درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۳۰: قطع ۴

 

ثمّ لا يذهب عليك : أنّ التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث والزجر لم يصر فعليّا ، وما لم يصر فعليّا لم يكد يبلغ مرتبة التنجّز واستحقاق العقوبة على المخالفة ، وإن كان ربما توجب موافقته استحقاق المثوبة. وذلك لأنّ الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر ولا نهي ، ولا مخالفته عن عمد بعصيان ، بل كان ممّا سكت الله عنه ، كما في الخبر (١) ، فلاحظ وتدبّر.

نعم ، في كونه بهذه المرتبة (٢) موردا للوظائف المقرّرة شرعا للجاهل إشكال لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين ، على ما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى مع ما هو التحقيق في دفعه ، في التوفيق بين الحكم الواقعيّ والظاهريّ (٣) ، فانتظر.

الأمر الثاني

[التجرّي والانقياد] (٤)

قد عرفت أنّه لا شبهة في أنّ القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة والمثوبة على الموافقة في صورة الإصابة. فهل يوجب استحقاقها (٥) في صورة

__________________

(١) روي عن مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام : «إنّ الله حدّ حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تنقصوها ، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تكلّفوها ، رحمة من الله لكم فاقبلوها». الوسائل ١٨ : ١٢٩ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦١.

(٢) أي : في كون الحكم بالمرتبة الفعليّة ...

(٣) يأتي في الصفحة : ٢٨٥ ـ ٢٨٧ من هذا الجزء.

(٤) التجرّي من الجرأة بمعنى الإقدام على الشيء ، أو من الجري بمعنى القصد إلى الشيء.

والانقياد مطاوع قاد ، ومعناه : الخضوع. لسان العرب ١ : ٤٤ و ٢ : ٢٣٨.

والمراد من التجرّي في المقام هو المخالفة الاعتقاديّة ، كما أنّ المراد من الانقياد هو الموافقة الاعتقاديّة. وبتعبير أوضح : أنّ المراد من التجرّي في المقام هو مخالفة المكلّف لما اعتقد به من الحكم الإلزاميّ ولم يكن مصادفا للواقع ، كما إذا شرب المائع الّذي قطع بخمريّته فخالف أمر مولاه ثمّ تبيّن أنّ ذلك المائع ماء. والمراد من الانقياد هو موافقته لما اعتقد به من الحكم ولم يكن مصادفا للواقع.

(٥) أي : استحقاق العقوبة.

عدم الإصابة على التجرّي بمخالفته ، واستحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته ، أو لا يوجب شيئا؟ (١)

[المختار من حكم التجرّي]

الحقّ أنّه يوجبه (٢) ، لشهادة الوجدان بصحّة مؤاخذته وذمّه على تجرّيه وهتك

__________________

(١) لا يخفى : أنّه لا بدّ في تحرير محلّ النزاع من بيان امور :

الأمر الأوّل : أنّ موضوع البحث لا يختصّ بصورة القطع ، بل يعمّ جميع الأمارات المعتبرة والاصول العمليّة ، بل بعض صور احتمال التكليف كما في مورد العلم الإجماليّ بالتكليف والشبهة البدويّة قبل الفحص. والجامع بين الجميع هو مخالفة ما يمكن للمولى أن يحتجّ به على عبده.

فذكر القطع ليس لاختصاص البحث به ، بل إنّما هو لكونه أظهر ما يحتجّ به المولى على عبده.

الأمر الثاني : أنّه ليس محلّ الكلام ما إذا كان موضوع الحكم نفس القطع أو الظنّ أو الاحتمال ، ضرورة أنّه إذا أخذ القطع أو الظنّ أو الاحتمال في موضوع الحكم يكون الحكم ثابتا واقعا ، ولا مجال للتجرّي هنا. فيختصّ البحث بالقطع الطريقيّ والظنّ والاحتمال غير المأخوذين في موضوع الحكم.

الأمر الثالث : أنّ مسألة التجرّي هل هي من المسائل الاصوليّة أو من المسائل الفقهيّة أو من المسائل الكلاميّة؟

والتحقيق : أنّ مسألة التجرّي والانقياد ذو جهات متعدّدة. فتارة يبحث عن حرمة الفعل المتجرّى به وعدمها ، وعليه تكون من المسائل الفقهيّة ؛ واخرى يبحث عن أنّه هل يكون مقتضى الإطلاقات المتكفّلة لثبوت الأحكام للعناوين الواقعيّة شمول الحكم لمقطوع العنوان ولو لم يكن مصادفا للواقع أو لا يكون مقتضاها ذلك؟ وعليه تكون من المسائل الاصوليّة ، فإنّها تكون نظير البحث عن أنّ مقتضى إطلاق الجملة الشرطيّة ثبوت المفهوم أو عدمه ؛ وثالثة يبحث عن استحقاق المتجرّي للعقاب والمنقد للثواب ، وعليه تكون من المسائل الكلاميّة.

وظاهر كلام المصنّف رحمه‌الله في المقام هو الأخير.

والحاصل : أنّ المبحوث عنه في المقام أنّ فعل الشيء ـ معتقدا بأنّه حرام ـ وتركه ـ معتقدا بأنّه واجب ـ هل يوجب استحقاق العقوبة ولو تبيّن عدم حرمة ما اعتقد بحرمته وعدم وجوب ما اعتقد بوجوبه ، أو لا يوجب ذلك؟ وكذا فعل الشيء ـ معتقدا بأنّه مطلوب المولى ـ وتركه ـ معتقدا بأنّه مبغوضه ـ هل يوجب استحقاق المثوبة ولو كشف عدم مطلوبيّته أو عدم مبغوضيّته ، أو لا يوجب؟

(٢) لا يخفى : أنّ الأقوال في مسألة التجرّي كثيرة ، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها : ـ

حرمته لمولاه (١) ، وخروجه عن رسوم عبوديّته ، وكونه بصدد الطغيان ، وعزمه على العصيان ، وصحّة مثوبته ومدحه على إقامته بما هو (٢) قضيّة عبوديّته من العزم على موافقته ، والبناء على إطاعته ، وإن

__________________

ـ الأوّل : أنّ التجرّي لا يقتضي سوى الكشف عن سوء سريرة الفاعل وخبث باطنه الّذي لا يترتّب عليه إلّا الذمّ كما في سائر الصفات المذمومة. وأمّا العمل المتجرّى به فيبقي على ما هو عليه من الحكم أو الصفة قبل تعلّق القطع به. وهذا ما ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٣٩ ـ ٤٠.

الثانى : أنّ التجرّي يقتضي القبح الفاعليّ ـ أي يقتضي كون الفعل من حيث صدوره من هذا الفاعل قبيحا ـ دون الفعليّ ، بل الفعل يبقى من حيث ذاته على ما هو عليه من المحبوبيّة أو المبغوضيّة. وهذا ما اختاره المصنّف رحمه‌الله في المقام.

الثالث : أنّ التجرّي يوجب كون الفعل المتجرّي به قبيحا ومعاقبا عليه من جهة انطباق عنوان الطغيان عليه ، مع بقاء ذات العمل على ما هو عليه في الواقع. فيقتضي التجرّي قبح الفعل فعلا. وهذا ما ارتضاه المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ٣٠.

وفي المقام أقوال أخر لا يهمّ التعرّض لها.

ثمرة النزاع :

وتظهر الثمرة فيما لو قامت أمارة معتبرة على حرمة شيء ـ كما لو قامت الأمارة على حرمة صوم في يوم كذا ـ وأراد المتجرّي الإتيان بهذا العمل برجاء مطلوبيّته واقعا.

فبناء على ما ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ لا قبح في العمل المتجرّى به ، وإنّما الذمّ على الصفة الكامنة في النفس ، فلا مانع من الإتيان بهذا العمل برجاء مطلوبيّته ، لأنّه صالح للمقرّبيّة في نفسه ، وخبث السريرة لا ينافي التقرّب به ، فيصحّ العمل.

وأمّا بناء على ما ذهب إليه المصنّف رحمه‌الله فنفس الفعل وإن كان صالحا للمقرّبيّة في نفسه ، لعدم كونه قبيحا ، إلّا أنّه يعتبر في المقرّبيّة ـ مضافا إلى صلاحيّة الفعل للمقرّبيّة في نفسه ـ عدم اشتمال الفعل على القبح الفاعليّ. وعليه لا يصلح هذا الفعل للمقرّبيّة ، لقبح جهة صدوره ، فلا يصحّ هذا الفعل.

وأمّا بناء على ما ذهب إليه المحقّق العراقيّ فلا يمكن الإتيان بهذا العمل برجاء مطلوبيّته في الواقع ، لأنّه قبيح فعلا ، فلا يصلح للمقرّبيّة.

(١) هكذا في بعض النسخ. وفي بعض آخر هكذا : «وهتك حرمته». والصحيح أن يقول : «وهتكه لحرمة مولاه».

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «على قيامه بما هو ...».

قلنا (١) بأنّه لا يستحقّ مؤاخذة أو مثوبة ـ ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة ـ بمجرّد سوء سريرته أو حسنها وإن كان مستحقّا للذمّ (٢) أو المدح بما يستتبعانه ، كسائر الصفات والأخلاق الذميمة أو الحسنة.

وبالجملة : ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحقّ بها إلّا مدحا أو لوما ، وإنّما يستحقّ الجزاء بالمثوبة أو العقوبة ـ مضافا إلى أحدهما (٣) ـ إذا صار بصدد الجري على طبقها ، والعمل على وفقها ، وجزم وعزم. وذلك لعدم صحّة مؤاخذته بمجرّد سوء سريرته من دون ذلك (٤) وحسنها معه (٥) ، كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الإطاعة والعصيان ، وما يستتبعان من استحقاق النيران أو الجنان.

[عدم تغيّر الواقع في القطع بخلافه]

ولكن ذلك (٦) مع بقاء الفعل المتجرّى به أو المنقاد به (٧) على ما هو عليه من الحسن أو القبح ، والوجوب أو الحرمة واقعا ، بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلّق القطع بغير ما هو عليه من الحكم والصفة ، ولا تغيّر جهة حسنه أو قبحه بجهته أصلا (٨) ، ضرورة أنّ القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات الّتي

__________________

(١) تعريض بالشيخ الأنصاريّ رحمه‌الله.

(٢) وفي بعض النسخ : «للّوم». وما أثبتناه موافق لبعض آخر منها.

(٣) أي : الذمّ والمدح.

(٤) أي : من دون العزم.

(٥) أي : وحسن مؤاخذته مع العزم.

(٦) أي : صحّة المؤاخذة واستحقاق العقاب مع العزم.

(٧) وفي بعض النسخ : «المتجرّى أو المنقاد به».

(٨) أي : وبلا تغيّر جهة حسن الفعل المتجرّى به أو قبحه بجهة تعلّق القطع بغير ما عليه الفعل المتجرّى به من الحكم والصفة.

والأولى : أن يقول : «ولا تغيّر في حسنه أو قبحه بجهته أصلا». أي : وبلا حدوث تغيّر في حسنه أو قبحه بسبب تعلّق القطع بغير ما عليه الفعل.

والحاصل : أنّ القطع لا يكون مغيّرا لحسن الفعل أو قبحه ولا لوجوبه أو حرمته.