درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۳۴: قطع ۸

 

مخالفته أصلا ـ ولو بلا اختيار ـ ، بل عدم (١) صدور فعل منه في بعض أفراده بالاختيار ، كما في التجرّي بارتكاب ما قطع أنّه من مصاديق الحرام ، كما إذا قطع ـ مثلا ـ بأنّ مائعا خمر مع أنّه لم يكن بالخمر ، فيحتاج إلى إثبات أنّ المخالفة الاعتقاديّة سبب كالواقعيّة الاختياريّة ، كما عرفت بما لا مزيد عليه.

[توهّم صاحب الفصول ، والجواب عنه]

ثمّ لا يذهب عليك : أنّه ليس في المعصية الحقيقيّة إلّا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة ـ وهو هتك واحد ـ ، فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين ـ كما توهّم (٢) ـ. مع ضرورة أنّ المعصية الواحدة لا توجب إلّا عقوبة واحدة. كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما كما لا يخفى. ولا منشأ لتوهّمه إلّا بداهة أنّه ليس في معصية واحدة إلّا عقوبة واحدة ، مع الغفلة عن أنّ وحدة المسبّب تكشف ـ بنحو الإنّ ـ عن وحدة السبب.

الأمر الثالث

[أقسام القطع وأحكامها]

[القطع الطريقيّ]

إنّه قد عرفت (٣) أنّ القطع بالتكليف ـ أخطأ أو أصاب ـ يوجب عقلا استحقاق

__________________

(١) معطوف على قوله : «لعدم».

(٢) المتوهّم هو صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٨٧.

وحاصل التوهّم : أنّ تفويت المقدّمة قبل زمان الواجب تجرّ على ترك الواجب ، فإذا لم يعثر عليها بعد الوقت يصير مصادفا للمعصية الحقيقة ويعدّان معصيتين ، فيستحقّ عقابين ، لكنّه إذا صادفها تداخلا وعدّا معصية واحدة.

وحاصل الجواب عنه : أنّ مشنأ استحقاق العقوبة في المعصية الحقيقيّة واحد ، وهو الهتك الواحد ، فلا موجب لتعدّد العقوبة كي يقال بتداخلهما. وعلى تقدير تعدّدها لا وجه للتداخل ، فإنّ وحدة المسبّب ـ وهو العقاب ـ كاشفة بنحو الإنّ عن وحدة السبب.

(٣) في الأمر الأوّل.

المدح والثواب ، أو الذمّ والعقاب من دون أن يؤخذ شرعا في خطاب (١).

[القطع الموضوعيّ]

وقد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلّقه (٢) ، لا يماثله ولا يضادّه (٣) ـ كما إذا ورد مثلا في الخطاب : «أنّه إذا قطعت بوجوب شيء يجب عليك التصدّق بكذا» ـ تارة بنحو يكون تمام الموضوع ، بأن يكون القطع بالوجوب مطلقا ـ ولو أخطأ ـ موجبا لذلك (٤) ؛ واخرى بنحو يكون جزءه وقيده ، بأن يكون القطع به في خصوص ما أصاب موجبا له.

وفي كلّ منهما يؤخذ طورا بما هو كاشف وحاك عن متعلّقه ؛ وآخر بما هو صفة خاصّة للقاطع ، أو المقطوع به.

وذلك (٥) لأنّ القطع لمّا كان من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة (٦) ـ ولذا كان العلم نورا لنفسه ونورا لغيره ـ صحّ أن يؤخذ فيه (٧) بما هو صفة خاصّة وحالة

__________________

(١) هذا هو القطع الطريقيّ.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «يخالف حكم متعلّقه».

والمراد أنّ القطع قد يؤخذ موضوعا لحكم يخالف مع حكم متعلّق القطع. كما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة وجب عليك التصدّق» ، فإنّ العلم بوجوب الصلاة اخذ موضوعا لحكم وجوب التصدّق الّذي كان مخالفا لحكم متعلّق القطع أي وجوب الصلاة ، ضرورة أنّ تعدّد المتعلّقين يوجب تعدّد الحكمين.

(٣) أي : إنّ الحكم الآخر لا يماثل حكم متعلّق القطع ، كالمثال المتقدّم. بخلاف ما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة» أو قال : «إذا علمت بوجوب الصلاة حرمت عليك الصلاة» ، فإنّ المثال الأوّل من اجتماع المثلين ، والثاني من اجتماع الضدّين.

(٤) أي : موجبا لذلك الحكم الآخر المخالف لحكم متعلّق القطع.

(٥) أي : الأخذ بأحد النحوين الأخيرين.

(٦) وهي الصفات الّتي اخذت الإضافة في مفهومها ، بمعنى أنّ تصوّرها متوقّفة على تصوّر الغير ، سواء كانت من الصفات الّتي لم تتوقّف في تحقّقها على الغير كالعلم ، أو كانت من الصفات الّتي تتوقّف في تحقّقها أيضا على الغير كالخلق والرزق.

(٧) أي : في موضوع حكم آخر.

مخصوصة بإلغاء جهة كشفه ، أو اعتبار خصوصيّة اخرى فيه معها (١) ؛ كما صحّ أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلّقه وحاك عنه. فيكون أقسامه أربعة ، مضافة إلى ما هو طريق محض عقلا ، غير مأخوذ في الموضوع شرعا (٢).

__________________

(١) أي : اعتبار خصوصيّة اخرى ـ كاعتبار كون العلم ناشئا من سبب خاصّ ـ في موضوع القطع مع صفتيّته.

(٢) والحاصل : أنّ للقطع أقسام خمسة. وذلك لأن القطع ينقسم ـ انقساما أوّليّا ـ إلى قسمين : القطع الطريقيّ ، والقطع الموضوعيّ.

أمّا القطع الطريقيّ : فهو ما يكون طريقا وكاشفا عن الواقع من دون أن يؤخذ في موضوع الحكم. كعلمنا بوجوب الصلاة وسائر الواجبات.

وأمّا القطع الموضوعيّ : فهو ما يؤخذ في موضوع الحكم الشرعيّ الّذي يكون مخالفا لحكم متعلّق القطع بحيث يترتّب الحكم على وجوده ويكون دخيلا في الحكم ، أو يؤخذ بنفسه موضوعا للحكم الشرعيّ.

والقطع الموضوعيّ ينقسم إلى قسمين :

الأوّل : أن يكون القطع تمام الموضوع للحكم ، أي يكون الحكم دائرا مدار القطع مطلقا ، سواء كان مطابقا للواقع أو مخالفا له.

الثاني : أن يكون القطع جزءا للموضوع وكان الجزء الآخر نفس الواقع المقطوع به ، فيكون الحكم دائرا مدار خصوص القطع المطابق للواقع.

وينقسم كلّ منهما إلى قسمين :

أحدهما : أنّ يؤخذ موضوعا بنحو الكشف والطريقيّة ، بأن يكون حاكيا وكاشفا عن متعلّقه ومرآتا له ، فيكون القطع حينئذ طريقا إلى إحراز متعلّقه.

ثانيهما : أن يؤخذ القطع موضوعا بنحو الصفتيّة ، بأن يكون صفة حقيقيّة قائمة بالنفس ، فيكون القطع حينئذ كسائر الصفات النفسانيّة.

فيكون الأقسام خمسة.

وتبعه على ذلك المحقّق العراقيّ على ما في نهاية الأفكار ٣ : ١٤.

ولكن المحقّق النائينيّ أنكر أخذ القطع تمام الموضوع بنحو الكشف والطريقيّة. وذهب إلى تثليث أقسام القطع الموضوعيّ. وحاصل ما أفاده : أنّ القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقيّة لا يعقل إلّا إذا كان القطع جزء الموضوع ؛ وأمّا إذا اخذ تمام الموضوع فلا يعقل ، لأنّ النظر الاستقلاليّ في القطع الطريقيّ يتعلّق بالواقع المنكشف به ، ومعنى كونه تمام الموضوع أنّه لا دخل للواقع في الحكم أصلا ، بل الحكم يترتّب على نفس القطع ولو كان مخالفا للواقع ، ـ

[قيام الأمارات مقام القطع الطريقيّ]

ثمّ لا ريب في قيام الطرق والأمارات المعتبرة ـ بدليل حجيّتها واعتبارها ـ مقام هذا القسم (١). كما لا ريب في عدم قيامها بمجرّد ذلك الدليل مقام ما اخذ في الموضوع على نحو الصفتيّة من تلك الأقسام ، بل لا بدّ من دليل آخر على التنزيل ، فإنّ قضيّة الحجّيّة والاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجّة من الآثار ، لا له (٢) بما هو صفة وموضوع ، ضرورة أنّه كذلك يكون كسائر الموضوعات والصفات (٣).

__________________

ـ وهذا خلف. أجود التقريرات ٢ : ٥.

وأنكر المحقّق الأصفهانيّ أخذ القطع موضوعا بنحو الصفتيّة مطلقا. وذلك لأنّ قوام القطع بكاشفيّته التامّة ، فأخذه في الموضوع مع إلغاء جهة كشفه غير معقول ، فإنّ حفظ الشيء مع الغاء ما به هو هو محال ، نظير حفظ الإنسان بما هو إنسان مع قطع النظر عن الإنسانيّة. نهاية الدراية ٢ : ٥٧.

وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى أن القطع الموضوعيّ ينقسم إلى ستّة أقسام. وذلك لأنّ القطع إذا أخذ بنحو الموضوعيّ الطريقيّ لا يخلو : إمّا أن يؤخذ تمام الموضوع ، وإمّا أن يؤخذ بعض الموضوع. وعلى كلا التقديرين إمّا أن يؤخذ بنحو الصفتيّة ، وإمّا أن يؤخذ بنحو الطريقيّة التامّة والكشف الكامل ، وإمّا أن يؤخذ بنحو الطريقيّة المشتركة بينه وبين سائر الأمارات. أنوار الهداية ١ : ٩٣ ـ ٩٤.

فمحصّل الكلام : أنّ أقسام القطع لدى المصنّف رحمه‌الله والمحقّق العراقيّ خمسة ، وعند المحقّق النائينيّ أربعة ، وعند المحقّق الأصفهانيّ ثلاثة ، ولدى الإمام الخمينيّ ستّة.

(١) أي القسم الأوّل ، وهو القطع الطريقيّ. والوجه في ذلك : أنّ مقتضى اعتبار الأمارات أنّها طرق لإحراز الواقع ، فيؤثّر في التنجيز في صورة الإصابة والتعذير عند الخطاء ، وهذا هو معنى حجّيّة الأمارات. ولا شكّ أنّ القطع أيضا حجّة بمعنى أنّه منجّز في صورة الإصابة ومعذّر عند الخطأ. فيترتّب أثر القطع على الأمارات. وما معنى لقيامها مقام القطع إلّا ترتيب أثره عليها.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «لا ما له ...».

(٣) وتوضيح ما أفاده : أنّ المراد من قيام الأمارات مقام القطع هو ترتيب آثار القطع على الأمارة. ومعلوم أنّ الآثار ـ كالمنجّزيّة والمعذّريّة ـ إنّما تترتّب على القطع بما أنّه كاشف عن الواقع ، ولا تترتّب عليه بلحاظ كونه صفة من الصفات النفسانيّة. فإنّه بهذا اللحاظ كسائر الصفات النفسانيّة أجنبيّ عنها. فقيام الأمارات مقام القطع الموضوعيّ المأخوذ بنحو الوصفيّة يحتاج إلى دليل آخر.