درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۳۵: قطع ۹

 

[قيام الأمارات مقام القطع الطريقيّ]

ثمّ لا ريب في قيام الطرق والأمارات المعتبرة ـ بدليل حجيّتها واعتبارها ـ مقام هذا القسم (١). كما لا ريب في عدم قيامها بمجرّد ذلك الدليل مقام ما اخذ في الموضوع على نحو الصفتيّة من تلك الأقسام ، بل لا بدّ من دليل آخر على التنزيل ، فإنّ قضيّة الحجّيّة والاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجّة من الآثار ، لا له (٢) بما هو صفة وموضوع ، ضرورة أنّه كذلك يكون كسائر الموضوعات والصفات (٣).

__________________

ـ وهذا خلف. أجود التقريرات ٢ : ٥.

وأنكر المحقّق الأصفهانيّ أخذ القطع موضوعا بنحو الصفتيّة مطلقا. وذلك لأنّ قوام القطع بكاشفيّته التامّة ، فأخذه في الموضوع مع إلغاء جهة كشفه غير معقول ، فإنّ حفظ الشيء مع الغاء ما به هو هو محال ، نظير حفظ الإنسان بما هو إنسان مع قطع النظر عن الإنسانيّة. نهاية الدراية ٢ : ٥٧.

وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى أن القطع الموضوعيّ ينقسم إلى ستّة أقسام. وذلك لأنّ القطع إذا أخذ بنحو الموضوعيّ الطريقيّ لا يخلو : إمّا أن يؤخذ تمام الموضوع ، وإمّا أن يؤخذ بعض الموضوع. وعلى كلا التقديرين إمّا أن يؤخذ بنحو الصفتيّة ، وإمّا أن يؤخذ بنحو الطريقيّة التامّة والكشف الكامل ، وإمّا أن يؤخذ بنحو الطريقيّة المشتركة بينه وبين سائر الأمارات. أنوار الهداية ١ : ٩٣ ـ ٩٤.

فمحصّل الكلام : أنّ أقسام القطع لدى المصنّف رحمه‌الله والمحقّق العراقيّ خمسة ، وعند المحقّق النائينيّ أربعة ، وعند المحقّق الأصفهانيّ ثلاثة ، ولدى الإمام الخمينيّ ستّة.

(١) أي القسم الأوّل ، وهو القطع الطريقيّ. والوجه في ذلك : أنّ مقتضى اعتبار الأمارات أنّها طرق لإحراز الواقع ، فيؤثّر في التنجيز في صورة الإصابة والتعذير عند الخطاء ، وهذا هو معنى حجّيّة الأمارات. ولا شكّ أنّ القطع أيضا حجّة بمعنى أنّه منجّز في صورة الإصابة ومعذّر عند الخطأ. فيترتّب أثر القطع على الأمارات. وما معنى لقيامها مقام القطع إلّا ترتيب أثره عليها.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «لا ما له ...».

(٣) وتوضيح ما أفاده : أنّ المراد من قيام الأمارات مقام القطع هو ترتيب آثار القطع على الأمارة. ومعلوم أنّ الآثار ـ كالمنجّزيّة والمعذّريّة ـ إنّما تترتّب على القطع بما أنّه كاشف عن الواقع ، ولا تترتّب عليه بلحاظ كونه صفة من الصفات النفسانيّة. فإنّه بهذا اللحاظ كسائر الصفات النفسانيّة أجنبيّ عنها. فقيام الأمارات مقام القطع الموضوعيّ المأخوذ بنحو الوصفيّة يحتاج إلى دليل آخر.

[عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعيّ]

ومنه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل مقام ما اخذ في الموضوع على نحو الكشف ، فإنّ القطع المأخوذ بهذا النحو في الموضوع شرعا ، كسائر ما لها (١) دخل في الموضوعات أيضا ، فلا يقوم مقامه شيء بمجرّد حجّيّته وقيام (٢) دليل على اعتباره ، ما لم يقم دليل على تنزيله ودخله في الموضوع كدخله (٣).

وتوهّم (٤) كفاية دليل الاعتبار الدالّ على إلغاء احتمال خلافه ، وجعله بمنزلة القطع من جهة كونه موضوعا ، ومن جهة كونه طريقا ، فيقوم مقامه طريقا كان أو موضوعا ، فاسد جدّا ، فإنّ الدليل الدالّ على إلغاء الاحتمال ، لا يكاد يكفي إلّا بأحد التنزيلين (٥) ، حيث لا بدّ في كلّ تنزيل منهما (٦) من لحاظ المنزّل (٧) والمنزّل عليه (٨) ، ولحاظهما في أحدهما (٩) آليّ ، وفي الآخر (١٠) استقلاليّ ، بداهة أنّ النظر في حجّيّته وتنزيله منزلة القطع في طريقيّته في الحقيقة إلى الواقع ومؤدّى الطريق ؛ وفي كونه بمنزلته في دخله في الموضوع إلى أنفسهما ، ولا يكاد يمكن الجمع بينهما (١١).

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «كسائر ما له ...» ، كما في حقائق الاصول ٢ : ٢٤.

(٢) وفي بعض النسخ : «أو قيام». وعليه يكون قوله : «بمجرّد حجّيّته» إشارة إلى الظنّ المطلق على الحكومة ، وقوله : «أو قيام دليل على اعتباره» إشارة إلى الظنّ الخاصّ. وأمّا بناء على ما أثبتناه في المتن فيكون قوله : «وقيام ...» عطف تفسير للحجّيّة.

(٣) أي : كدخل سائر ما له دخل في الموضوعات.

(٤) تعريض بما ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ في بيان قيام الأمارات والاصول مقام القطع الموضوعيّ الطريقيّ ، دون الصفتيّ. وتبعه على ذلك المحقّق النائينيّ. راجع فرائد الاصول ١ : ٣٣ ـ ٣٤ ، فوائد الاصول ٣ : ٢١.

(٥) أي : تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقيّ وتنزيلها منزلة القطع الموضوعيّ.

(٦) أي : من التنزيلين.

(٧) وهو الأمارة.

(٨) وهو القطع.

(٩) وهو تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقيّ.

(١٠) وهو تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعيّ.

(١١) أي : بين التنزيلين ، لأنّه مستلزم للجمع بين اللحاظ الآليّ والاستقلاليّ ، وهو محال.

نعم ، لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما ، يمكن أن يكون دليلا على التنزيلين ، والمفروض أنّه ليس. فلا يكون دليلا على التنزيل (١) إلّا بذاك اللحاظ الآليّ (٢) ، فيكون (٣) حجّة موجبة لتنجّز متعلّقه وصحّة العقوبة على مخالفته في صورتي إصابته وخطئه ، بناء على استحقاق المتجرّي ؛ أو بذاك اللحاظ الآخر الاستقلاليّ ، فيكون مثله في دخله في الموضوع ، وترتيب ما له عليه من الحكم الشرعيّ.

لا يقال : على هذا لا يكون دليلا على أحد التنزيلين ما لم يكن هناك قرينة في البين.

فإنّه يقال : لا إشكال في كونه دليلا على حجّيّته ، فإنّ ظهوره في أنّه بحسب اللحاظ الآليّ ممّا لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه ، وإنّما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ الآخر الاستقلاليّ من نصب (٤) دلالة عليه. فتأمّل في المقام ، فإنّه دقيق ، ومزالّ الأقدام للأعلام.

ولا يخفى : أنّه لو لا ذلك لأمكن أن يقوم الطريق بدليل واحد دالّ على إلغاء احتمال خلافه مقام القطع بتمام أقسامه ، ولو فيما اخذ في الموضوع على نحو الصفتيّة ، كان تمامه ، أو قيده وبه قوامه.

فتلخّص بما ذكرنا : أنّ الأمارة لا تقوم بدليل اعتبارها ، إلّا مقام ما ليس بمأخوذ في الموضوع أصلا (٥).

__________________

(١) أي : فلا يكون دليل اعتبار الأمارة دليلا على تنزيلها منزلة القطع.

(٢) وذلك لأنّ أدلّة اعتبار الأمارات ـ كخبر العادل ـ ظاهرة بحسب متفاهم العرف في التنزيل من حيث الطريقيّة والكاشفيّة.

(٣) أي : فيكون الشيء ـ وهو الأمارة ـ ...

(٤) هكذا في النسخ. والصواب أن يقول : «إلى نصب ...».

(٥) وخالفه المحقّق النائينيّ ، فذهب ـ تبعا للشيخ الأعظم الأنصاريّ ـ إلى قيام الأمارة بدليل اعتبارها مقام القطع الموضوعيّ الطريقيّ دون الصفتيّ. راجع فوائد الاصول ٣ : ٢١.

وخالفه أيضا السيّد الإمام الخمينيّ ، فذهب ـ بعد ما أجاب عن لزوم الجمع بين اللحاظين ـ إلى عدم قيام الأمارات مقام القطع بأقسامه. أنوار الهداية ١ : ١٠٦ ـ ١٠٧. ـ