درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۲۹: قطع ۳

 

[أحكام القطع وأقسامه]

وكيف كان فبيان أحكام القطع وأقسامه يستدعي رسم امور :

الأمر الأوّل

[لزوم العمل بالقطع عقلا]

لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا ولزوم الحركة على طبقه جزما ، وكونه موجبا لتنجّز التكليف الفعليّ (١) فيما أصاب باستحقاق الذمّ والعقاب على مخالفته ، وعذرا فيما أخطأ قصورا. وتأثيره في ذلك (٢) لازم ، وصريح الوجدان به شاهد وحاكم ؛ فلا حاجة إلى مزيد بيان وإقامة برهان.

ولا يخفى : أنّ ذلك لا يكون بجعل جاعل ، لعدم جعل تأليفيّ حقيقة بين الشيء ولوازمه ، بل عرضا بتبع جعله بسيطا.

__________________

(١) لا يخفى : أنّ في قوله : «وكونه موجبا لتنجّز التكليف الفعليّ» وجهين :

الأوّل : أن يكون معطوفا على قوله : «لا شبهة في وجوب العمل». ويكون المراد أنّ للقطع أثرين : (أحدهما) وجوب متابعته. (ثانيهما) منجّزيّته ـ بمعنى استحقاق العقاب على مخالفته ـ ومعذّريّته فيما أخطأ.

الثاني : أن يكون تعبيرا آخر عن قوله : «وجوب العمل» على نحو العطف التفسيريّ ، فيكون المراد من المنجّزيّة نفس وجوب متابعته. وهذا ما يظهر من كلام المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ٢ : ٣١ ، وكلام المحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول ٢ : ١٥.

(٢) أي : في وجوب متابعة القطع وتنجّز التكليف واستحقاق العقوبة على مخالفته.

وبذلك (١) انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا ؛ مع أنّه يلزم منه اجتماع الضدّين اعتقادا مطلقا ، وحقيقة في صورة الإصابة ، كما لا يخفى (٢).

__________________

(١) أي : بما ذكرنا من أنّ وجوب متابعة القطع ومنجّزيّته من اللوازم العقليّة.

(٢) لا يخفى عليك : أنّ البحث في المقام يقع في جهات ثلاث :

الأولى : في أنّ طريقيّة القطع للكشف عن المقطوع به ذاتيّة أو جعليّة؟

الثانية : في أنّ وجوب متابعته ـ بمعنى استحقاق العقاب على مخالفته ـ هل هو ثابت شرعا أو ثابت ببناء العقلاء ويكون أمرا جعليّا عقلائيّا أو هو من اللوازم العقليّة للقطع؟

الثالثة : في أنّه هل يمكن للشارع المنع عن العمل به أو لا؟

أمّا الجهة الأولى : فلا شكّ في أنّ طريقيّة القطع ذاتيّة ، لا تنالها يد الجعل ، ضرورة أنّ حقيقة القطع هي نفس الانكشاف ، فلا يعقل الجعل فيه بجميع أنحائه ، فإنّ ثبوت الشيء لنفسه ضروريّ.

وأمّا الجهة الثانية : فاستظهر السيّد البروجرديّ من كلام الشيخ الأنصاريّ أنّ وجوب متابعة القطع وجوب شرعيّ. فرائد الاصول ٢ : ٣٠ ، لمحات في الاصول : ٤٢٢.

وذهب المصنّف رحمه‌الله إلى أنّ وجوب متابعته من لوازمه العقليّة ، حيث قال : «وتأثيره في ذلك لازم ، والوجدان به شاهد وحاكم».

وذهب المحقّق الاصفهانيّ إلى أنّ وجوب متابعته ـ بمعنى إذعان العقل باستحقاق العقاب على مخالفة ما تعلّق به القطع ـ ثابت ببناء العقلاء حفظا للنظام وإبقاء للنوع من باب أنّ مخالفة الأمر خروج عن زيّ الرقّيّة والعبوديّة وتكون هتكا للمولى وظلما به. فيكون وجوب متابعة القطع ـ بمعنى تنجّز التكليف واستحقاق العقاب ـ من القضايا المشهورة الّتي تطابقت عليها آراء العقلاء ، فيكون أمرا جعليّا عقلائيّا. نهاية الدراية ٢ : ٣١ و ٣٤ ـ ٣٥ و ٤١ ـ ٤٢.

وأمّا الجهة الثالثة : فذهب المصنّف رحمه‌الله إلى أنّه يمتنع المنع عن تأثيره ، وذلك لوجهين :

الأوّل : أنّه إذا فرض أنّ وجوب متابعة القطع من لوازمه العقليّة ، فيمتنع رفعه ، لامتناع التفكيك بين الشيء ولوازمه.

الثاني : أنّه لا معنى للمنع عن تأثير القطع إلّا نفي وجوب متابعته ، وهو مساوق للجواز. فإذا تعلّق قطع القاطع بحرمة شيء ـ مثلا ـ وردع الشارع عن تأثير قطعه كان مقتضى ردعه جواز ذلك الشيء. ومعلوم أنّ الحرمة والجواز متضادّان. وحينئذ لا يخلو : إمّا أن يكون قطعه مطابقا للواقع فيلزم اجتماع الضدّين باعتقاد القاطع وحقيقة. وإمّا أن لا يكون قطعه مطابقا للواقع فيلزم اجتماع الضدّين باعتقاد القاطع.

ومن هنا يظهر : أنّ مراد المصنّف رحمه‌الله من قوله : «اعتقادا مطلقا» أنّه يلزم منه اجتماع الضدّين ، سواء كان قطعه مطابقا للواقع أو لم يكن مطابقا له.

ثمّ لا يذهب عليك : أنّ التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث والزجر لم يصر فعليّا ، وما لم يصر فعليّا لم يكد يبلغ مرتبة التنجّز واستحقاق العقوبة على المخالفة ، وإن كان ربما توجب موافقته استحقاق المثوبة. وذلك لأنّ الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر ولا نهي ، ولا مخالفته عن عمد بعصيان ، بل كان ممّا سكت الله عنه ، كما في الخبر (١) ، فلاحظ وتدبّر.

نعم ، في كونه بهذه المرتبة (٢) موردا للوظائف المقرّرة شرعا للجاهل إشكال لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين ، على ما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى مع ما هو التحقيق في دفعه ، في التوفيق بين الحكم الواقعيّ والظاهريّ (٣) ، فانتظر.

الأمر الثاني

[التجرّي والانقياد] (٤)

قد عرفت أنّه لا شبهة في أنّ القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة والمثوبة على الموافقة في صورة الإصابة. فهل يوجب استحقاقها (٥) في صورة

__________________

(١) روي عن مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام : «إنّ الله حدّ حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تنقصوها ، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تكلّفوها ، رحمة من الله لكم فاقبلوها». الوسائل ١٨ : ١٢٩ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦١.

(٢) أي : في كون الحكم بالمرتبة الفعليّة ...

(٣) يأتي في الصفحة : ٢٨٥ ـ ٢٨٧ من هذا الجزء.

(٤) التجرّي من الجرأة بمعنى الإقدام على الشيء ، أو من الجري بمعنى القصد إلى الشيء.

والانقياد مطاوع قاد ، ومعناه : الخضوع. لسان العرب ١ : ٤٤ و ٢ : ٢٣٨.

والمراد من التجرّي في المقام هو المخالفة الاعتقاديّة ، كما أنّ المراد من الانقياد هو الموافقة الاعتقاديّة. وبتعبير أوضح : أنّ المراد من التجرّي في المقام هو مخالفة المكلّف لما اعتقد به من الحكم الإلزاميّ ولم يكن مصادفا للواقع ، كما إذا شرب المائع الّذي قطع بخمريّته فخالف أمر مولاه ثمّ تبيّن أنّ ذلك المائع ماء. والمراد من الانقياد هو موافقته لما اعتقد به من الحكم ولم يكن مصادفا للواقع.

(٥) أي : استحقاق العقوبة.