درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۷۰: خبر واحد ۱۱

 

لو لا التحضيضيّة (١) ـ وجب التحذّر ، وإلّا لغا وجوبه (٢).

ثالثها : أنّه جعل غاية للإنذار الواجب ، وغاية الواجب واجبة (٣).

ويشكل الوجه الأوّل (٤) بأنّ التحذّر لرجاء إدراك الواقع وعدم الوقوع في محذور مخالفته من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة ، حسن (٥) ، وليس بواجب فيما لم يكن هناك حجّة على التكليف. ولم يثبت هاهنا عدم الفصل ، غايته عدم القول بالفصل (٦).

والوجه الثاني والثالث بعدم انحصار فائدة الإنذار بإيجاب التحذّر (٧) تعبّدا ، لعدم إطلاق يقتضي وجوبه على الإطلاق (٨) ، ضرورة أنّ الآية مسوقة لبيان

__________________

(١) لأنّ حروف التحضيض ـ وهي «لو لا ، لو ما ، إلّا ، ألّا ، هلّا» ـ إذا دخلت على فعل مضارع أفادت طلب الفعل والترغيب عليه ، وإذا دخلت على الفعل الماضي ـ كما في الآية الشريفة ـ أفادت الذمّ والتوبيخ على ترك الفعل. راجع شرح الرضي على الكافية ٤ : ٤٤٢ ، وشرح ابن عقيل ٢ : ٣٩٤.

(٢) أي : وجوب الإنذار.

(٣) والحاصل : أنّه جعل التحذّر غاية للإنذار ، والإنذار بمقتضى كونه غاية للنفر الواجب واجب ، فالتحذّر غاية للواجب ، وغاية الواجب واجبة ، فالتحذّر واجب.

ولا يخفى : أنّ هذه الوجوه الثلاثة ذكرها الشيخ الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٢٧٧ ـ ٢٧٨.

(٤) وهو وجود الملازمة بين محبوبيّة التحذّر وبين وجوبه شرعا وعقلا.

(٥) خبر قوله : «بأنّ التحذّر».

(٦) حاصل الإشكال : أنّه لا ملازمة بين محبوبيّة الحذر وبين وجوبه عقلا ، كما لا ملازمة بينها وبين وجوبه شرعا.

أمّا الأوّل : فلأنّ التحذّر عن الشيء قد يكون لتنجّز التكليف وفعليّته ، فيكون تحذّرا عن العقاب ، ولا ريب ـ حينئذ ـ في ثبوت الملازمة بين محبوبيّة الحذر ووجوبه عقلا. وقد يكون لرجاء إدراك الواقع وخوفا من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة ، من دون أن يكون التكليف منجّزا ، فلا يكون تحذّرا من العقوبة ، ولا شكّ ـ حينئذ ـ في عدم ثبوت الملازمة بين محبوبيّة الحذر ووجوبه عقلا.

وأمّا الثاني : فلأنّ القول بعدم الفصل بينهما شرعا غير ثابت ، بل غاية ما يثبت هو عدم القول بالفصل ، وهو غير مفيد.

(٧) وفي بعض النسخ : «بالتحذّر».

(٨) أي : وجوب التحذّر مطلقا ، سواء أفاد العلم أم لا.

وجوب النفر ، لا لبيان غايتيّة التحذّر. ولعلّ وجوبه كان مشروطا بما إذا أفاد العلم ولو لم نقل بكونه مشروطا به ، فإنّ النفر إنّما يكون لأجل التفقّه وتعلّم معالم الدين ومعرفة ما جاء به سيّد المرسلين كي ينذروا بها المتخلّفين أو النافرين ـ على الوجهين في تفسير الآية ـ ، لكي يحذروا إذا انذروا بها ، وقضيّته إنّما هي وجوب الحذر عند إحراز أنّ الإنذار بها. كما لا يخفى (١).

ثمّ إنّه أشكل أيضا (٢) بأنّ الآية لو سلّم دلالتها على وجوب الحذر مطلقا ، فلا دلالة لها على حجّيّة الخبر بما هو خبر ، حيث إنّه ليس شأن الراوي إلّا الإخبار بما تحمّله ، لا التخويف والإنذار ؛ وإنّما هو شأن المرشد أو المجتهد بالنسبة إلى المسترشد أو المقلّد.

قلت : لا يذهب عليك أنّه ليس حال الرواة في الصدر الأوّل في نقل ما تحمّلوا من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أو الإمام عليه‌السلام (٣) من الأحكام إلى الأنام إلّا كحال نقلة الفتاوى إلى العوامّ ؛ ولا شبهة في أنّه يصحّ منهم التخويف في مقام الإبلاغ والإنذار والتحذير بالبلاغ ، فكذا من الرواة ، فالآية لو فرض دلالتها على حجّيّة نقل الراوي إذا كان مع

__________________

(١) والحاصل : أنّه لا تنحصر فائدة الإنذار بوجوب التحذّر تعبّدا ولو لم يحصل العلم ، بل يمكن أن تكون فائدته حصول التحذّر عند حصول العلم بالمنذر به. وذلك لعدم إطلاق يقتضي وجوب التحذّر مطلقا ، ضرورة أنّ الشارع في مقام بيان وجوب النفر ، لا في مقام بيان غايتيّة الحذر كي يكون لها إطلاق من هذه الجهة ويتمسّك بإطلاق الكلام من هذه الجهة. ومعلوم أنّ انعقاد مقدّمات الإطلاق من جهة لا ينفع في إثباته من جهة اخرى. فإذن يحتمل اشتراط وجوب العمل بقول المنذر بما إذا علم المنذر أنّ المنذر أنذر بما علمه من معالم الدين ، وأمّا مع الشكّ فيه ـ كما فيما نحن فيه ـ فلا يجب وجوب العمل به ولا يوجب التحذّر.

وهذا الإشكال ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٢٨٢ ـ ٢٨٣.

(٢) أي : أشكل الاستدلال ثالثا. وهذا إيراد على أصل الاستدلال بالآية بتقاريبه الثلاثة.

وذكر الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٢٨٤ ، حيث قال : «الثالث لو سلّمنا دلالة الآية ...».

(٣) وفي بعض النسخ : «والإمام عليه‌السلام». والصحيح ما أثبتناه.