درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۳۹: قطع ۱۳

 

ثمّ لا يذهب عليك : أنّ هذا (١) لو تمّ لعمّ ؛ ولا اختصاص له بما إذا كان القطع مأخوذا على نحو الكشف.

الأمر الرابع

[امتناع أخذ القطع بحكم في موضوع نفسه أو مثله أو ضدّه]

لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم (٢) ، للزوم الدور(٣)؛

__________________

ـ نعم ، إنّما يدلّ دليل اعتبار الأمارة على التنزيل الأوّل ـ أي تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع ـ ، فلا يدلّ إلّا على وجوب الصلاة وأنّه بمنزلة الواقع. وأمّا التنزيل الثاني فلا يدلّ عليه دليل اعتبار الأمارة إلّا إذا كان العلم بوجوب الصلاة في عرض وجوب الصلاة ، ولكنّه ليس في عرضه ، بل يكون في طوله ومن لوازمه المترتّبة عليه. فإذا اريد إثبات التنزيل الثاني بنفس الدليل الدالّ على التنزيل الأوّل ـ وهو دليل اعتبار الأمارة ـ كي يترتّب الأثر الشرعيّ ـ وهو وجوب التصدّق ـ لزم الدور ، لأنّ تنزيل الأمارة منزلة القطع موقوف على ترتّب الأثر الشرعيّ عليه ، وإلّا كان التنزيل لغوا ، وترتّب هذا الأثر الشرعيّ موقوف على إحراز موضوعه الّذي يكون القطع بوجوب الصلاة أحد جزئيه ، وإحراز هذا القطع موقوف على كون الأمارة منزّلة منزلة القطع بالواقع الحقيقيّ ، فيكون تنزيل الأمارة منزلة القطع الحقيقيّ موقوفا على نفسه ، وهذا دور.

(١) وفي النسخ المخطوطة : «أنّه هذا». والصحيح ما أثبتناه ، وهو الموافق لما في النسخة المطبوعة الّتي عليها حواشي العلّامة المشكينيّ.

(٢) كما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة تجب عليك الصلاة» أو «إذا علمت بحرمة الخمر يحرم عليك الخمر».

(٣) ويمكن تقريب الدور بوجهين :

الأوّل : أنّ القطع بوجوب الصلاة ـ في المثال السابق ـ موقوف على ثبوت وجوب الصلاة قبل تعلّق العلم به ، لأنّ العارض متوقّف على معروضه ، ووجوب الصلاة أيضا موقوف على العلم بوجوبها ، لأنّ العلم به جزء الموضوع ويتوقّف الحكم على حصول موضوعه ، فيكون العلم بوجوبها موقوف على وجوبها ، ووجوبها موقوف على العلم بوجوبها ، وهذا دور.

ودفعه المحقّق الأصفهانيّ بما حاصله : أنّ الموقوف عليه غير الموقوف عليه ، فإنّ ما يتوقّف عليه القطع هو الصورة الذهنيّة للحكم ، لأنّ القطع من الامور النفسيّة الذهنيّة ولا يتعلّق بالموجودات الخارجيّة ، وما يتوقّف على القطع هو الوجود الخارجيّ للحكم ، فلا دور. نهاية الدراية ٢ : ٧٥ ـ ٧٦. ـ

ولا مثله ، للزوم اجتماع المثلين (١) ؛

__________________

ـ الثاني : ما ذكره المحقّق النائينيّ في مبحث أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر. وحاصله : أنّ موضوع الحكم يؤخذ بنحو فرض الوجود ، فيثبت الحكم عند فرض وجود الموضوع ، سواء كان الموضوع بسيطا أو مركّبا. فإذا فرض كون الموضوع مركّبا من القطع والحكم يؤخذ القطع بنحو فرض الوجود كما يؤخذ الحكم كذلك ، فيلزم فرض ثبوت الحكم عند فرض وجود الحكم ، وهذا مستلزم لفرض ثبوت الحكم قبل ثبوته ، وهو ملاك الدور المحال. فوائد الاصول ١ : ١٤٨ ـ ١٤٩.

ودفعه المحقّق الأصفهانيّ بوجهين :

أحدهما : أنّ ما تعلّق به العلم هو الوجود الذهنيّ للحكم ، فيكون مفروض الوجود هو الحكم الموجود بالوجود الذهنيّ ، وأمّا الحكم الّذي يكون معلّقا على العلم بالحكم الموجود ذهنا فهو الوجود الخارجيّ للحكم ، فلا يلزم فرض ثبوت الشيء قبل ثبوته.

وثانيهما : أنّ فرض ثبوت الشيء بالوجود الفرضيّ غير ثبوته بالوجود التحقيقيّ ، فلا مانع من توقّف ثبوته التحقيقيّ على ثبوته الفرضيّ. نهاية الدراية ٢ : ٧٦.

ولا يخفى : أنّ توقّف الفرد العالي من الوجود ـ وهو الوجود الخارجيّ ـ على الفرد الداني منه ـ وهو الوجود الذهنيّ ـ غير معقول ، بل صدور هذا الكلام من المحقّق الحكيم الأصفهانيّ عجيب.

وهذا المحقّق ـ بعد ما دفع الدور بكلا التقريبين ـ استدلّ على امتناع أخذ العلم في موضوع الحكم نفسه بوجه آخر. وملخّصه : أنّ الحكم قد يعلّق على القطع بذلك الحكم بنحو القضيّة الخارجيّة ، وقد يعلّق عليه بنحو القضيّة الحقيقيّة. فعلى الأوّل لا خلف ، ولكن يلزم اللغو ، لأنّ الحكم إنّما يجعل لأجل جعل الداعي والمحرّك ، فلو فرض علم المكلّف بالحكم لا يكون جعل الحكم داعيا ولا محرّكا ، بل يكون جعله لغوا. وعلى الثاني يلزم الخلف ، إذ يستحيل تحقّق العلم بالحكم ـ مثلا العلم بوجوب الصلاة ـ بوصول قوله : «إذا علمت بوجوب الصلاة يجب عليك الصلاة» ، لأنّ المفروض أنّ وجوبها متوقّف على العلم بوجوبها ، وهو متوقّف على وجوبها ، وهو دور ، وما يبتني على أمر محال محال. نهاية الدراية ٢ : ٧٧.

وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى امتناع أخذ القطع بالحكم في موضوع نفس الحكم إذا كان القطع بعض الموضوع ، وإلى جوازه إذا كان تمام الموضوع. راجع هامش أنوار الهداية ١ : ١٣١.

(١) أي : ولا يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع مثل هذا الحكم ، كما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة تجب عليك الصلاة بوجوب آخر».

وخالفه السيّدان العلمان : الخمينيّ والخوئيّ. ـ

ولا ضدّه (١) ، للزوم اجتماع الضدّين (٢).

نعم ، يصحّ أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة اخرى منه (٣) ، أو من مثله (٤) ، أو ضدّه (٥).

وأمّا الظنّ بالحكم : فهو وإن كان كالقطع في عدم جواز أخذه في موضوع نفس ذاك الحكم المظنون ، إلّا أنّه لمّا كان معه مرتبة الحكم الظاهريّ محفوظة ، كان جعل حكم آخر في مورده ـ مثل الحكم المظنون أو ضدّه ـ بمكان من الإمكان.

إن قلت : إن كان الحكم المتعلّق به الظنّ فعليّا أيضا بأن يكون الظنّ متعلّقا بالحكم الفعليّ ، لا يمكن أخذه في موضوع حكم فعليّ آخر مثله أو ضدّه ، لاستلزامه الظنّ باجتماع الضدّين أو المثلين ، وإنّما يصحّ أخذه في موضوع حكم آخر ، كما في القطع طابق النعل بالنعل.

قلت : يمكن أن يكون الحكم فعليّا ، بمعنى أنّه لو تعلّق به القطع ـ على ما هو عليه من الحال ـ لتنجّز ، واستحقّ على مخالفته العقوبة. ومع ذلك (٦) لا يجب على الحاكم رفع عذر المكلّف برفع جهله لو أمكن ، أو بجعل لزوم الاحتياط عليه فيما أمكن ، بل يجوز جعل أصل أو أمارة مؤدّية إليه تارة ، وإلى ضدّه اخرى ، ولا يكاد يمكن مع القطع به جعل حكم آخر مثله أو ضدّه ، كما لا يخفى (٧).

__________________

ـ أمّا الأوّل : فذهب إلى التفصيل بين المأخوذ تمام الموضوع فيجوز ، وبين المأخوذ بعض الموضوع فلا يجوز. راجع هامش أنوار الهداية ١ : ١٣١.

وأمّا الثاني : فذهب إلى إمكانه مطلقا. مصباح الاصول ٢ : ٤٥.

(١) كما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة تحرم عليك الصلاة».

(٢) وخالفه السيّد الإمام الخمينيّ ، فذهب إلى التفصيل المتقدّم.

(٣) كما إذا قال المولى : «إذا علمت بإنشاء الحرمة لشرب التتن فهو حرام لك فعلا».

(٤) كما إذا قال المولى : «إذا علمت بإنشاء وجوب الصلاة يجب عليك فعلا وجوبا مماثلا».

(٥) كأن يقال : «إذا علمت بإنشاء الحرمة للخمر فهو حلال لك فعلا».

وفي بعض النسخ : «أو من مثله أو من ضدّه».

(٦) أي : مع كون الحكم المظنون فعليّا.

(٧) وفي بعض النسخ : «كما لا يخفى ، فافهم».

إن قلت : كيف يمكن ذلك؟ وهل هو إلّا أنّه يكون مستلزما لاجتماع المثلين أو الضدّين؟

قلت : لا بأس باجتماع الحكم الواقعيّ الفعليّ بذاك المعنى ـ أي لو قطع به من باب الاتّفاق لتنجّز ـ مع حكم آخر فعليّ في مورده ، بمقتضى الأصل أو الأمارة ، أو دليل أخذ في موضوعه الظنّ بالحكم بالخصوص ، على ما سيأتي من التحقيق في التوفيق بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ (١).

الأمر الخامس

[الموافقة الالتزاميّة]

هل تنجّز التكليف بالقطع كما يقتضي موافقته عملا ، يقتضي موافقته التزاما ، والتسليم له اعتقادا وانقيادا ، كما هو اللازم في الاصول الدينيّة والامور الاعتقاديّة ، بحيث كان له امتثالان وطاعتان : (إحداهما) بحسب القلب والجنان ، (والأخرى) بحسب العمل بالأركان ، فيستحقّ العقوبة على عدم الموافقة التزاما ولو مع الموافقة عملا ، أو لا يقتضي ، فلا يستحقّ العقوبة عليه ، بل إنّما يستحقّها على المخالفة العمليّة؟

الحقّ هو الثاني ، لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة والعصيان بذلك (٢) ، واستقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيّده إلّا المثوبة دون العقوبة ، ولو لم يكن متسلّما وملتزما به ومعتقدا ومنقادا له ، وإن كان ذلك يوجب تنقيصه وانحطاط درجته لدى سيّده ، لعدم اتّصافه بما يليق أن يتّصف العبد به من الاعتقاد بأحكام مولاه والانقياد لها ؛ وهذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لأمره أو نهيه التزاما مع موافقته عملا ، كما لا يخفى.

__________________

(١) يأتي في مبحث حجّيّة الأمارات : ٢٨٥ ـ ٢٨٧ من هذا الجزء.

(٢) أي : بعدم الاقتضاء.