درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۲۰: صحیح و اعم ۴

 

والإشكال فيه (١) : ب «أنّ الجامع لا يكاد يكون أمرا مركّبا ، إذ كلّ ما فرض جامعا يمكن أن يكون صحيحا وفاسدا ، لما عرفت. ولا أمرا بسيطا ، لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون هو عنوان المطلوب أو ملزوما مساويا له (٢) ، والأوّل غير معقول ، لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتّى (٣) إلّا من قبل الطلب في متعلّقه ؛ مع لزوم الترادف بين لفظة الصّلاة والمطلوب ؛ وعدم جريان البراءة مع الشكّ في أجزاء العبادات وشرائطها ، لعدم الإجمال حينئذ في المأمور به فيها ، وإنّما الإجمال فيما يتحقّق به ، وفي مثله لا مجال لها ـ كما حقّق في محلّه ـ ، مع أنّ المشهور القائلين بالصحيح قائلون بها في الشكّ فيها. وبهذا يشكل لو كان البسيط هو ملزوم المطلوب أيضا».

مدفوع : بأنّ الجامع إنّما هو مفهوم واحد منتزع عن هذه المركّبات المختلفة

__________________

ـ ثمّ ذكر وجها للجامع الصحيحيّ ، حاصله : أنّ الجامع لا ينحصر في الجامع المقوليّ والعنوانيّ ، بل لنا أن نلتزم بثبوت جامع آخر للأفراد الصحيحة ، وهو سنخ عمل مبهم مركّب من جملة أجزاء يعرّفه جهة نهيه عن الفحشاء ، وبذلك يقتصر في صدقه على خصوص الأفراد الصحيحة. نهاية الدراية ١ : ٦١ ـ ٦٤.

وأمّا المحقّق العراقيّ ـ بعد ملاحظة ما في كلام المصنّف رحمه‌الله وعدم ارتضائه بما ذكره المحقّق الاصفهانيّ ـ فصوّر الجامع ببيان آخر ، حاصله : أنّ الجامع لا ينحصر في المقوليّ والعنوانيّ ، بل لنا فرض جامع آخر ، وهو المرتبة الخاصّة من الوجود الساري في المقولات المتباينة ماهيّة. بدائع الأفكار ١ : ١١٦ ـ ١١٨.

وأمّا المحقّق النائينيّ فهو ـ بعد ذكر ما يرد على الجامع الصحيحيّ الّذي صوّره المحقّق الخراسانيّ ـ أنكر وجود الجامع الصحيحيّ. فوائد الاصول ١ : ٦٥ ـ ٧٤.

وفي كلماتهم بعض ملاحظات ذكر بعضها السيّدان العلمان : الخوئيّ والخمينيّ ، فراجع المحاضرات ١ : ١٤٤ ـ ١٥٥ ، ومناهج الوصول ١ : ١٤٨ ـ ١٥٥.

(١) والمستشكل هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في تقريرات بحثه ، فراجع مطارح الأنظار : ٦.

(٢) وفي مطارح الأنظار : ٦ : «أو ما هو في مرتبته أو ملزوما مساويا له». ثمّ أورد الإشكال الأوّل «لبداهة ...» والثاني «مع لزوم الترادف ...» على فرض كون الجامع عنوان المطلوب أو ما هو في مرتبته. وأورد الإشكال الثالث «وعدم جريان البراءة ...» على فرض كونه ملزوما مساويا له.

(٣) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «يأتي».

ـ زيادة ونقيصة بحسب اختلاف الحالات ـ متّحد معها نحو اتّحاد (١) ، وفي مثله تجري البراءة ، وإنّما لا تجري فيما إذا كان المأمور به أمرا واحدا خارجيّا مسبّبا عن مركّب مردّد بين الأقلّ والأكثر ، كالطهارة المسبّبة عن الغسل والوضوء فيما إذا شكّ في أجزائهما.

هذا على الصحيح.

وأمّا على الأعمّ ، فتصوير الجامع في غاية الإشكال ، فما قيل في تصويره أو يقال وجوه :

أحدها : أن يكون عبارة عن جملة من أجزاء العبادة كالأركان في الصّلاة ـ مثلا ـ وكان الزائد عليها معتبرا في المأمور به ، لا في المسمّى (٢).

وفيه : ما لا يخفى ، فإنّ التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها ، ضرورة صدق الصّلاة مع الإخلال ببعض الأركان (٣) ، بل وعدم الصدق عليها مع الإخلال بسائر الأجزاء والشرائط عند الأعميّ (٤) ؛ مع أنّه يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو المأمور به بأجزائه وشرائطه مجازا عنده ، وكان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ (٥) ، لا من باب إطلاق الكلّيّ على الفرد والجزئيّ ـ كما هو واضح ـ ، ولا يلتزم به القائل بالأعمّ ، فافهم.

ثانيها : أن تكون موضوعة لمعظم الأجزاء الّتي تدور مدارها التسمية عرفا.

__________________

(١) من قبيل اتّحاد الكلّي مع أفراده.

(٢) وهذا ما استظهره الشيخ الأعظم الأنصاريّ ـ على ما في مطارح الأنظار : ٧ ـ من كلام المحقّق القميّ في قوانين الاصول ١ : ٦٠.

وذهب إليه السيّد المحقّق الخوئيّ ـ بعد دفع ما أورد عليه المصنّف والمحقّق النائينيّ ـ. محاضرات في اصول الفقه ١ : ١٥٧ ـ ١٦٣.

(٣) كما تصدق الصّلاة على صلاة الجالس الفاقدة للقيام ، فلا يكون هذا الجامع منعكسا.

(٤) فلا يكون هذا الجامع مطّردا.

(٥) لأنّ اللفظ موضوع لخصوص الأركان ، فاستعماله في المجموع وإطلاقه على الواجد لجميع الأجزاء والشرائط استعمال للّفظ الموضوع للجزء في الكلّ ، وهو مجاز.

فصدق الاسم كذلك يكشف عن وجود المسمّى ، وعدم صدقه عن عدمه (١).

وفيه ـ مضافا إلى ما اورد على الأوّل أخيرا (٢) ـ : أنّه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمّى ، فكان شيء واحد داخلا فيه تارة وخارجا عنه اخرى ، بل مردّدا بين أن يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الأجزاء ، وهو كما ترى ، سيّما إذا لوحظ هذا مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات (٣).

ثالثها : أن يكون وضعها كوضع الأعلام الشخصيّة ك «زيد» ، فكما لا يضرّ في التسمية فيها (٤) تبادل الحالات المختلفة من الصغر والكبر ونقص بعض الأجزاء وزيادته ، كذلك فيها (٥).

وفيه : أنّ الأعلام إنّما تكون موضوعة للأشخاص ، والتشخّص إنّما يكون بالوجود الخاصّ ، ويكون الشخص حقيقة باقيا ما دام وجوده باقيا وإن تغيّرت عوارضه من الزيادة والنقصان وغيرهما من الحالات والكيفيّات ، فكما لا يضرّ اختلافها في التشخّص لا يضرّ اختلافها في التسمية. وهذا بخلاف مثل ألفاظ العبادات ممّا كانت موضوعة للمركّبات والمقيّدات ، ولا يكاد يكون موضوعا له إلّا ما كان جامعا لشتاتها وحاويا لمتفرّقاتها ، كما عرفت في الصحيح منها.

رابعها : أنّ ما وضعت له الألفاظ ابتداء هو الصحيح التامّ الواجد لتمام الأجزاء

__________________

(١) هذا منسوب إلى جماعة من القائلين بالأعمّ ، راجع مطارح الأنظار : ٨.

(٢) وهو لزوم المجازيّة في استعمال اللفظ في الكلّ.

(٣) فإنّ معظم الأجزاء في صلاة المختار هو النيّة والتكبيرة والركوع والتشهّد والقيام ـ مثلا ـ ، وهو في صلاة العاجز عن القيام تلك الامور مجرّدة عن القيام ، فجزء واحد قد يكون داخلا في المعظم وقد يكون خارجا عنه ، فلا يعلم أنّ القيام داخل في المعظم أو خارج عنه.

وهذا الإيراد دفعه المحقّق الاصفهانيّ وصحّح كون الجامع هو المعظم بنحو آخر. وحاصله : أنّ إشكال تبادل أجزاء ماهيّة واحدة انّما يرد إذا لوحظت الأجزاء معيّنة لا مبهمة ، فيمكن تصحيح كون الجامع هو المعظم بنحو الإبهام. وتقريبه : أنّ الجامع الموضوع له هو سنخ عمل مبهم إلّا من بعض الجهات ، وهو قابل للانطباق على الكثير والقليل ، وتكون نسبته إلى الأفراد نسبة الكلّي إلى أفراده ، فيصدق على الأفراد المتبادلة بنحو البدل. نهاية الدراية ١ : ٧٦.

(٤) أي : في الأعلام الشخصيّة.

(٥) أي : في ألفاظ العبادات.