درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۶۵: خبر واحد ۶

 

[الإشكال الثاني ، والجواب عنه]

ثمّ إنّه لو سلّم تماميّة دلالة الآية على حجّيّة خبر العدل ، ربما اشكل شمول مثلها (١) للروايات الحاكية لقول الإمام عليه‌السلام بواسطة أو وسائط (٢) ، فإنّه كيف يمكن

__________________

ـ وناقش فيه السيّد الإمام الخمينيّ بوجهين :

الأوّل : أنّه لم يرد في كتب اللغة تفسير «الجهالة» بالسفاهة.

الثاني : أنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان لزوم عدم الاعتناء بخبر الفاسق مطلقا ، لأنّ مناسبة صدرها وذيلها وتعليلها تجعلها ظاهرة في أنّ النبأ الّذي له خطر عظيم وأنّ الإقدام على طبقه يوجب الندامة ـ كإصابة القوم ومقاتلتهم ـ لا بدّ من تبيّنه والعلم بمفاده ، ولا يجوز الإقدام عليه قبل حصول العلم بالواقع ، خصوصا إذا جاء به الفاسق. وعليه يبقي الظاهر على حاله ، فإنّ الظاهر من التبيّن طلب الوضوح وتحقيق كذب الخبر وصدقه ، والظاهر من الجهالة في مقابل التبيّن هو عدم العلم بالواقع ، فليس معناها السفاهة. راجع هامش أنوار الهداية ١ : ٢٩١.

ولقد تصدّى المحقّق النائينيّ للجواب عن الإشكال بوجه آخر. وتابعة تلميذه المحقّق الخوئيّ. وحاصل ما أفاداه : أنّه لو سلّم أنّ المراد من «الجهالة» عدم العلم بالواقع فلا نسلّم أنّ التعليل مانع عن المفهوم ، بل يكون المفهوم حاكما على عموم التعليل. وذلك لأنّ غاية ما يدلّ عليه التعليل هو لزوم التبيّن عن غير العلم وعدم جواز العمل بما وراء العلم ، ولا يتعرّض إلى ما هو علم وما هو غير علم ، والمفهوم ـ على تقدير دلالة القضيّة الشرطيّة عليه بنفسها ـ يقتضي جعل خبر العادل محرزا للواقع وعلما في عالم التشريع ، فيخرجه عن موضوع التعليل ـ وهو الجهالة ـ ، ويتقدّم عليه لحكومته عليه ، فلا يعقل التعارض بين المفهوم وعموم التعليل. فوائد الاصول ٣ : ١٧٢ ـ ١٧٣ ، مصباح الاصول ٢ : ١٦٣.

وناقش فيما أفاداه السيّد الإمام الخمينيّ بوجهين :

الأوّل : ما أفاده المحقّق الاصفهانيّ من أنّ حكومة المفهوم على عموم التعليل مستلزم للدور ، لأنّ الحكومة تتوقّف على ثبوت المفهوم ، والمفهوم يتوقّف على الحكومة.

الثاني : أنّ غاية ما تدلّ عليه الآية جواز العمل على طبق قول العادل أو وجوبه ، وليس لسانها لسان الحكومة ، وليس فيها دلالة على كون خبر العادل محرزا للواقع وعلما في عالم التشريع. راجع نهاية الدراية ٢ : ٢٠٠ ، وأنوار الهداية ١ : ٢٩١ ـ ١٩٢.

(١) إشارة إلى عدم اختصاص هذا الإشكال بالاستدلال بآية النبأ ، بل تعمّ جميع الأدلّة الّتي استدلّ بها على حجّيّة خبر الواحد.

(٢) كالأخبار المتداولة بيننا.

ولا يخفى : أنّ المراد من الواسطة هو الواسطة بين من روى عن الإمام عليه‌السلام وبيننا ، ـ

الحكم بوجوب التصديق الّذي ليس إلّا بمعنى وجوب ترتيب ما للمخبر به من الأثر الشرعيّ بلحاظ نفس هذا الوجوب فيما كان المخبر به خبر العدل أو عدالة المخبر ، لأنّه (١) وإن كان أثرا شرعيّا لهما ، إلّا أنّه بنفس الحكم في مثل الآية بوجوب تصديق خبر العدل حسب الفرض (٢).

__________________

ـ لا الواسطة بين الإمام عليه‌السلام وبيننا ، مثلا : إذا أخبر عمران بن عليّ عن أبي بصير عن أبو عبد الله عليه‌السلام فالمراد من الواسطة هو عمران بن عليّ ومن أخبر عنه لنا ، ولا تشمل أبي بصير ، وإلّا كان الصحيح أن يقول : «بواسطتين أو وسائط» ، وذلك لأنّ المناط في الإشكال ـ كما سيأتي ـ هو عدم ترتّب الأثر الشرعيّ على تصديق الواسطة ، ومعلوم أنّ خبر الواسطة الّتي روى عن الإمام عليه‌السلام ـ كأبي بصير الراوي عن أبي عبد الله عليه‌السلام ـ ذو أثر شرعيّ ، فإنّ المخبر به في خبره نفس الحكم الشرعيّ الّذي أفاده الإمام عليه‌السلام.

(١) أي : وجوب تصديق العادل.

(٢) توضيح الإشكال ـ على ما قرّبه المصنّف رحمه‌الله في المقام ـ يتوقّف على تقديم مقدّمة.

وهي : أنّه لا يصحّ التعبّد بالاصول والإمارات القائمة على الموضوعات الخارجيّة إلّا باعتبار ما يترتّب عليها من الآثار الشرعيّة ، فلا بدّ من أن تكون الآثار الشرعيّة مترتّبة على تلك الموضوعات بأدلّتها ليصحّ التعبّد بالأمارة أو الأصل بلحاظ تلك الآثار. مثلا : يصحّ التعبّد بخبر العادل القائم على عدالة محمّد ويجب تصديقه باعتبار ما يترتّب على عدالته من الآثار الشرعيّة ـ كجواز الصلاة خلفه ، وصحّة الطلاق عنده ، وغيرهما ـ. فإذا لم يكن ترتّب الأثر الشرعيّ على موضوع محرزا فلا يصحّ التعبّد بالأمارة القائمة على ذلك الموضوع.

إذا عرفت هذه المقدّمة ، فاعلم : أنّ خبر العادل قسمان :

الأوّل : ما لا يكون بينه وبين الإمام عليه‌السلام واسطة ، بل كان المخبر به في خبر العادل قول الإمامعليه‌السلام ، كإخبار «زرارة» عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، أو إخبار «الصفّار» عن الإمام العسكريّعليه‌السلام. ولا إشكال في صحّة التعبّد بقول «زرارة» أو «الصفّار» والحكم بوجوب تصديقهما مستدلّا بآية النبأ ، لأنّ ترتّب الأثر الشرعيّ ـ وهو قول الإمام عليه‌السلام من وجوب شيء أو حرمته ـ على الموضوع ـ وهو خبر زرارة أو الصفّار ـ مفروغ عنه.

الثاني : ما يكون بينه وبين الإمام عليه‌السلام واسطة ، كإخبار «الشيخ» عن «المفيد» عن «الصدوق» عن «الصفّار» عن الإمام العسكريّ عليه‌السلام. وحينئذ لا تشمل دليل القائم على حجّيّة خبر العادل ـ وهو آية النبأ وغيرها ـ مثل إخبار الشيخ عن خبر المفيد ، لأنّ المخبر به في خبر الشيخ ليس إلّا خبر المفيد ، وهو ليس حكما شرعيّا ، فلا يترتّب على إخبار الشيخ ـ

نعم ، لو انشئ هذا الحكم ثانيا فلا بأس في أن يكون (١) بلحاظه أيضا ، حيث إنّه صار أثرا بجعل آخر ، فلا يلزم اتّحاد الحكم والموضوع. بخلاف ما إذا لم يكن هناك إلّا جعل واحد ، فتدبّر (٢).

__________________

ـ قطع النظر عن دليل الحجّيّة ـ أثر شرعيّ كي يشمله دليل حجّيّة خبر العادل.

نعم ، يترتّب على إخبار الشيخ وجوب تصديقه بلحاظ كون خبره خبرا عادلا ، إلّا أنّ هذا الأثر ليس ثابتا لخبر الشيخ قطع النظر عن دليل الحجّيّة واعتبار قوله من آية النبأ ومثلها ، بل جاء هذا الأثر من نفس الحكم ـ في مثل الآية ـ بوجوب تصديق خبر العادل ، فيلزم أن يكون الأثر الّذي أخذ موضوعا لوجوب تصديق العادل نفس وجوب التصديق ، فيكون وجوب التصديق موضوعا وحكما ، وهو لا يعقل.

ولا يخفى : أنّه قد أطال الأعلام من المحقّقين في تقريب الإشكال والجواب عنه بوجوه أخر ، تركناها خوفا من التطويل. وإن شئت فراجع فرائد الاصول ١ : ٢٦٥ ـ ٢٦٦ ، فوائد الاصول ٣ : ١٧٧ ـ ١٨٤ ، نهاية الأفكار ٣ : ١٢٠ ـ ١٢٥ ، نهاية الدراية ٢ : ٢٠١ ، أنوار الهداية ١ : ٢٩٧ ـ ٣٠٥ ، مصباح الاصول ٢ : ١٧٩ ـ ١٨٣.

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «فلا بأس بأن يكون».

(٢) وتوضيح كلامه : أنّه يندفع محذور وحدة الموضوع والحكم إذا أنشئ الحكم بوجوب تصديق العادل ثانيا للواسطة الأولى وثالثا للثانية ورابعا للثالثة وهكذا ، فإذا أخبر «الشيخ» عن «المفيد» عن «الصدوق» عن «الصفّار» عن الإمام العسكريّ عليه‌السلام يجب تصديق خبر كلّ واحد من الوسائط ، لوجود ملاك صحّة التعبّد بالأمارات القائمة على الموضوعات الخارجيّة ـ وهو ترتّب الآثار الشرعيّة على تلك الموضوعات ـ في كلّها ، ولا يلزم محذور اتّحاد الحكم والموضوع.

أمّا خبر الصفّار : فيجب تصديقه لكون المخبر به في خبره أثرا شرعيّا ، وهو قول المعصوم عليه‌السلام من حرمة شيء أو وجوبه ، فيشمله الحكم بوجوب تصديق خبر العادل المستفاد من مثل آية النبأ.

وأمّا خبر الصدوق : فيجب تصديقه ، لأنّ المفروض أنّ المولى أنشأ الحكم بوجوب التصديق ثانيا وقال : «صدّق العادل الّذي يحكي خبر من روى قول المعصوم عليه‌السلام» ، فيجب تصديق خبر الصدوق باعتبار هذا الحكم ، ضرورة أنّ الملاك في صحّة التعبّد بهذه الأمارة موجود ، لأنّ المخبر به في خبر الصدوق ـ وهو إخبار الصفّار ـ ذو أثر شرعيّ هو وجوب تصديقه بمقتضى الحكم الأوّلى المستفاد من مثل آية النبأ. وعليه يكون الحكم وجوب التصديق المجعول ثانيا ، والموضوع وجوب التصديق الّذي أنشئ أوّلا ، فلا يلزم اتّحاد الحكم والموضوع حقيقة. ـ