درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۱۵: حقیقت شرعیه ۱

 

التاسع

[الحقيقة الشرعيّة]

أنّه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعيّة (١) وعدمه على أقوال.

[تمهيد مقال]

وقبل الخوض في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقال ، وهو : أنّ الوضع التعيينيّ كما يحصل بالتصريح بإنشائه (٢) كذلك يحصل باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما إذا وضع له ، بأنّ يقصد الحكاية عنه والدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة (٣) ، وإن كان لا بدّ حينئذ من نصب قرينة ، إلّا أنّه للدلالة على ذلك (٤) ، لا على إرادة المعنى كما

__________________

(١) وهي الحقيقة الثانوية الّتي وضع لها اللفظ بالوضع الثانويّ الصادر من الشارع بعد ما كان موضوعا بالوضع الأوّلى في معنى آخر لغويّ.

وتحرير النزاع : أنّه لا اشكال في أنّ الشارع استعمل ألفاظا وأراد منها معان معيّنة مستحدثة غير معانيها اللغويّة ، انّما الكلام في أنّه هل نقلها من المعاني اللغويّة ووضعها بالوضع الثانويّ في هذه المعانيّ المستحدثة فيثبت الحقيقة الشرعيّة ، أو لم ينقلها ، بل استعملها فيها بنحو المجاز؟

(٢) بأن يقول الواضع : «وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى».

(٣) أي : كذلك يتحقّق بنفس استعمال اللفظ في معنى مستحدث على سبيل الوضع بقصد الحكاية عن المعنى المستحدث بنفس اللفظ ـ كما كان كذلك حين استعماله في المعنى اللغويّ السابق ـ ، لا بالقرينة حتّى يكون من استعمال اللفظ في غير الموضوع له.

(٤) أي : لا بدّ من نصب قرينة على إرادة الوضع الثانويّ.

في المجاز ، فافهم.

وكون استعمال اللفظ فيه كذلك [استعمالا] (١) في غير ما وضع له بلا مراعاة ما اعتبر في المجاز فلا يكون بحقيقة ولا مجاز ، غير ضائر بعد ما كان ممّا يقبله الطبع ولا يستنكره. وقد عرفت سابقا (٢) أنّه في الاستعمالات الشائعة في المحاورات ما ليس بحقيقة ولا مجاز (٣).

[ثبوت الحقيقة الشرعيّة]

إذا عرفت هذا ، فدعوى الوضع التعيينيّ في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جدّا ، ومدّعي القطع به غير مجازف قطعا (٤). ويدّل عليه تبادر المعاني الشرعيّة منها في محاوراته (٥).

ويؤيّد ذلك أنّه ربما لا تكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعيّة واللغويّة ، فأيّ

__________________

(١) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ ، ولكن لا بدّ منه ، فيكون معنى العبارة : كون استعمال اللفظ في المعنى المستحدث بقصد الوضع الثانويّ استعمالا في غير ما وضع له بلا مراعاة ما اعتبر في المجاز ، فلا يكون الاستعمال حقيقيّا حيث لم يستعمل في الموضوع له ولا مجازيّا حيث لم يلاحظ وجود العلاقة بينه وبين المعنى المستحدث. هذا كلّه مبتدأ ، وخبره «غير ضائر».

(٢) في الأمر الرابع : ٣٥.

(٣) كاستعمال اللفظ في نوعه أو مثله.

(٤) أورد عليه المحقّق النائينيّ بأنّ حقيقة الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى وإلقاء المعنى في الخارج بحيث تكون الألفاظ مغفولا عنها. فالاستعمال يستدعي أن يكون النظر إلى الألفاظ آليّا ، والوضع يستدعي أن يكون النظر إليها استقلاليّا ، لأنّه جعل الارتباط بين اللفظ والمعنى ، فالجمع بين الوضع والاستعمال في شيء يلازم الجمع بين اللحاظ الآليّ والاستقلاليّ ، وهو محال. أجود التقريرات ١ : ٣٣.

ودفعه المحقّق العراقيّ بما حاصله : أنّ متعلّق اللحاظ الاستقلاليّ في حال الوضع هو طبيعيّ اللفظ ، ومتعلّق اللحاظ الآليّ في حال الاستعمال هو مصداق اللفظ ، إذ به تكون الحكاية ، فلا يلزم من انشاء الوضع بالاستعمال اجتماع لحاظين في شيء واحد. بدائع الأفكار ١ : ٣٣.

والمحقّق الاصفهانيّ قرّب الإشكال بوجه ثان ، ثمّ دفعه بوجه آخر. راجع نهاية الدراية ١ : ٥٢ ، وبحوث في الاصول ١ : ٣٢.

(٥) مرّ ما في علاميّة التبادر ، فراجع.

علاقة بين الصّلاة شرعا (١) والصّلاة بمعنى الدعاء؟ ومجرّد اشتمال الصّلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء والكلّ بينهما ، كما لا يخفى (٢).

هذا كلّه بناء على كون معانيها مستحدثة في شرعنا.

وأمّا بناء على كونها ثابتة في الشرائع السابقة ـ كما هو قضيّة غير واحد من الآيات ، مثل قوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣) ، وقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٤) ، وقوله تعالى : ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾(٥) ... إلى غير ذلك ـ فألفاظها حقائق لغويّة (٦) لا شرعيّة (٧). واختلاف الشرائع فيها جزءا وشرطا لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهيّة ، إذ لعلّه كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحقّقات ، كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا ، كما لا يخفى.

ثمّ لا يذهب عليك أنّه مع هذا الاحتمال (٨) لا مجال لدعوى الوثوق ، فضلا عن القطع بكونها حقائق شرعيّة ، ولا لتوهّم دلالة الوجوه الّتي ذكروها على ثبوتها لو سلّم دلالتها على الثبوت لولاه (٩).

__________________

(١) وهي الحركات المخصوصة.

(٢) وذلك لأنّ شرط العلاقة المصحّحة ـ في علاقة الكلّ والجزء ـ هو كون الجزء ممّا ينتفي الكلّ بانتفائه ، وليس الدعاء في الصلاة كذلك.

(٣) البقرة / ١٨٣.

(٤) الحجّ / ٢٧.

(٥) مريم / ٣١.

(٦) إذ استعملها الشارع في معانيها المعهودة الثابتة في اللغة.

(٧) أورد عليه تلميذه المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ ثبوت هذه المعاني في الشرائع السابقة لا يضرّ بثبوت الحقيقة الشرعيّة في شرعنا ، لأنّ معنى الحقيقة الشرعيّة ليس جعل المعنى ، بل هي جعل اللفظ بإزاء المعنى المستحدث وتسميته بذلك ، وأمّا مجرّد ثبوتها هنا لا يلازم التسمية بهذه الألفاظ الخاصّة ، بل ـ لو فرض ثبوتها هناك ـ يعبّر عنها بألفاظ سريانيّة أو عبرانيّة. نهاية الدراية ١ : ٥٥.

(٨) أي : احتمال ثبوتها في الشرائع السابقة وكون ألفاظها حقائق لغويّة. وهذا الاحتمال منسوب إلى الباقلانيّ كما في شرح العضديّ ١ : ٥١ ـ ٥٢.

(٩) أي : لو سلّم دلالة تلك الوجوه على ثبوت الحقيقة الشرعيّة لو لا هذا الاحتمال.