درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۸۶: حجیت مطلق ظن ۱

 

فصل

في الوجوه الّتي أقاموا (١) على حجّيّة الظنّ (٢)

وهي أربعة :

[الوجه الأوّل : قاعدة رفع الضرر المظنون]

الأوّل : أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبيّ أو التحريميّ مظنّة ، ودفع الضرر المظنون لازم (٣).

أمّا الصغرى : فلأنّ الظنّ بوجوب شيء أو حرمته يلازم الظنّ بالعقوبة على مخالفته ، أو الظنّ بالمفسدة فيها ، بناء على تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد.

وأمّا الكبرى : فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون ، ولو لم نقل بالتحسين والتقبيح (٤) ، لوضوح عدم انحصار ملاك حكمه بهما ، بل يكون التزامه بدفع الضرر

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «اقيمت أو أقاموها».

(٢) أي : مطلق الظنّ.

(٣) هذا الدليل استدلّ به العلّامة في نهاية الوصول (مخطوط) : ٢٩٧. وهذا أوّل الوجوه الأربعة الّتي ذكرها الشيخ الأعظم في فرائد الاصول ١ : ٣٦٧.

(٤) تعريض لما أفاده الحاجبيّ جوابا عن هذا الوجه من منع الكبرى. فإنّه قال ـ على ما حكاه الشيخ الأنصاريّ ـ : «إنّ دفع الضرر إذا قلنا بالتحسين والتقبيح العقليّين احتياط مستحبّ ، لا واجب». راجع شرح العضديّ على مختصر الاصول ١ : ١٦٣ ، وفرائد الاصول ١ : ٣٦٨.

وأورد عليه المصنّف رحمه‌الله بأنّ وجوب دفع الضرر المظنون من الامور الفطريّة التي يحكم به العاقل بما هو عاقل ، ولذا لا ينكر الأشعريّ ـ المنكر للحسن والقبح ـ أنّه لا يصدر من العاقل ـ

المظنون ، بل المحتمل بما هو كذلك ، ولو لم يستقلّ بالتحسين والتقبيح ، مثل الالتزام بفعل ما استقلّ بحسنه إذا قيل باستقلاله ، ولذا أطبق العقلاء عليه مع خلافهم في استقلاله بالتحسين والتقبيح (١) ، فتدبّر جيّدا.

والصواب في الجواب هو منع الصغرى (٢):

أمّا العقوبة : فلضرورة عدم الملازمة بين الظنّ بالتكليف والظنّ بالعقوبة على مخالفته ، لعدم الملازمة بينه والعقوبة على مخالفته ؛ وإنّما الملازمة بين خصوص معصيته واستحقاق العقوبة عليها ، لا بين مطلق المخالفة والعقوبة بنفسها. ومجرّد الظنّ به (٣) بدون دليل على اعتباره لا يتنجّز به ، كي يكون مخالفته عصيانه.

إلّا أن يقال : إنّ العقل وإن لم يستقلّ بتنجّزه بمجرّده (٤) بحيث يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته ، إلّا أنّه لا يستقلّ أيضا بعدم استحقاقها معه (٥) ، فيحتمل العقوبة حينئذ على المخالفة. ودعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظنون قريبة جدّا ، لا سيّما إذا كان هو العقوبة الاخرويّة ، كما لا يخفى.

وأمّا المفسدة : فلأنّها وإن كان الظنّ بالتكليف يوجب الظنّ بالوقوع فيها لو خالفه ، إلّا أنّها ليست بضرر على كلّ حال ، ضرورة أنّ كلّ ما يوجب قبح الفعل من المفاسد لا يلزم أن يكون من الضرر على فاعله ، بل ربما يوجب حزازة ومنقصة في الفعل بحيث يذمّ عليه فاعله بلا ضرر عليه أصلا ، كما لا يخفى.

وأمّا تفويت المصلحة : فلا شبهة في أنّه ليس فيه مضرّة ، بل ربما يكون في استيفائها المضرّة ، كما في الإحسان بالمال ، هذا. مع منع كون الأحكام تابعة

__________________

ـ ما يكون محتمل الضرر فضلا عن عمل يكون مظنّة للضرر.

(١) فالعدليّة ذهبوا إلى استقلال العقل في الحسن والقبح ، والأشاعرة ذهبوا إلى عدم استقلاله.

(٢) كما منعه استاذه المحقّق الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٣٧٣.

(٣) أي : بالتكليف.

(٤) أي : بتنجّز التكليف بمجرّد الظنّ به.

(٥) أي : مع الظنّ بالتكليف.