درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۱۶: حقیقت شرعیه ۲

 

علاقة بين الصّلاة شرعا (١) والصّلاة بمعنى الدعاء؟ ومجرّد اشتمال الصّلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء والكلّ بينهما ، كما لا يخفى (٢).

هذا كلّه بناء على كون معانيها مستحدثة في شرعنا.

وأمّا بناء على كونها ثابتة في الشرائع السابقة ـ كما هو قضيّة غير واحد من الآيات ، مثل قوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣) ، وقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٤) ، وقوله تعالى : ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾(٥) ... إلى غير ذلك ـ فألفاظها حقائق لغويّة (٦) لا شرعيّة (٧). واختلاف الشرائع فيها جزءا وشرطا لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهيّة ، إذ لعلّه كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحقّقات ، كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا ، كما لا يخفى.

ثمّ لا يذهب عليك أنّه مع هذا الاحتمال (٨) لا مجال لدعوى الوثوق ، فضلا عن القطع بكونها حقائق شرعيّة ، ولا لتوهّم دلالة الوجوه الّتي ذكروها على ثبوتها لو سلّم دلالتها على الثبوت لولاه (٩).

__________________

(١) وهي الحركات المخصوصة.

(٢) وذلك لأنّ شرط العلاقة المصحّحة ـ في علاقة الكلّ والجزء ـ هو كون الجزء ممّا ينتفي الكلّ بانتفائه ، وليس الدعاء في الصلاة كذلك.

(٣) البقرة / ١٨٣.

(٤) الحجّ / ٢٧.

(٥) مريم / ٣١.

(٦) إذ استعملها الشارع في معانيها المعهودة الثابتة في اللغة.

(٧) أورد عليه تلميذه المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ ثبوت هذه المعاني في الشرائع السابقة لا يضرّ بثبوت الحقيقة الشرعيّة في شرعنا ، لأنّ معنى الحقيقة الشرعيّة ليس جعل المعنى ، بل هي جعل اللفظ بإزاء المعنى المستحدث وتسميته بذلك ، وأمّا مجرّد ثبوتها هنا لا يلازم التسمية بهذه الألفاظ الخاصّة ، بل ـ لو فرض ثبوتها هناك ـ يعبّر عنها بألفاظ سريانيّة أو عبرانيّة. نهاية الدراية ١ : ٥٥.

(٨) أي : احتمال ثبوتها في الشرائع السابقة وكون ألفاظها حقائق لغويّة. وهذا الاحتمال منسوب إلى الباقلانيّ كما في شرح العضديّ ١ : ٥١ ـ ٥٢.

(٩) أي : لو سلّم دلالة تلك الوجوه على ثبوت الحقيقة الشرعيّة لو لا هذا الاحتمال.

ومنه قد انقدح حال دعوى الوضع التعيّنيّ معه (١). ومع الغضّ عنه فالإنصاف أنّ منع حصوله (٢) في زمان الشارع (٣) في لسانه ولسان تابعيه مكابرة. نعم حصوله في خصوص لسانه ممنوع ، فتأمّل.

[ثمرة البحث]

وأمّا الثمرة بين القولين فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغويّة مع عدم الثبوت ، وعلى معانيها الشرعيّة على الثبوت فيما إذا علم تأخّر الاستعمال (٤). وفيما إذا جهل التأريخ ففيه إشكال. وأصالة تأخّر الاستعمال ـ مع معارضتها بأصالة تأخّر الوضع ـ لا دليل على اعتبارها تعبّدا إلّا على القول بالأصل المثبت(٥). ولم يثبت بناء من العقلاء على التأخّر مع الشّك. وأصالة عدم النقل (٦) إنّما كانت معتبرة فيما إذا شكّ في أصل النقل ، لا في تأخّره ، فتأمّل (٧).

__________________

(١) أي : مع هذا الاحتمال.

(٢) أي : حصول الوضع التعيّنيّ.

(٣) وهو النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

(٤) وأنكر المحقّق النائينيّ وجود أيّة ثمرة للبحث عن هذه المسألة ، لأنّ ألفاظ الكتاب والسنّة الّتي وصلت إلينا يدا بيد كان المراد منها معلوما ، فليس لنا مورد نشكّ في المراد الاستعماليّ منه. أجود التقريرات : ١ : ٣٣.

وتبعه السيّدان العلمان : الخمينيّ والخوئيّ ، فراجع مناهج الوصول ١ : ١٣٨ ، ومحاضرات في اصول الفقه ١ : ١٣٣.

(٥) لأنّه يرجع إلى استصحاب عدم الاستعمال إلى حين الوضع ، وهو ملازم لتأخّر الاستعمال عن الوضع وثبوته بعده.

(٦) بمعنى استصحاب عدم النقل إلى ما قبل الاستعمال ، وهو أصل عقلائيّ يسمّى بالاستصحاب القهقريّ.

(٧) لعلّه إشارة إلى سقوط الثمرة السابقة ، لما ذكره المحقّق النائينيّ ، كما مرّ.