درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۳۱: قطع ۵

 

قلنا (١) بأنّه لا يستحقّ مؤاخذة أو مثوبة ـ ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة ـ بمجرّد سوء سريرته أو حسنها وإن كان مستحقّا للذمّ (٢) أو المدح بما يستتبعانه ، كسائر الصفات والأخلاق الذميمة أو الحسنة.

وبالجملة : ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحقّ بها إلّا مدحا أو لوما ، وإنّما يستحقّ الجزاء بالمثوبة أو العقوبة ـ مضافا إلى أحدهما (٣) ـ إذا صار بصدد الجري على طبقها ، والعمل على وفقها ، وجزم وعزم. وذلك لعدم صحّة مؤاخذته بمجرّد سوء سريرته من دون ذلك (٤) وحسنها معه (٥) ، كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الإطاعة والعصيان ، وما يستتبعان من استحقاق النيران أو الجنان.

[عدم تغيّر الواقع في القطع بخلافه]

ولكن ذلك (٦) مع بقاء الفعل المتجرّى به أو المنقاد به (٧) على ما هو عليه من الحسن أو القبح ، والوجوب أو الحرمة واقعا ، بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلّق القطع بغير ما هو عليه من الحكم والصفة ، ولا تغيّر جهة حسنه أو قبحه بجهته أصلا (٨) ، ضرورة أنّ القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات الّتي

__________________

(١) تعريض بالشيخ الأنصاريّ رحمه‌الله.

(٢) وفي بعض النسخ : «للّوم». وما أثبتناه موافق لبعض آخر منها.

(٣) أي : الذمّ والمدح.

(٤) أي : من دون العزم.

(٥) أي : وحسن مؤاخذته مع العزم.

(٦) أي : صحّة المؤاخذة واستحقاق العقاب مع العزم.

(٧) وفي بعض النسخ : «المتجرّى أو المنقاد به».

(٨) أي : وبلا تغيّر جهة حسن الفعل المتجرّى به أو قبحه بجهة تعلّق القطع بغير ما عليه الفعل المتجرّى به من الحكم والصفة.

والأولى : أن يقول : «ولا تغيّر في حسنه أو قبحه بجهته أصلا». أي : وبلا حدوث تغيّر في حسنه أو قبحه بسبب تعلّق القطع بغير ما عليه الفعل.

والحاصل : أنّ القطع لا يكون مغيّرا لحسن الفعل أو قبحه ولا لوجوبه أو حرمته.

بها يكون الحسن والقبح عقلا ، ولا ملاكا للمحبوبيّة والمبغوضيّة شرعا (١) ، ضرورة عدم تغيّر الفعل عمّا هو عليه من المبغوضيّة والمحبوبيّة للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوبا أو مبغوضا له. فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضا له ولو اعتقد العبد بأنّه عدوّه ، وكذا قتل عدوّه مع القطع بأنّه ابنه لا يخرج عن كونه محبوبا أبدا. هذا.

مع أنّ الفعل المتجرّى به أو المنقاد به ـ بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب ـ لا يكون اختياريّا ، فإنّ القاطع لا يقصده إلّا بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعيّ الاستقلاليّ ، لا بعنوانه الطارئ الآليّ ، بل لا يكون غالبا بهذا العنوان ممّا يلتفت إليه ، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلا ، ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعا؟ ولا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلّا إذا كانت اختياريّة (٢).

__________________

(١) أي : ولا يكون القطع بهما ملاكا للمحبوبيّة أو المبغوضيّة شرعا.

(٢) وحاصل ما أفاده : أنّ للمصنّف رحمه‌الله دعويان :

الأولى : أنّ التجرّي يوجب استحقاق المتجرّي للعقاب ، والانقياد يوجب استحقاقه للثواب. وذلك لأنّ العزم على ما يراه المكلّف مخالفة للمولى جرأة على المولى وهتك لحرمته ، فهو يكشف عن خبث الفاعل ، فيتّصف المتجرّي بالقبح الفاعليّ.

الثاني : أنّ الفعل المتجرّى به باق على ما هو عليه من الحسن أو القبح ، والمبغوضيّة أو المحبوبيّة ، والوجوب أو الحرمة واقعا ، ولا يتغيّر الواقع عمّا هو عليه بسبب تعلّق القطع به ، بل يبقى على ما هو عليه ـ من الوصف أو الحكم ـ لو لا القطع.

أمّا الدعوى الأولى : فالشاهد عليه هو الوجدان.

وأمّا الدعوى الثانية : فيدلّ عليه وجهان :

الأوّل : أنّ القطع ليس من العناوين الموجبة للحسن والقبح عقلا ، ولا ملاكا للمحبوبيّة والمبغوضيّة شرعا ، ضرورة أنّه لا يتغيّر شرب الماء عما هو عليه من الإباحة بواسطة القطع ، كما لا يتغيّر شرب الخمر عما هو عليه من الحرمة بواسطة القطع بكونه ماء ؛ ولا يتغيّر أيضا قتل ابن المولى عما هو عليه من المبغوضيّة بسبب قطع العبد بكونه عدوّه ، كما لا يتغيّر قتل عدوّه عما هو عليه من المحبوبيّة بسبب القطع بأنّه ابنه. فالوجدان حاكم ببقاء الفعل المتجرّى به على ما هو عليه لو لا القطع.

الثاني : أنّ العناوين المحسّنة أو المقبّحة لا بدّ من أن تكون اختياريّة ، وعنوان القطع ـ

إن قلت : إذا لم يكن الفعل كذلك (١) فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع ، وهل كان العقاب عليها إلّا عقابا على ما ليس بالاختيار؟!

قلت : العقاب إنّما يكون على قصد العصيان والعزم على الطغيان ، لا على الفعل الصادر بهذا العنوان بلا اختيار.

إن قلت : إنّ القصد والعزم إنّما يكون من مبادئ الاختيار ، وهي ليست باختياريّة ، وإلّا لتسلسل.

قلت : ـ مضافا إلى أنّ الاختيار وإن لم يكن بالاختيار ، إلّا أنّ بعض مباديه غالبا يكون وجوده بالاختيار ، للتمكّن من عدمه بالتأمّل فيما يترتّب على ما عزم

__________________

ـ لا يكون كذلك ، لأنّ القاطع إنّما يقصد الفعل بعنوانه الواقعيّ ، لا بعنوان كونه مقطوعا به ، فإذا قطع بخمريّة مائع وشربه فقد قصد شرب الخمر ولم يقصد شرب مقطوع الخمريّة أو مقطوع الحرمة ، فإنّ الفعل بهذا العنوان لا يكون ملتفتا إليه ، ومع عدم الالتفات إليه يستحيل القصد إليه ، ومع امتناع القصد لا يتّصف هذا العنوان بالقبح مثلا.

وأورد المحقّق النائينيّ على الوجه الثاني بما حاصله : أنّ المراد بالالتفات هو حضور الشيء في النفس ، وحضور الشيء في النفس إنّما هو بالقطع الّذي صفة حاضرة بنفسها في النفس ، فلا يعقل أن يكون الإنسان عالما بشيء مع كونه غير ملتفت إلى علمه. ولا ريب أنّ صدور الفعل بهذا العنوان اختياريّ وملتفت إليه ولو بالالتفات الإجماليّ الارتكازيّ. أجود التقريرات ٢ : ٢٧.

وأورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ أيضا ـ بعد ما عدّ إيراد المحقّق النائينيّ كلاما خطابيّا لا ينبغي أن يصغى إليه ـ ما حاصله : أنّ العناوين المغفول عنها على قسمين :

أحدهما : ما لا يمكن الالتفات إليه ولو بالنظرة الثانية ، كعنوان النسيان والتجرّي. فحينئذ لا يمكن اختصاص الخطاب به بأن يقال : «أيّها الناسي لكذا افعل كذا» أو «أيّها المتجرّي في كذا افعل كذا» ، فإنّه بنفس هذا الخطاب يخرج عن العنوان.

ثانيهما : ما يمكن الالتفات إليه كذلك ، كعنوان القصد والعلم. وحينئذ يمكن اختصاص الخطاب به ، فإنّ العالم بالخمر بعد ما التفت إلى أنّ معلومه بما أنّه معلوم حكمه يتوجّه بالنظرة الثانية إلى علمه توجّها استقلاليّا. وأدلّ دليل على ذلك وقوع العلم والقصد في الشرعيّات متعلّقا للأحكام ، مثل قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر». أنوار الهداية ١ : ٤٩.

(١) أي : إذا لم يكن الفعل بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب اختياريّا.