درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۴۹: ظن ۵

 

الاصول والأمارات فعليّا (١) ، كي يشكل :

تارة ، بعدم لزوم الإتيان حينئذ بما قامت الأمارة على وجوبه ، ضرورة عدم لزوم امتثال الأحكام الإنشائيّة ما لم تصر فعليّة ولم تبلغ مرتبة البعث والزجر ، ولزوم الإتيان به (٢) ممّا لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.

لا يقال : لا مجال لهذا الإشكال لو قيل بأنّها (٣) كانت قبل أداء الأمارة إليها إنشائيّة ، لأنّها بذلك تصير فعليّة تبلغ تلك المرتبة (٤).

فإنّه يقال : لا يكاد يحرز بسبب قيام الأمارة المعتبرة على حكم إنشائيّ ـ لا حقيقة ولا تعبّدا ـ إلّا حكم إنشائيّ تعبّدا ، لا حكم إنشائيّ أدّت إليه الأمارة. أمّا حقيقة : فواضح. وأمّا تعبّدا : فلأنّ قصارى ما هو قضيّة حجيّة الأمارة كون مؤدّاها (٥) هو الواقع تعبّدا ، لا الواقع الّذي أدّت إليه الأمارة ، فافهم.

اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ الدليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع الّذي صار مؤدّى لها ، هو دليل الحجّيّة بدلالة الاقتضاء (٦). لكنّه لا يكاد يتمّ إلّا إذا لم يكن للأحكام

__________________

(١) إشارة إلى الوجه الرابع للجمع بين الحكم الظاهريّ والحكم الواقعيّ. وهو حمل الحكم الواقعيّ على الإنشائيّ والحكم الظاهريّ على الفعليّ ، ولا تضادّ بين الحكم الإنشائيّ والفعليّ.

وهذا الوجه يستلزم ورود إشكالين عليه. أشار المصنّف رحمه‌الله إلى أوّلهما بقوله : «تارة بعدم ...» ، وإلى ثانيهما بقوله : «وأخرى بأنّه ...».

(٢) أي : والحال أنّ لزوم الإتيان بما قامت الأمارة على وجوبه ...

(٣) أي : الأحكام الواقعيّة.

(٤) أي : لأنّ الأحكام الواقعيّة ـ الّتي كانت قبل أداء الأمارة إليها إنشائيّة ـ تصير بقيام الأمارة فعليّة وتبلغ مرتبة البعث والزجر ، فيلزم امتثالها ، لصيرورتها فعليّة بقيام الأمارة.

(٥) وفي بعض النسخ «مؤدّاه». والصحيح ما أثبتناه.

(٦) وهي دلالة مقصودة للمتكلّم ، يتوقّف صدق الكلام وصحّته عقلا أو شرعا على تلك الدلالة.

ومثّلوا للعقليّ بقوله تعالى : ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ يوسف / ٨٢ ، فإنّ صحّته عقلا تتوقّف على تقدير لفظ «أهل» أو تقدير معناه.

ومثّلوا للشرعيّ بقول المتكلّم : «اعتق عبدك عنّي على ألف» ، فإنّ صحّته شرعا تتوقّف على طلب تمليكه أوّلا له بألف ، فيكون التقدير : «ملّكني العبد بألف ثمّ اعتقه عنّي».

بمرتبتها الإنشائيّة أثر أصلا ، وإلّا لم يكن لتلك الدلالة مجال ، كما لا يخفى.

وأخرى ، بأنّه كيف يكون التوفيق بذلك ، مع احتمال أحكام فعليّة بعثيّة أو زجريّة في موارد الطرق والاصول العمليّة المتكفّلة لأحكام فعليّة؟ ضرورة أنّه كما لا يمكن القطع بثبوت المتنافيين ، كذلك لا يمكن احتماله.

فلا يصحّ التوفيق بين الحكمين بالتزام كون الحكم الواقعيّ الّذي يكون مورد الطرق إنشائيّا غير فعليّ.

كما لا يصحّ (١) بأنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة ، بل في مرتبتين ، ضرورة تأخّر الحكم الظاهريّ عن الواقعيّ بمرتبتين. وذلك لا يكاد يجدي ، فإنّ الظاهريّ وإن لم يكن في تمام مراتب الواقعيّ ، إلّا أنّه يكون في مرتبته أيضا (٢) ، وعلى تقدير المنافاة لزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة.

فتأمّل فيما ذكرنا من التحقيق في التوفيق ، فإنّه دقيق وبالتأمّل حقيق (٣).

[ثالثها : تأسيس الأصل في المسألة]

ثالثها : أنّ الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص (٤) شرعا ولا يحرز التعبّد به

__________________

(١) إشارة إلى الوجه الخامس من وجوه الجمع بين الحكم الواقعيّ والظاهريّ. وتوضيحه : أنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة كي يلزم اجتماع المتنافيين ، بل يكون الحكم الظاهريّ متأخّرا عن الحكم الواقعيّ ، فإنّ موضوع الحكم الواقعيّ هو نفس الشيء بما هو شيء ، وموضوع الحكم الظاهريّ هو الشيء الذي قد شكّ في حكمه الواقعيّ ، فيكون الحكم الظاهريّ متأخّرا عن الحكم الواقعيّ. بمرتبتين : (إحداهما) تأخّره عن موضوع الحكم الواقعيّ. (ثانيتهما) تأخّر موضوعه ـ وهو الشكّ ـ عن الحكم الواقعيّ. وإذا تعدّدت مرتبتهما فلا محذور من اجتماع الحكمين الفعليّين.

(٢) أي : إلّا أنّ الحكم الواقعيّ ثابت في مرتبة الحكم الظاهريّ ، لشموله حال الجهل ، فيجتمع الحكمان في مرتبة واحدة.

(٣) وهاهنا وجوه أخر أفادها الأعلام في الجمع بين الحكم الواقعيّ والحكم الظاهريّ ، تركناها خوفا من التطويل. وعلى المحقّق أن يرجع إلى نهاية الدراية ٢ : ١٥٢ ، ودرر الفوائد ٢ : ٢٥ ـ ٢٦ ، وفوائد الاصول ٣ : ١٠٠ ـ ١١٢ ، أنوار الهداية ١ : ١٩٩ ـ ٢٢١ ، مصباح الاصول ١ : ١٠٨ ، وغيرها من المطوّلات.

(٤) أي : بدليل خاصّ.