درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۷۴: خبر واحد ۱۵

 

بالقبول تعبّدا ، وإمكان أن تكون حرمة الكتمان لأجل وضوح الحقّ بسبب كثرة من أفشاه وبيّنه ، لئلّا يكون للناس على الله حجّة ، بل كان له عليهم الحجّة البالغة.

[الدليل الرابع : آية السؤال]

ومنها : آية السؤال عن أهل الذكر ، ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾(١).

وتقريب الاستدلال بها ما في آية الكتمان (٢).

وفيه : أنّ الظاهر منها إيجاب السؤال لتحصيل العلم ، لا للتعبّد بالجواب.

وقد اورد عليها : بأنّه لو سلّم دلالتها على التعبّد بما أجاب أهل الذكر ، فلا دلالة لها على التعبّد بما يروي الراوي ، فإنّه بما هو راو لا يكون من أهل الذكر والعلم ، فالمناسب إنّما هو الاستدلال بها على حجّيّة الفتوى لا الرواية (٣).

وفيه : أنّ كثيرا من الرواة يصدق عليهم أنّهم أهل الذكر والاطّلاع على رأي الإمام ، كزرارة ومحمّد بن مسلم ومثلهما ، ويصدق على السؤال عنهم أنّه السؤال عن أهل الذكر والعلم ولو كان السائل من أضرابهم (٤) ؛ فإذا وجب قبول روايتهم في مقام الجواب ـ بمقتضى هذه الآية ـ وجب قبول روايتهم ورواية غيرهم من العدول مطلقا ، لعدم الفصل جزما في وجوب القبول بين المبتدأ والمسبوق بالسؤال ، ولا بين أضراب زرارة وغيرهم ممّن لا يكون من أهل الذكر ، وإنّما يروي ما سمعه أو رآه ، فافهم.

[الدليل الخامس : آية الاذن]

ومنها : آية الاذن ، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ

__________________

(١) النحل / : ٤٣ ، الأنبياء / ٧.

(٢) وهو دعوى الملازمة بين وجوب السؤال ووجوب القبول ، وإلّا يلزم لغويّة وجوب السؤال ، فالآية تدلّ على وجوب القبول.

(٣) هذا الإيراد ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٢٨٧.

(٤) كهشام بن الحكم وأبان بن تغلب.

لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). فإنّه تبارك وتعالى مدح نبيّه بأنّه يصدّق المؤمنين وقرنه بتصديقه تعالى.

وفيه : أوّلا : أنّه إنّما مدحه بأنّه اذن ، وهو (٢) سريع القطع ، لا الآخذ بقول الغير تعبّدا.

وثانيا : أنّه إنّما المراد بتصديقه للمؤمنين هو ترتيب خصوص الآثار الّتي تنفعهم ولا تضرّ غيرهم ، لا للتصديق بترتيب جميع الآثار ، كما هو المطلوب في باب حجّيّة الخبر. ويظهر ذلك من تصديقه للنمّام بأنّه ما نمّه وتصديقه لله تعالى (٣) بأنّه نمّه (٤). كما هو المراد من التصديق في قوله عليه‌السلام : «فصدّقه وكذّبهم» حيث قال ـ على ما في الخبر ـ : «يا أبا محمّد! كذّب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة أنّه قال قولا وقال : لم أقله ، فصدّقه وكذّبهم» (٥) ، فيكون مراده تصديقه بما ينفعه ولا يضرّهم ، وتكذيبهم فيما يضرّه ولا ينفعهم ، وإلّا فكيف يحكم بتصديق الواحد وتكذيب خمسين! وهكذا المراد بتصديق المؤمنين في قصّة إسماعيل (٦) ، فتأمّل جيّدا.

__________________

(١) التوبة / ٦١.

(٢) أي : الاذن.

(٣) وفي بعض النسخ : «وله تعالى».

(٤) أي : ويظهر ذلك من أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله صدّق النمّام بأنّه لم ينم عليه ، وأخبره الله تعالى بأنّه نمّ عليه.

وهذا إشارة إلى ما أورده القميّ في تفسيره على سبب نزول الآية. راجع تفسير القميّ ١ : ٣٠٠.

(٥) هذا مفاد الرواية. وراجع نصّ الرواية في الكافي ٨ : ١٤٧.

(٦) عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، قال : كانت لإسماعيل بن أبي عبد الله عليه‌السلام دنانير ، وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن ، فقال إسماعيل : يا أبت! إنّ فلانا يريد الخروج إلى اليمن وعندي كذا وكذا دينار ، أفترى أن أدفعها إليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟ فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : «يا بنيّ! أما بلغك أنّه يشرب الخمر؟» فقال إسماعيل : هكذا يقول الناس. فقال عليه‌السلام : «يا بنيّ! لا تفعل». فعصى إسماعيل أباه ودفع إليه دنانيره فاستهلكها ولم يأته بشيء منها ، فخرج إسماعيل وقضى أنّ أبا عبد الله عليه‌السلام حجّ ، وحجّ إسماعيل تلك السنة ، فجعل يطوف بالبيت ويقول : «اللهم أجرني واخلف عليّ» ، فلحقه أبو عبد الله عليه‌السلام فهمزه بيده من خلفه وقال له : «مه ، يا بني ، فلا والله مالك على الله هذا ، ولا لك أن يأجرك ولا يخلف