درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۱۸: صحیح و اعم ۲

 

في هذه الألفاظ المستعملة مجازا في كلام الشارع هو استعمالها في خصوص الصحيحة أو الأعمّ ، بمعنى أنّ أيّهما قد اعتبرت العلاقة بينه وبين المعاني اللغويّة ابتداء وقد استعمل في الآخر بتبعه ومناسبته ، كي ينزّل كلامه عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغويّة وعدم قرينة اخرى معيّنة للآخر.

وأنت خبير بأنّه لا يكاد يصحّ هذا إلّا إذا علم أنّ العلاقة إنّما اعتبرت كذلك ، وأنّ بناء الشارع في محاوراته استقرّ ـ عند عدم نصب قرينة اخرى (١) ـ على إرادته (٢) ، بحيث كان هذا (٣) قرينة عليه (٤) من غير حاجة إلى قرينة معيّنة اخرى ، وأنّى لهم بإثبات ذلك (٥).

وقد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع على ما نسب إلى الباقلانيّ (٦) ، وذلك بأن يكون النزاع في أنّ قضيّة القرينة المضبوطة (٧) الّتي لا يتعدّى عنها إلّا بالاخرى الدالّة على أجزاء المأمور به وشرائطه هي تمام الأجزاء والشرائط أو هما في الجملة ، فلا تغفل.

__________________

ـ مجازيّا. انّما الكلام في أنّ العلاقة هل اعتبرت ابتداء بين الموضوع له وبين خصوص الصحيحة من المعاني الشرعيّة ثمّ استعملت فيما يعمّ الفاسدة بالتبع والمناسبة فيكون من قبيل سبك مجاز في مجاز أم اعتبرت ابتداء بين الموضوع له وبين ما يعمّ الفاسدة؟ فعلى الأوّل تحمل الألفاظ على خصوص الصحيحة فيما إذا لم تقم قرينة على تعيين أحد المعنيين ـ بعد قيام قرينة صارفة عن الموضوع له ـ ، وعلى الثاني تحمل على الأعمّ.

(١) غير القرينة الصارفة عن المعنى اللغويّ الّتي لا بدّ منها.

(٢) أي : إرادة خصوص المعنى الّذي اعتبرت العلاقة ابتداء بينه وبين المعنى اللغويّ.

(٣) أي : هذا البناء.

(٤) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «وعليها» ، فإنّ الضمير يرجع إلى إرادة أحد المعنيين بالخصوص.

(٥) وقد ذكر المحقّق النائينيّ وجها آخر في التصوير لا يتوقّف على اثبات ما ذكره المصنّف.

فراجع فوائد الاصول ١ : ٥٩ ، أجود التقريرات ١ : ٣٤.

(٦) وحاصله : أنّ ألفاظ العبادات استعملت في معانيها اللغويّة ، وأمّا المعاني الشرعيّة فاريدت بالقرائن من قبيل تعدّد الدالّ والمدلول. شرح العضديّ ١ : ٥١ ـ ٥٢.

(٧) فإنّ النزاع ـ حينئذ ـ يقع في القرائن ، لا في نفس الألفاظ.

[٢ ـ معنى الصحّة والفساد]

ومنها : أنّ الظاهر أنّ الصحّة عند الكلّ بمعنى واحد ، وهو التماميّة. وتفسيرها بإسقاط القضاء ـ كما عن الفقهاء ـ أو بموافقة الشريعة ـ كما عن المتكلّمين ـ أو غير ذلك إنّما هو بالمهمّ من لوازمها (١) ، لوضوح اختلافه (٢) بحسب اختلاف الأنظار. وهذا لا يوجب تعدّد المعنى ، كما لا يوجبه اختلافها بحسب الحالات من السفر والحضر والاختيار والاضطرار إلى غير ذلك ، كما لا يخفى.

ومنه ينقدح : أنّ الصحّة والفساد أمران إضافيّان (٣) ، فيختلف شيء واحد صحّة وفسادا بحسب الحالات ، فيكون تامّا بحسب حالة وفاسدا بحسب اخرى ، فتدبّر جيّدا.

[٣ ـ لزوم قدر جامع على القولين]

ومنها : أنّه لا بدّ على كلا القولين من قدر جامع في البين كان هو المسمّى بلفظ كذا(٤).

__________________

(١) وأورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ حيثيّة القضاء وموافقة الشريعة وغيرهما ليست من لوازم التماميّة بالدقّة ، بل هي من الحيثيّات الّتي يتمّ بها حقيقة التماميّة حيث لا رافع للتماميّة إلّا التماميّة من حيث إسقاط القضاء أو من حيث موافقة الأمر وغيرهما ، واللازم ليس من متمّمات معنى ملزومه. نهاية الدراية ١ : ٥٨ ـ ٥٩.

وأجاب عنه السيّد المحقّق الخوئيّ بأنّ للتماميّة واقعيّة مستقلّة هي : جامعيّة الأجزاء والشرائط ، فلها واقعيّة قطع النظر عن إسقاط القضاء وموافقة الشريعة وغيرهما ، وليست هذه الامور إلّا من آثار التماميّة ولوازمها. محاضرات في اصول الفقه ١ : ١٣٥ ـ ١٣٦.

ولكن لا يخفى ما فيه ، فإنّ الجامعيّة والتماميّة والصحّة أوصاف وجوديّة تعرض الشيء الموجود ، فهي كيفيّات عرضيّة ، والأعراض لا واقع لها مستقلّا حتّى تكون موجودة في نفسه لنفسه ، بل هي وجودات غير مستقلّة ومن نوع الوجود في نفسه لغيره ، فإسقاط القضاء وموافقة الشريعة وغيرهما ليست من مقوّمات التماميّة ولا من آثارها ولوازمها ، بل هي من آثار الشيء الموجود المتّصف بالتماميّة.

(٢) أي : اختلاف المهمّ.

(٣) وقد خالفه السيّد الإمام الخمينيّ وذهب إلى أنّ الصحّة والفساد كيفيّتان وجوديّتان عارضتان للشيء في الوجود الخارجيّ وبينهما تقابل التضادّ. مناهج الوصول ١ : ١٤٣ ـ ١٤٤.

(٤) وخالفه المحقّق النائيني وذهب إلى أنّه لا ضرورة تدعو إلى تصوير جامع وحدانيّ ـ

ولا إشكال في وجوده بين الأفراد الصحيحة ، وإمكان الإشارة إليه بخواصّه وآثاره (١) ، فإنّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثّر الكلّ فيه (٢) بذاك الجامع (٣) ، فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة ـ مثلا ـ ب «الناهية عن الفحشاء» و «ما هو معراج المؤمن» ونحوهما (٤).

__________________

ـ يشترك فيه جميع الأفراد ، بل يمكن الالتزام بوضع لفظ العبادة ـ كالصلاة ـ في المرتبة العليا من مراتبها بالخصوص ، وهي المرتبة الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط ـ أي الصلاة المختارة ـ. فالموضوع له على قول الصحيحيّ أو الأعمىّ هو المرتبة العليا. ويستعمل اللفظ في غيرها على كلا القولين ـ من الادّعاء والتنزيل ـ ، غاية الأمر أنّ الصحيحيّ يدّعي أنّ استعمال لفظ الصّلاة في بقيّة المراتب الصحيحة من باب الادّعاء وتنزيل الفاقد منزلة الواجد أو من باب الاشتراك في الأثر ، والأعمّي يدّعي أنّ استعماله في بقيّة مراتب الصّلاة من باب العناية والتنزيل أو الاشتراك في الأثر. أجود التقريرات ١ : ٣٦.

ولا يخفى : أنّ المرتبة العليا من كلّ عبادة هي العبادة المأمور بها ، وهي تختلف باختلاف الأصناف والأحوال ، فلا بدّ من تصوير الجامع الّذي يكون اللفظ موضوعا بإزائه.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «بخواصّها وآثارها» فإنّ الضميرين يرجعان إلى الأفراد الصحيحة. والأولى أن يقول : «وإمكان الإشارة إليه ـ أي إلى الجامع ـ بخواصّها وآثارها المشتركة».

(٢) أي : في ذلك الأثر.

(٣) وهو لقاعدة فلسفيّة ، هي : «الواحد لا يصدر إلّا من الواحد».

(٤) نحو : «ما هو قربان كلّ تقيّ» و «ما هو عمود الدين».

وقد خالفه الأعلام الثلاثة :

أمّا المحقّق الاصفهانيّ فخالفه وأورد عليه بوجوه :

الأوّل : أنّه لا يتصوّر وجود جامع ذاتيّ مقوليّ لأفراد الصّلاة ، لأنّها مؤلّفة من مقولات متباينة لا تندرج تحت مقولة واحدة ، فإنّ المقولات أجناس عالية لا جنس فوقها.

الثاني : أنّه لو فرض وجود الجامع البسيط المقوليّ المتّحد مع الأفراد الخارجيّة يلزم منه اتّحاد البسيط مع المركّب ، وهو ممتنع.

الثالث : أنّ النهي عن الفحشاء أثر واحد عنوانا لا حقيقة ، لاختلاف أنحائه حقيقة باختلاف مراتب أنحاء الفحشاء ، فهو لا يكشف عن وحدة المؤثّر حقيقة.

الرابع : أنّه لو كان الجامع المقوليّ الذاتيّ معقولا لم يكن مختصّا بالصحيحيّ ، بل يعمّ الأعميّ ، لأنّ مراتب الصحيحة والفاسدة متداخلة حيث أنّ ذات الأجزاء والشرائط قابلة للصحّة والفساد بلحاظ اختلاف حالها. ـ