درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۴۶: ظن ۲

 

والإيقان. ومن الواضح أن لا موطن له إلّا الوجدان ، فهو المرجع فيه بلا بيّنة وبرهان.

[محاذير التعبّد بالأمارات]

وكيف كان فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبّد (١) بغير العلم ـ من المحال ، أو الباطل ولو لم يكن بمحال ـ امور :

أحدها : اجتماع مثلين ـ من إيجابين ، أو تحريمين مثلا ـ فيما أصاب ، أو ضدّين ـ من إيجاب وتحريم ، ومن إرادة وكراهة ، ومصلحة ومفسدة ملزمتين بلا كسر وانكسار في البين ـ فيما أخطأ ، أو التصويب وأن لا يكون هناك غير مؤدّيات الأمارات أحكام (٢).

ثانيها : طلب الضدّين فيما إذا أخطأ وأدّى إلى وجوب ضدّ الواجب (٣).

ثالثها : تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة فيما أدّى إلى عدم وجوب ما هو واجب أو عدم حرمة ما هو حرام ، وكونه محكوما بسائر الأحكام.

[الجواب عن المحاذير الثلاثة]

والجواب : أنّ ما ادّعي لزومه إمّا غير لازم أو غير باطل (٤).

__________________

ـ أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان». راجع شرح الإشارات ٣ : ٤١٨.

(١) هكذا في النسخ. والصواب أن يقول : «ما يلزمه التعبّد» أو «ما يلزم من التعبّد ...» أو «ما يستلزم التعبّد ...».

(٢) والحاصل : أنّ الحكم الواقعيّ إمّا أن لا يكون محفوظا بل ينقلب إلى ما تؤدّي إليه الأمارة ، وإمّا أن يكون محفوظا فيما إذا قامت الأمارة على حكم. فعلى الأوّل يلزم التصويب. وعلى الثاني إمّا أن يكون ما أدّت إليه الأمارة موافقا للحكم الواقعيّ ، وإمّا أن يكون مخالفا له ؛ فعلى الأوّل يلزم اجتماع المثلين ، وعلى الثاني يلزم اجتماع الضدّين.

(٣) كما إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة مع كون الواجب الواقعيّ هو صلاة الظهر.

(٤) اعلم أنّ الجواب عن المحاذير الثلاثة من المباحث المهمّة. وتصدّى الأعلام للجواب عنها بوجوه مختلفة. ـ

وذلك (١) لأنّ التعبّد بطريق غير علميّ إنّما هو بجعل حجّيّته ، والحجّيّة

__________________

ـ وذكر المصنّف رحمه‌الله وجوها خمسة في التفصّي عنها :

الأوّل : ما أشار إليه بقوله : «وذلك لأنّ التعبّد ... مفسدة التفويت أو الإلقاء».

الثاني : ما أشار إليه بقوله : «نعم ، لو قيل ... متعلّق الحكم الواقعي ، فافهم».

الثالث : ما تعرّض له بقوله : «نعم ، يشكل الأمر ... لأجل مصلحة فيه».

الرابع : ما أشار إليه بقوله : «فانقدح بما ذكرنا أنّه لا يلزم ... مورد الطرق إنشائيّا».

الخامس : ما أشار إليه بقوله : «كما لا يصحّ بأنّ الحكمين ... في هذه المرتبة».

واستشكل فيها بعض من تأخّر عنه من الأعلام ، كما استشكل نفسه في الوجهين الرابع والخامس.

والتحقيق في المقام يستدعي بيان ما ذكر من النقض والإبرام حول ما أفاده المصنّف رحمه‌الله والأعلام. ولكن تركناه إلى المطوّلات خوفا من التطويل المملّ. فنشير إلى بعض أوردوه على المصنّف رحمه‌الله ونكتفى بذكر بعض ما أبدعوه في مقام التفصّي عن المحاذير الثلاثة ذيل إيضاح ما أفاده المصنّف رحمه‌الله في الكتاب.

(١) هذا هو الوجه الأوّل من الوجوه الخمسة. وحاصله : أنّ المجعول في مورد التعبّد بالأمارة هو الحجّيّة التي أثرها التنجيز مع المطابقة والتعذير مع المخالفة ، من دون أن يستتبع حكما تكليفيّا ، فلا يكون في مورد التعبّد بالأمارة حكم ظاهريّ مجعول ، بل ليس المجعول إلّا الحكم الواقعيّ فقط. فليس هاهنا وجوبان كي يلزم اجتماع المثلين ، ولا وجوب وحرمة كي يلزم اجتماع الضدّين أو النقيضين.

وأمّا محذور تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة : فيرتفع بوجود مصلحة في التعبّد بالأمارة غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء.

وأمّا التصويب : فلا يلزم ، لعدم خلوّ الواقع عن الحكم وعدم استتباع حجّيّة الأمارة للحكم الشرعيّ.

وأورد عليه المحقّقان العلمان : النائينيّ والاصفهانيّ ـ بعد ما حملا كلام المصنّف رحمه‌الله على أنّه يريد به أنّ المجعول نفس المنجّزيّة والمعذّريّة ، لا أنّ المجعول هو الحجّيّة التي تترتّب عليها المنجّزيّة أو المعذريّة ـ. راجع تفصيل كلامهما في أجود التقريرات ٢ : ٧٦ ، ونهاية الدراية ٢ : ١٢٥ ـ ١٢٦.

وأنت خبير : بأنّ ظاهر عبارته في المقام أنّ المجعول في باب الأمارات هو الحجّيّة الّتي أثرها التنجيز والمعذّريّة.

وأورد عليه أيضا المحقّق العراقيّ بأنّه وإن كان يدفع به محذور اجتماع الضدّين ، إلّا أنّه لا يدفع به محذور تفويت المصلحة. فراجع تفصيل كلامه في نهاية الأفكار ٣ : ٧٠.

المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفيّة بحسب ما أدّى إليه الطريق ، بل إنّما تكون موجبة لتنجّز التكليف به إذا أصاب ، وصحّة الاعتذار به إذا أخطأ ، ولكون (١) مخالفته وموافقته تجرّيا وانقيادا مع عدم إصابته ، كما هو شأن الحجّة غير المجعولة ، فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين أو ضدّين ، ولا طلب الضدّين ، ولا اجتماع المفسدة والمصلحة ، ولا الكراهة والإرادة ، كما لا يخفى.

وأمّا تفويت مصلحة الواقع أو الإلقاء في مفسدته ، فلا محذور فيه أصلا إذا كانت في التعبّد به (٢) مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء.

نعم ، لو قيل (٣) باستتباع جعل الحجّيّة للأحكام التكليفيّة ، أو بأنّه لا معنى لجعلها

__________________

(١) معطوف على قوله : «لتنجّز» أي : وتكون موجبة لكون ...

(٢) أي : في التعبّد بالطريق غير العلميّ.

(٣) هذا شروع في بيان الوجه الثاني من الوجوه الخمسة المشار إليها. وتوضيحه يستدعى تقديم امور :

الأوّل : أنّه بناء على وجود الحكم الظاهريّ في مورد الأمارات قد يدّعى أنّ الحجّيّة المجعولة للأمارات تستتبع حكما تكليفيّا ظاهريّا ، وقد يدّعى أنّ المجعول حقيقة في مورد الأمارات هو الحكم التكليفيّ الظاهريّ ، والحجّيّة منتزعة عنه.

الثاني : أنّه لا شكّ في تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد ، غاية الأمر قد تكون المصالح أو المفاسد في متعلّقات الأحكام فتتبع الأحكام لها ، من دون أن تكون في نفس الأحكام مصلحة أو مفسدة ؛ وقد تكون المصالح أو المفاسد في نفس الأحكام لا في متعلّقاتها. وعليه فالأحكام بعضها ناشئ عن وجود المصلحة أو المفسدة في متعلّقه ، وهي : «الأحكام الواقعيّة» ؛ وبعضها ناشئ عن وجود المصلحة أو المفسدة في نفسه وهي : «الأحكام الظاهريّة».

الثالث : أنّ المعتبر في كون حكم مثلا لحكم آخر أو كون حكم ضدّا لحكم آخر هو وحدة المنشأ فيهما ، بأن يكون منشأ أحدهما نفس منشأ الآخر. فيكون الحكمان مثلين فيما إذا كانا ناشئين عن وجود مصلحة أو مفسدة في متعلّق واحد ، بأن يكون منشأ أحدهما وجود المصلحة في المتعلّق الّذي يكون وجودها فيه منشأ أيضا لصدور الحكم الآخر. ويكون الحكمان ضدّين إذا كان منشأ الوجوب ـ مثلا ـ وجود المصلحة في المتعلّق الذي يكون وجود المفسدة فيه منشأ للحكم بحرمته.

وإمّا إذا اختلف منشؤهما ـ بأن يكون المنشأ في أحدهما وجود المصلحة أو المفسدة ـ