درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۱۱: وضع الفاظ برای ذات معانی

 

الخامس

[وضع الألفاظ لذوات المعاني]

لا ريب في كون الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي ، لا من حيث هي مرادة للافظها ، لما عرفت بما لا مزيد عليه (١) من أنّ قصد المعنى على أنحائه من مقوّمات الاستعمال ، فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه (٢).

__________________

(١) في الأمر الثاني.

(٢) الأولى أن يقول : «فلا يكاد يكون من قيود الموضوع له». وذلك لما مرّت الإشارة إليه من الفرق بين الموضوع له والمستعمل فيه ، وهو أنّ الموضوع له يطلق على المعنى الملحوظ حال الوضع فيوضع اللفظ بإزائه حتّى يفهم من اللفظ عند صدوره ؛ والمستعمل فيه يطلق على الملحوظ حال الاستعمال. والملحوظ حال الاستعمال مراد للمستعمل قطعا ، سواء استعمل اللفظ واريد إفهام نفس الموضوع له أو اريد إفهام غيره ممّا يناسب الموضوع له أو اريد عدم إفهام معنى خاصّ.

وممّا ذكرنا يظهر أنّ لكلّ من الوضع والاستعمال غرض خاصّ ، فالغرض من الوضع ليس إلّا فهم نفس المعنى الملحوظ حال الوضع الّذي يفهم من اللفظ بمجرّد سماعه ، فليس الموضوع له إلّا نفس المعنى ، فلا يدلّ اللفظ بالدلالة الوضعيّة إلّا على نفس المعنى. وأمّا الاستعمال ـ وهو إظهار اللفظ ـ فالغرض منه دلالة السامع إلى ما يقصده المستعمل من إظهار اللفظ ، فليس المستعمل فيه إلّا ما يقصده المستعمل ، وهو تارة إفهام نفس الموضوع له ، وتارة اخرى إفهام ما يناسب الموضوع له ، وثالثة الإهمال والإجمال. فدلالة اللفظ على المستعمل فيه تابعة لإحراز ما أراده المتكلّم. وعلى هذا فلا يطلق المستعمل على من لم يصدر اللفظ عنه باختياره ، كالنائم والساهي وما يصدر عن فرق الهوى ، بل إنّما يصدر اللفظ منه ، والصدور أعمّ من ـ

هذا مضافا إلى ضرورة صحّة الحمل والإسناد في الجمل بلا تصرّف في ألفاظ الأطراف ، مع أنّه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صحّ بدونه (١) ، بداهة أنّ المحمول على زيد في «زيد قائم» والمسند إليه في «ضرب زيد» ـ مثلا ـ هو نفس القيام والضرب ، لا بما هما مرادان ؛ وهكذا الحال في طرف الموضوع (٢).

مع أنّه يلزم كون وضع عامّة الألفاظ عامّا والموضوع له خاصّا ، لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ (٣) ، فإنّه لا مجال لتوهّم أخذ مفهوم الإرادة فيه ، كما لا يخفى (٤).

[توجيه المحكيّ عن الشيخ الرئيس والمحقّق الطوسيّ]

وأمّا ما حكي عن العلمين : الشيخ الرئيس والمحقّق الطوسيّ ـ من مصيرهما

__________________

ـ الاستعمال ، ولذا لا يدلّ ما يصدر منه على المعنى المقصود وإن دلّ على نفس المعنى.

وبالجملة : لا تدلّ الألفاظ بالدلالة الوضعيّة إلّا على المعنى الموضوع له ، كما ذهب اليه المصنّف رحمه‌الله ، وتبعه تلميذه المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٦٣ ـ ٦٤ والسيّد الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ١ : ١١٣ ـ ١١٥.

وخالفه السيّد المحقّق الخوئيّ مستدلّا بأنّ الغرض الباعث على الوضع هو ابراز المقاصد ، فلا يزيد سعة الوضع عن سعة ذلك الغرض ، فتختصّ العلقة الوضعيّة بصورة إرادة التفهيم ، وتنحصر الدلالة الوضعية في الدلالة التصديقيّة. محاضرات في اصول الفقه ١ : ١٠٤ ـ ١٠٥.

وأنت خبير بأنّه خلط بين الوضع والاستعمال وليس غرض الواضع إلّا جعل العلقة بين اللفظ والمعنى بحيث يفهم من اللفظ نفس المعنى لا المعنى المراد.

(١) أي : بدون التصرّف.

(٢) وفي النسخ المطبوعة ذكر قوله : «وهكذا الحال في طرف الموضوع» بعد قوله الآتي : «كما لا يخفى». ولكن الصحيح ما أثبتناه ، وهو الموافق لما في بعض النسخ.

(٣) فيكون الموضوع له هو المعاني المرادة بالإرادات الشخصيّة الحاصلة للمتكلّمين الموجبة لصيرورتها جزئيّة.

(٤) فالوجوه الّتي أقامها المصنّف رحمه‌الله ثلاثة : الأوّل : قوله : «لما عرفت ...». والثانى : ما أشار إليه بقوله : «مضافا إلى ضرورة ...». والثالث : ما تعرّض له بقوله : «مع أنّه يلزم ...».

واستدلّ عليه المحقّق العراقيّ بأنّ الإرادة من الامور المتأخّرة رتبة عن المعنى ، فيستحيل أخذها قيدا في ناحية الموضوع له. نهاية الأفكار ١ : ٦٣.

إلى أنّ الدلالة تتبع الإرادة (١) ـ فليس ناظرا إلى كون الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة ـ كما توهّمه بعض الأفاضل (٢) ـ ، بل ناظر إلى أنّ دلالة الألفاظ على معانيها بالدلالة التصديقيّة (٣) ـ أي دلالتها على كونها مرادة للافظها ـ تتبع إرادتها منها (٤) وتتفرّع عليها ـ تبعيّة مقام الإثبات للثبوت وتفرّع الكشف على الواقع المكشوف ـ ، فإنّه لو لا الثبوت في الواقع لما كان للإثبات والكشف والدلالة مجال ، ولذا لا بدّ من إحراز كون المتكلّم بصدد الإفادة في إثبات إرادة ما هو ظاهر كلامه ودلالته على الإرادة (٥) ، وإلّا لما كانت لكلامه هذه الدلالة ، وإن كانت له الدلالة التصوّريّة ـ أي كون سماعه موجبا لإخطار معناه الموضوع له ، ولو كان من وراء الجدار أو من لافظ بلا شعور ولا اختيار ـ.

إن قلت : على هذا يلزم أن لا يكون هناك دلالة عند الخطأ والقطع بما ليس بمراد ، أو الاعتقاد بإرادة شيء ولم يكن له من اللفظ مراد.

قلت : نعم لا يكون حينئذ دلالة ، بل يكون هناك جهالة وضلالة يحسبها الجاهل دلالة.

ولعمري ما أفاده العلمان من التبعيّة ـ على ما بيّنّاه ـ واضح لا محيص عنه. ولا يكاد ينقضي تعجّبي كيف رضي المتوهّم أن يجعل كلامهما ناظرا إلى ما لا ينبغي صدوره عن فاضل ، فضلا عمّن هو علم في التحقيق والتدقيق؟!

__________________

(١) راجع الفصل الثامن من المقالة الاولى من الفن الأوّل من منطق الشفاء : ٤٢ ، وشرح الإشارات ١ : ٣٢.

(٢) وهو صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٧.

(٣) لا يخفى : أنّ حمل كلامهما على الدلالة التصديقيّة بعيد ، فإنّه لا يوافق صريح كلامهما من انحصار الدلالة اللفظيّة الوضعيّة في التصديقيّة. ولذا حمله غيره على محامل أخر ، فراجع نهاية الدراية ١ : ٣٩ ـ ٤٠ ، مناهج الوصول ١ : ١١٥.

(٤) والأولى أن يقول : «تتبع إحراز إرادتها منها» ، ضرورة أنّ مجرّد إرادة المتكلّم من دون إحرازها من السامع لا يوجب انتقال السامع إلى المعنى المراد ، كما أشار إليه بعد أسطر.

(٥) أي : وفي دلالة كلامه على المعنى المراد.