ ، مصباح الاصول ٢ : ١١.

وذهب بعض آخر إلى تثليث الأقسام بوجه آخر ، منهم : المحقّقان الأصفهانيّ والحائريّ ، والسيّد الإمام الخمينيّ. راجع نهاية الدراية ٢ : ٣٠ ، درر الفوائد ٢ : ٢ ، أنوار الهداية ١ : ٣٤ ـ ٣٥.

ولا يخفى : أنّه لا يترتّب على كيفيّة التقسيم أيّ أثر عمليّ في مقام الاستنباط ، فلا نطيل المقام بذكر ما أفاده الأعلام من النقض والإبرام في المقام ، فإنّه تطويل بلا طائل.

(١) أي : مرجع المكلّف عند عدم القطع وعدم قيام طريق معتبر.

(٢) وهو الظانّ.

[أحكام القطع وأقسامه]

وكيف كان فبيان أحكام القطع وأقسامه يستدعي رسم امور :

الأمر الأوّل

[لزوم العمل بالقطع عقلا]

لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا ولزوم الحركة على طبقه جزما ، وكونه موجبا لتنجّز التكليف الفعليّ (١) فيما أصاب باستحقاق الذمّ والعقاب على مخالفته ، وعذرا فيما أخطأ قصورا. وتأثيره في ذلك (٢) لازم ، وصريح الوجدان به شاهد وحاكم ؛ فلا حاجة إلى مزيد بيان وإقامة برهان.

ولا يخفى : أنّ ذلك لا يكون بجعل جاعل ، لعدم جعل تأليفيّ حقيقة بين الشيء ولوازمه ، بل عرضا بتبع جعله بسيطا.

__________________

(١) لا يخفى : أنّ في قوله : «وكونه موجبا لتنجّز التكليف الفعليّ» وجهين :

الأوّل : أن يكون معطوفا على قوله : «لا شبهة في وجوب العمل». ويكون المراد أنّ للقطع أثرين : (أحدهما) وجوب متابعته. (ثانيهما) منجّزيّته ـ بمعنى استحقاق العقاب على مخالفته ـ ومعذّريّته فيما أخطأ.

الثاني : أن يكون تعبيرا آخر عن قوله : «وجوب العمل» على نحو العطف التفسيريّ ، فيكون المراد من المنجّزيّة نفس وجوب متابعته. وهذا ما يظهر من كلام المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ٢ : ٣١ ، وكلام المحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول ٢ : ١٥.

(٢) أي : في وجوب متابعة القطع وتنجّز التكليف واستحقاق العقوبة على مخالفته.