درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۶۸: خبر واحد ۹

 

[الإشكال الثالث ، والجواب عنه]

ولا يخفى : أنّه لا مجال ـ بعد اندفاع الإشكال بذلك (١) ـ للإشكال في خصوص الوسائط من الأخبار ـ كخبر الصفّار المحكيّ بخبر المفيد مثلا ـ بأنّه لا يكاد يكون خبرا تعبّدا إلّا بنفس الحكم بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد ؛ فكيف يكون هذا الحكم المحقّق لخبر الصفّار تعبّدا مثلا حكما له أيضا؟! (٢)

وذلك لأنّه إذا كان خبر العدل ذا أثر شرعيّ حقيقة بحكم الآية وجب ترتيب أثره عليه عند إخبار العدل به ، كسائر ذوات الآثار من الموضوعات ، لما عرفت

__________________

ـ وأمّا المحقّقان النائينيّ والعراقيّ : فأفادا بما حاصله : أنّ دليل اعتبار خبر الواحد ـ وهو آية النبأ مثلا ـ وإن كان بحسب الصورة قضيّة واحدة ، إلّا أنّها تنحلّ إلى قضايا متعدّدة حسب تعدّد السلسلة. والملاك في التعبّد بدليل اعتبار موضوع هو كون مؤدّاه أثرا شرعيّا أو ذا أثر شرعيّ. فيعمّ دليل الاعتبار خبر الصفّار الحاكي عن قول الإمام العسكريّ عليه‌السلام في مبدأ السلسلة ، لأنّ المخبر به في خبره حكم شرعيّ ، فيجب تصديقه بمقتضى أدلّة وجوب تصديق خبر العادل ؛ ويعمّ ذلك الدليل خبر الصدوق أيضا ، لكون المخبر به في خبره موضوعا ذا أثر شرعيّ ؛ وهكذا يعمّ الوسائط الأخر إلى أن ينتهي إلى قول الشيخ المحرز بالوجدان. وعليه لا يلزم محذور وحدة الحكم والموضوع ، لأنّ أثر التعبّد بكلّ خبر في المرتبة السابقة على التعبّد بالآخر. راجع فوائد الاصول ٣ : ١٨٢ ـ ١٨٣ ، نهاية الأفكار ٣ : ١٢٤ ـ ١٢٥.

وأمّا السيّد الإمام الخمينيّ : فتابع المحقّقين المذكورين. راجع أنوار الهداية ١ : ٣٠٠ ـ ٣٠١.

وأمّا السيّد المحقّق الخوئيّ : فأفاد بما لفظه ـ على ما في تقريرات درسه ـ : «يكفي في حجّيّة أخبار الرواة ترتّب الأثر الشرعيّ على مجموعها من حيث المجموع ، ولا ملزم لاعتبار أثر شرعيّ على كلّ خبر مع قطع النظر عن خبر آخر. ولا خفاء في ترتّب الأثر على أخبار مجموع الرواة الواقعة في سلسلة نقل قول المعصومعليه‌السلام». مصباح الاصول ٢ : ١٨٢.

(١) أي : بعد اندفاع الإشكال الثاني بما ذكرناه من الوجوه الثلاثة المتقدّمة.

(٢) حاصل الإشكال : أنّ محذور وحدة الموضوع والحكم مختصّ بالوسائط الّتي بين المبدأ والمنتهى ، فإنّ خبر المفيد وغيره إنّما يثبت بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد ، فيتّحد الحكم والموضوع. وأمّا في المبدأ والمنتهى فلا يلزم وحدتهما ، لأنّ مبدأ السلسلة ـ كالشيخ الطوسيّ ـ يخبرنا عن حسّ ، ومنتهاها ـ كالصفّار ـ ذو أثر شرعيّ.

من شمول مثل الآية للخبر الحاكي للخبر بنحو القضيّة الطبيعيّة (١) ، أو لشمول الحكم فيها له مناطا وإن لم يشمله لفظا ، أو لعدم القول بالفصل ، فتأمّل جيّدا.

[الدليل الثاني : آية النفر]

ومنها : آية النفر. قال الله تعالى : ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ...﴾ الآية (٢).

وربما يستدلّ بها من وجوه :

أحدها : أنّ كلمة «لعلّ» (٣) وإن كانت مستعملة على التحقيق في معناها الحقيقيّ ـ وهو الترجّي الإيقاعيّ الإنشائيّ (٤) ـ ، إلّا أنّ الداعي إليه حيث يستحيل في حقّه «تعالى» أن يكون هو الترجّي الحقيقيّ كان هو محبوبيّة التحذّر عند الإنذار ، وإذا ثبت محبوبيّته ثبت وجوبه شرعا لعدم الفصل (٥) ، وعقلا لوجوبه مع وجود ما يقتضيه وعدم حسنه(٦) ـ بل عدم إمكانه ـ بدونه (٧).

ثانيها : أنّه لمّا وجب الإنذار ـ لكونه غاية للنفر الواجب ، كما هو قضيّة كلمة

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «نحو القضيّة الطبيعيّة». والأولى ما اثبتناه.

(٢) وإليك تمام الآية : ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.﴾ التوبة / ١٢٢.

(٣) الواردة في آخر الآية الكريمة : ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.﴾

(٤) وأنكر المحقّق الاصفهانيّ كون كلمة «لعلّ» للترجّي ، وادّعى أنّها كلمة الشكّ كما في صحاح الجوهريّ ، فيكون مرادفها في الفارسيّة «شايد» ، لا «اميد». راجع نهاية الدراية ٢ : ٢١٨ ـ ٢١٩ ، والصحاح ٥ : ١٨١٥.

(٥) أى : عدم الفصل بين محبوبيّة الشيء عند الله وبين وجوبه ، فإنّ كلّ من قال بمحبوبيّته قال بوجوبه. هكذا أفاد الشيخ في فرائد الاصول ١ : ٢٧٧.

(٦) عطف على قوله : «لوجوبه».

(٧) أي : وإذا ثبتت محبوبيّة الشيء ثبت وجوبه عقلا ، لأنّه إمّا أن يكون مقتضى العقاب والحذر موجودا أو لا. فعلى الأوّل وجب الحذر. وعلى الثاني لا يحسن الحذر أصلا ، بل لا يمكن.

وهذا ما أفاده صاحب المعالم في معالم الدين : ٤٧.