درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۳۷: قطع ۱۱

 

[عدم قيام غير الاستصحاب من الاصول مقام القطع الطريقيّ]

وأمّا الاصول : فلا معنى لقيامها مقامه بأدلّتها أيضا ، غير الاستصحاب ، لوضوح أنّ المراد من قيام المقام (١) ترتيب ما له (٢) من الآثار والأحكام من تنجّز التكليف وغيره ـ كما مرّت إليه الإشارة ـ ، وهي (٣) ليست إلّا وظائف مقرّرة للجاهل في مقام العمل ، شرعا أو عقلا (٤).

لا يقال : إنّ الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجّز التكليف ـ لو كان ـ.

فإنّه يقال : أمّا الاحتياط العقليّ : فليس إلّا نفس (٥) حكم العقل بتنجّز التكليف وصحّة العقوبة على مخالفته ، لا شيء يقوم مقامه في هذا الحكم (٦).

وأمّا النقليّ : فإلزام الشارع به وإن كان ممّا يوجب التنجّز وصحّة العقوبة على المخالفة كالقطع ، إلّا أنّه لا نقول به (٧) في الشبهة البدويّة ، ولا يكون بنقليّ في المقرونة بالعلم الإجماليّ ، فافهم.

[عدم قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعيّ]

ثمّ لا يخفى : أنّ دليل الاستصحاب أيضا لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ في

__________________

ـ والمحقّق الأصفهانيّ وافق المصنّف رحمه‌الله في النتيجة وخالفه في طريق الوصول إليها. فراجع نهاية الدراية ٢ : ٦٠ ـ ٦٣.

(١) أي : قيام الاصول مقام القطع. فاللام في قوله : «المقام» للعهد الذكريّ.

(٢) أي : ما للقطع.

(٣) أي : الاصول.

(٤) وبتعبير أوضح : أنّ المراد من قيام الاصول مقام القطع ترتيب آثاره وأحكامه ـ من تنجّز التكليف وغيره ـ في موارد جريانها. ولا تجري الاصول العمليّة إلّا بعد فقد المنجّز والحجّة على الواقع ، لأنّها عبارة عن وظائف عمليّة مقرّرة للجاهل في مقام العمل شرعا أو عقلا ، فهي في طول القطع. فلا يتصوّر قيامها مقامه.

(٥) وفي بعض النسخ : «إلّا لأجل حكم ...». والأولى ما أثبتناه.

(٦) والأولى أن يقول : «لا شيئا يترتّب عليه التنجّز كي يقوم مقام القطع».

(٧) أي : بإلزام الشارع به.

الموضوع مطلقا ، وأنّ مثل «لا تنقض اليقين» (١) لا بدّ من أن يكون مسوقا إمّا بلحاظ المتيقّن ، أو بلحاظ نفس اليقين.

[العدول عمّا في درر الفوائد]

وما ذكرنا في الحاشية (٢) ـ في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل منزلة

__________________

(١) وسائل الشيعة ١ : ١٧٤ ، الباب ١ من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث ١ ، و ١ : ١٨٤ ، الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث ١٣.

(٢) درر الفوائد في الحاشية على الفرائد : ٢٩ ـ ٣١.

وحاصل ما أفاده : أنّه يمكن تصحيح قيام الأمارة أو الاستصحاب مقام القطع الموضوعيّ إذا كان جزء الموضوع من دون لزوم اجتماع اللحاظين. وذلك بأن يقال : إنّ أدلّة اعتبار الأمارة والاستصحاب تدلّ بالمطابقة على تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع فقط ، فلا يكون هناك إلّا لحاظ آليّ ؛ وتدلّ بالالتزام على تنزيل العلم بالمؤدّى منزلة القطع بالواقع. فيثبت أحد جزئي الموضوع بنفس دليل الاعتبار والجزء الآخر بالملازمة. ولا يلزم منه الجمع بين اللحاظ الآليّ والاستقلاليّ.

وبعبارة أوضح : أنّ الموضوع في قيام الأمارة والاستصحاب مقام القطع مركّب من أمرين :

أحدهما : تنزيل مؤدّاهما منزلة الواقع.

ثانيهما : تنزيل الأمارة والاستصحاب منزلة القطع بالواقع.

أمّا الأوّل : فتدلّ عليه أدلّة الأمارات والاستصحاب بالدلالة المطابقيّة ، فإنّ الكشف والطريقيّة من أظهر آثار القطع ، وهذا يوجب ظهور دليل التنزيل في التنزيل بحسب الكشف والطريقيّة.

وأمّا الثاني : فتدلّ عليه أدلّتها بالدلالة الالتزاميّة ، فإنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ملازم لتنزيل الأمارة والشكّ منزلة القطع بالواقع عرفا.

وبالجملة : يكون الموضوع ذا جزءين. ويدلّ دليل اعتبار الأمارة والاستصحاب على أحدهما بالمطابقة وعلى الآخر بالالتزام ، وإذا تعدّدت الدلالة يتعدّد الدالّ ويرفع محذور اجتماع اللحاظين.

وتوضيح المطلب في قالب المثال : أنّه إذا قال المولى : «إذا علمت بكون مائع خمرا يجب عليك التصدّق» ، فإذا قطعنا بخمريّة مائع يترتّب عليه أثران شرعيّان :

الأوّل : أثر المقطوع به ، وهو وجوب الاجتناب عن ذلك المائع. ويكون القطع بالنسبة إليه طريقيّا. ـ

الواقع والقطع (١) وأنّ دليل الاعتبار إنّما يوجب تنزيل المستصحب والمؤدّى منزلة الواقع. وإنّما كان تنزيل القطع فيما له دخل في الموضوع بالملازمة بين تنزيلهما وتنزيل القطع بالواقع تنزيلا وتعبّدا منزلة القطع بالواقع حقيقة (٢) ـ لا يخلو من

__________________

ـ الثاني : حكم القطع الّذي اخذ جزء الموضوع ، وهو وجوب التصدّق.

فلو قامت بيّنة على خمريّة مائع كان مقتضى دليل اعتبار البيّنة بالمطابقة تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع ، فيترتّب عليه حكم الواقع ـ أي وجوب الاجتناب عنه ـ ، كما كان مقتضاه بالالتزام تنزيل البيّنة على الواقع منزلة العلم بالواقع ، فيجب التصدّق.

(١) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «وما ذكرناه في الحاشية في تصحيح التنزيلين : تنزيل الأمارة والأصل منزلة القطع وتنزيل مؤدّاهما منزلة الواقع ...». وذلك لبداهة أنّه لا يمكن تصحيح لحاظ واحد في التنزيلين ، فإنّه من اجتماع المتضادّين.

(٢) والعبارة لا تخلو من الغموض. والمراد منها ـ كما عرفت ـ : أنّ دليل اعتبار الأمارة أو الاستصحاب لا يدلّ بالمطابقة إلّا على تنزيل المؤدّى والمستصحب منزلة الواقع. وأمّا تنزيل القطع بالواقع تعبّدا ـ وهو الأمارة والاستصحاب ـ منزلة القطع بالواقع حقيقة ـ وهو القطع الوجدانيّ ـ فلا يدلّ عليه دليل اعتبارهما بالمطابقة ، بل يدلّ عليه التزاما ، وذلك لوجود الملازمة بين تنزيل المؤدّى والمستصحب منزلة الواقع وبين تنزيل القطع بالواقع تعبّدا منزلة القطع به حقيقة.

واختلفت كلماتهم في بيان المراد من الملازمة في كلام المصنّف رحمه‌الله :

فذهب المحقّق الرشتيّ (الشيخ عبد الحسين) ـ في حواشيه على الكفاية المطبوعة بالطبع الحجريّ ٢ : ٢٠ ـ إلى أنّ المراد بها الملازمة العقليّة ، بمعنى أنّ التعبّد بأحد الجزءين من الموضوع لا يمكن بدون التعبّد بالآخر ، فما يدلّ على التعبّد بأحدهما بالمطابقة يدلّ على التعبّد بالآخر بالالتزام.

وفسّرها المحقّق الخوئيّ ـ تبعا لاستاذه المحقّق النائينيّ ـ بالملازمة العرفيّة ، بمعنى أنّ دليل الاعتبار يدلّ بالمطابقة على التعبّد بالواقع وتنزيل المؤدّى أو المستصحب منزلة الواقع. ويحكم العرف بالملازمة بين التنزيل المذكور وتنزيل العلم بالواقع التعبّدي منزلة القطع بالواقع حقيقة. فيدلّ دليل الاعتبار على التنزيل الثاني بالالتزام. فوائد الاصول ٣ : ٢٨. مصباح الاصول ٢ : ٤١.

وذهب المحقّق الأصفهانيّ إلى أن المراد بها مجموعهما ، أي أنّ الدليل الدالّ على تنزيل المؤدّى والمستصحب منزلة الواقع ، وإن كان يقتضي عقلا تنزيلا آخر ، لكنّه لا يقتضي عقلا أنّ أيّ شيء نزّل منزلة الجزء الآخر ، وحينئذ لا يبعد القول بأنّ العرف يحكم بأنّه القطع التعبّدي بالواقع. نهاية الدراية ٢ : ٧٢.

تكلّف ، بل تعسّف ، فإنّه لا يكاد يصحّ تنزيل جزء الموضوع أو قيده بما هو كذلك ، بلحاظ أثره ، إلّا فيما كان جزؤه الآخر أو ذاته محرزا بالوجدان ، أو تنزيله في عرضه. فلا يكاد يكون دليل الأمارة أو الاستصحاب دليلا على تنزيل جزء الموضوع ما لم يكن هناك دليل على تنزيل جزئه الآخر فيما لم يكن محرزا حقيقة ؛ وفيما لم يكن دليل على تنزيلهما بالمطابقة كما في ما نحن فيه ـ على ما عرفت (١) ـ لم يكن دليل الأمارة دليلا عليه أصلا ، فإنّ دلالته على تنزيل المؤدّى تتوقّف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة ، ولا دلالة له كذلك ، إلّا بعد دلالته على تنزيل المؤدّى. فإنّ الملازمة إنّما تكون بين تنزيل القطع به (٢) منزلة القطع بالموضوع الحقيقيّ وتنزيل المؤدّى منزلة الواقع (٣) ، كما لا يخفى ، فتأمّل جيّدا ، فإنّه لا يخلو عن دقّة (٤).

__________________

(١) من لزوم اجتماع اللحاظين.

(٢) أي : القطع بالمؤدّى أو المستصحب.

(٣) وفي بعض النسخ بعد قوله : «إلّا بعد دلالته على تنزيل المؤدّى» هكذا : «فإنّ الملازمة إنّما يدّعى بين القطع بالموضوع التنزيليّ والقطع بالموضوع الحقيقيّ ، وبدون تحقّق الموضوع التنزيليّ التعبّدي أوّلا بدليل الأمارة لا قطع بالموضوع التنزيليّ كي يدّعى الملازمة بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقيّ وتنزيل المؤدّى منزلة الواقع». وفي بعض النسخ ضرب عليه خطّ المحو وصحّح بما في المتن. والمعنى واحد.

(٤) حاصل ما أفاده ـ في الردّ على التوجيه الّذي ذكره في الحاشية ـ : أنّه مستلزم للدور.

وتوضيحه : أنّ الموضوع إذا كان مركّبا من جزءين أو أجزاء لا يترتّب الحكم عليه إلّا بعد إحراز كلا الجزءين بالوجدان أو التعبّد. فلو دلّ دليل على ثبوت أحدهما دون الآخر لا يترتّب الحكم عليه. فإذا قامت بيّنة على وجوب التصدّق فيما إذا علم وجوب الصلاة يكون الموضوع ذا جزءين : (أحدهما) وجوب الصلاة. (ثانيهما) العلم به. فلا يترتّب الحكم بوجوب التصدّق إلّا إذ احرز الجزءان وجدانا أو تعبّدا. والمفروض أنّه لم يحرز الموضوع في المقام بالوجدان ، فلا بدّ من إحرازهما تعبّدا ، بأن يدلّ دليل على تنزيلهما منزلة ما يحرز بالوجدان.

فترتّب الحكم الشرعيّ ـ وهو وجوب التعبّدي ـ على الموضوع ـ وهو العلم بوجوب الصلاة ـ متوقّف على دلالة دليل على أنّ وجوب الصلاة ـ وهو مؤدّى الأمارة ـ منزّل منزلة الواقع وأنّ العلم به والأمارة عليه منزّل منزلة العلم بالواقع الحقيقيّ.

ولا دليل على التنزيلين كي يترتّب الحكم الشرعيّ على الموضوع المركّب ، حيث لا دليل في المقام إلّا دليل اعتبار الأمارة ، وقد ثبت أنّه لا يدلّ على التنزيلين ، للزوم اجتماع اللحاظين. ـ

ثمّ لا يذهب عليك : أنّ هذا (١) لو تمّ لعمّ ؛ ولا اختصاص له بما إذا كان القطع مأخوذا على نحو الكشف.

الأمر الرابع

[امتناع أخذ القطع بحكم في موضوع نفسه أو مثله أو ضدّه]

لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم (٢) ، للزوم الدور(٣)؛

__________________

ـ نعم ، إنّما يدلّ دليل اعتبار الأمارة على التنزيل الأوّل ـ أي تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع ـ ، فلا يدلّ إلّا على وجوب الصلاة وأنّه بمنزلة الواقع. وأمّا التنزيل الثاني فلا يدلّ عليه دليل اعتبار الأمارة إلّا إذا كان العلم بوجوب الصلاة في عرض وجوب الصلاة ، ولكنّه ليس في عرضه ، بل يكون في طوله ومن لوازمه المترتّبة عليه. فإذا اريد إثبات التنزيل الثاني بنفس الدليل الدالّ على التنزيل الأوّل ـ وهو دليل اعتبار الأمارة ـ كي يترتّب الأثر الشرعيّ ـ وهو وجوب التصدّق ـ لزم الدور ، لأنّ تنزيل الأمارة منزلة القطع موقوف على ترتّب الأثر الشرعيّ عليه ، وإلّا كان التنزيل لغوا ، وترتّب هذا الأثر الشرعيّ موقوف على إحراز موضوعه الّذي يكون القطع بوجوب الصلاة أحد جزئيه ، وإحراز هذا القطع موقوف على كون الأمارة منزّلة منزلة القطع بالواقع الحقيقيّ ، فيكون تنزيل الأمارة منزلة القطع الحقيقيّ موقوفا على نفسه ، وهذا دور.

(١) وفي النسخ المخطوطة : «أنّه هذا». والصحيح ما أثبتناه ، وهو الموافق لما في النسخة المطبوعة الّتي عليها حواشي العلّامة المشكينيّ.

(٢) كما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة تجب عليك الصلاة» أو «إذا علمت بحرمة الخمر يحرم عليك الخمر».

(٣) ويمكن تقريب الدور بوجهين :

الأوّل : أنّ القطع بوجوب الصلاة ـ في المثال السابق ـ موقوف على ثبوت وجوب الصلاة قبل تعلّق العلم به ، لأنّ العارض متوقّف على معروضه ، ووجوب الصلاة أيضا موقوف على العلم بوجوبها ، لأنّ العلم به جزء الموضوع ويتوقّف الحكم على حصول موضوعه ، فيكون العلم بوجوبها موقوف على وجوبها ، ووجوبها موقوف على العلم بوجوبها ، وهذا دور.

ودفعه المحقّق الأصفهانيّ بما حاصله : أنّ الموقوف عليه غير الموقوف عليه ، فإنّ ما يتوقّف عليه القطع هو الصورة الذهنيّة للحكم ، لأنّ القطع من الامور النفسيّة الذهنيّة ولا يتعلّق بالموجودات الخارجيّة ، وما يتوقّف على القطع هو الوجود الخارجيّ للحكم ، فلا دور. نهاية الدراية ٢ : ٧٥ ـ ٧٦. ـ