درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۲۲: صحیح و اعم ۶

 

والشرائط ، إلّا أنّ العرف يتسامحون ـ كما هو ديدنهم (١) ـ ويطلقون تلك الألفاظ على الفاقد للبعض تنزيلا له منزلة الواجد ، فلا يكون مجازا في الكلمة ـ على ما ذهب إليه السكّاكي في الاستعارة (٢) ـ ، بل يمكن دعوى صيرورته حقيقة فيه بعد الاستعمال فيه كذلك (٣) دفعة أو دفعات ، من دون حاجة إلى الكثرة والشهرة ، للانس الحاصل من جهة المشابهة في الصورة أو المشاركة في التأثير. كما في أسامي المعاجين الموضوعة ابتداء لخصوص مركّبات واجدة لأجزاء خاصّة ، حيث يصحّ إطلاقها على الفاقد لبعض الأجزاء المشابه له صورة والمشارك (٤) في المهمّ أثرا ، تنزيلا أو حقيقة.

وفيه : أنّه إنّما يتمّ في مثل أسامي المعاجين وسائر المركّبات الخارجيّة ممّا يكون الموضوع له فيها ابتداء مركّبا خاصّا. ولا يكاد يتمّ في مثل العبادات الّتي عرفت أنّ الصحيح منها يختلف حسب اختلاف الحالات وكون الصحيح بحسب حالة فاسدا بحسب حالة اخرى ، كما لا يخفى ، فتأمّل جيّدا.

خامسها : أن يكون حالها حال أسامي المقادير والأوزان ، مثل المثقال والحقّة والوزنة إلى غير ذلك ممّا لا شبهة في كونها حقيقة في الزائد والناقص في الجملة ، فإنّ الواضع وإن لاحظ مقدارا خاصّا إلّا أنّه لم يضع له بخصوصه ، بل للأعمّ منه ومن الزائد والناقص ، أو أنّه وإن خصّ به أوّلا إلّا أنّه بالاستعمال كثيرا فيهما (٥) ـ بعناية أنّهما منه ـ قد صار حقيقة في الأعمّ ثانيا.

وفيه : أنّ الصحيح ـ كما عرفت في الوجه السابق ـ يختلف زيادة ونقيصة فلا يكون هناك ما يلاحظ الزائد والناقص بالقياس عليه كي يوضع اللفظ لما هو الأعمّ ، فتدبّر جيّدا.

__________________

(١) أي : دأبهم وعادتهم.

(٢) مفتاح العلوم : ١٥٦.

(٣) أي : يمكن دعوى صيرورة اللفظ حقيقة في الفاقد بعد استعماله فيه تنزيلا له منزلة الواجد.

(٤) المشابه والمشارك وصفان لقوله : «الفاقد».

(٥) أي : في الزائد والناقص.

[٤ ـ الوضع والموضوع له في ألفاظ العبادات]

منها : أنّ الظاهر أن يكون الوضع والموضوع له في ألفاظ العبادات عامّين.

واحتمال كون الموضوع له خاصّا بعيد جدّا ، لاستلزامه كون استعمالها في الجامع ـ في مثل : «الصّلاة تنهى عن الفحشاء» (١) و «الصّلاة معراج المؤمن» (٢) و «عمود الدين» (٣) و «الصوم جنّة من النار» (٤) ـ مجازا ، أو منع استعمالها فيه في مثلها. وكلّ منهما بعيد إلى الغاية (٥) ، كما لا يخفى على اولي النهاية (٦).

[٥ ـ ثمرة النزاع]

ومنها : أنّ ثمرة النزاع إجمال الخطاب على القول الصحيحيّ (٧) وعدم جواز الرجوع إلى إطلاقه في رفع ما إذا شكّ في جزئيّة شيء للمأمور به أو شرطيّته أصلا ، لاحتمال دخوله في المسمّى كما لا يخفى (٨) ، وجواز الرجوع إليه في ذلك على

__________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. العنكبوت / ٤٥.

(٢) الاعتقادات للشيخ ٢ : ٣٩.

(٣) دعائم الإسلام ١ : ١٣٣. وسقط في بعض النسخ.

(٤) المحاسن (للبرقي) : ٢٨٦ ، الحديث ٤٣٠.

(٥) أمّا الأوّل : فلأنّ استعمال الألفاظ الموضوعة للأفراد في الجامع يحتاج إلى قرينة ، وهي مفقودة في المقام. وأمّا الثاني : فلأنّ المتبادر إلى الذهن في مثل هذه التراكيب طبيعيّ الصّلاة ، لا أفرادها.

(٦) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «اولى النهى» ، فإنّ النهى جمع النهية أي : العقل.

وأمّا النهاية فليس معناها إلّا غاية الشيء ، وهو لا يناسب المقام.

(٧) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «قول الصحيحيّ».

(٨) بيان ذلك : أنّ إحراز صدق اللفظ المطلق على الفرد المشكوك فيه شرط في التمسّك بالإطلاق. وهذا مفقود في المقام على القول بوضع اللفظ للصحيح ، لأنّ كلّ ما يشكّ في اعتباره ـ جزءا وشرطا ـ في المأمور به يحتمل أن يكون دخيلا في المسمّى ، فلا يحرز صدق اللفظ على فاقده حتّى يتمسّك بإطلاقه في نفى اعتباره في المأمور به. وأمّا على القول بوضع اللفظ للأعمّ فلا شكّ أنّ اللفظ يصدق على الفاقد كما يصدق على الواجد ، فيجدي التمسّك بإطلاقه فى نفى اعتبار المشكوك فيه في المأمور به.

القول الأعمّيّ (١) في غير ما احتمل دخوله فيه (٢) ممّا شكّ في جزئيّته أو شرطيّته (٣).

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «على قول الأعمّيّ».

(٢) أي : في المسمّى.

(٣) لا يخفى عليك : أنّه قد يورد على هذه الثمرة بوجوه :

الأوّل : ما ذكره المحقّق العراقيّ ، وحاصله : أنّه لا فرق بين القولين في عدم إمكان التمسّك بالإطلاق عند الشك في اعتبار جزء أو قيد ، لأنّ الإطلاقات الواردة في الكتاب مهملة وليست في مقام البيان ، بل كلّها في مقام التشريع بلا نظر إلى خصوصيّتها من الكمّيّة والكيفيّة. نهاية الأفكار ١ : ٩٦.

وقد تصدّى الأعلام لرفع هذا الإيراد بوجوه :

منها : ما ذكره المحقّق النائينيّ من أنّ مطلقات الكتاب والسنّة وإن لم يكن واردا في مقام البيان إلّا أنّه يكفي في الثمرة فرض وجود مطلق في مقام بيان. أجود التقريرات ١ : ٤٥.

ومنها : ما ذكره المحقّق الاصفهانيّ من أنّ الثمرة هي إمكان التمسّك بالإطلاق ، لا فعليّته ، فعدم فعليّة التمسّك لعدم وقوع المطلق في مقام البيان لا ينفي إمكان التمسّك. بحوث في الاصول ١ : ٣٨.

ومنها : ما ذكره المحقّق الخوئيّ من إنكار دعوى عدم وجود مطلق في الكتاب والسنّة يكون واردا مورد البيان ، إذ قوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ـ البقرة / ١٨٣ ـ وارد مورد البيان ، فيكون موردا للثمرة المذكورة. المحاضرات ١ : ١٧٨.

الثاني : ما تعرّض له الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٩. وحاصله : أنّ اللفظ وإن كان ينطبق على الصحيح والفاسد على القول بالوضع للأعمّ ، إلّا أنّ المأمور به خصوص الصحيح على القولين ، ومعه لا يصحّ التمسّك بالإطلاق عند الشكّ ، لا على قول الصحيحيّ ولا على الأعمّي ، فإنّ التمسّك بالإطلاق في مورد الشكّ بعد إحراز تقييد المأمور به بالصحيح من التمسّك بالإطلاق في الشبهة المصداقيّة ، وهو ممنوع.

واختلفت كلمات الأعلام في الإجابة عن هذا الإيراد ، والمهمّ منها وجوه :

الأوّل : أنّ المخصّص لبّيّ غير ارتكازيّ ، وفي مثله يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة. بدائع الأفكار (للمحقّق العراقيّ) ١ : ١٣٠.

الثاني : أنّ الأوامر متعلّقة بنفس العناوين على الأعمّ ، ولا ينافي تقيّدها بقيود منفصلة ، فإذا ورد مطلق في مقام البيان نأخذ بإطلاقه ما لم يرد مقيّد ، ونحكم بصحّة المأتيّ به. مناهج الوصول ١ : ١٦٢.

الثالث : أنّ المأمور به على كلا القولين وإن كان هو الصّلاة الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط ، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا ، إلّا أنّ الاختلاف بينهما في أنّ صدق اللفظ ـ

نعم لا بدّ في الرجوع إليه (١) فيما ذكر من كونه (٢) واردا مورد البيان ، كما لا بدّ منه في الرجوع إلى سائر المطلقات ؛ وبدونه لا مرجع أيضا إلّا البراءة أو الاشتغال ، على الخلاف في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.

وقد انقدح بذلك أنّ الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال في موارد إجمال الخطاب أو إهماله على القولين (٣). فلا وجه لجعل الثمرة هو الرجوع (٤) إلى البراءة على الأعمّ والاشتغال على الصحيح ، ولذا ذهب المشهور إلى البراءة مع ذهابهم إلى الصحيح (٥).

__________________

ـ على الفاقد لما يشكّ في اعتباره معلوم على قول الأعمّي ، وانّما الشكّ في اعتبار أمر زائد عليه ؛ وأمّا على الصحيحيّ فالصدق غير معلوم ؛ وعليه يجوز التمسّك بالإطلاق على القول بالأعمّ دون القول بالصحيح. محاضرات في اصول الفقه ١ : ١٨١.

الثالث : أنّ الثمرة للمسألة الاصوليّة ليست إلّا الوقوع في طريق استنباط الحكم الفرعيّ ، وهو مفقود في المقام ، لأنّ إمكان التمسّك بالإطلاق وعدمه المترتّب على مسألة الصحيح والأعمّ ليس مسألة فقهيّة ، لكي تكون هذه المسألة ممّا يقع في طريق استنباطه ، بل هو بنفسه مسألة اصوليّة.

وهذا الإيراد أقوى من السابقين ، كما لا يخفى.

(١) أي : في التمسّك بالإطلاق.

(٢) أي : الإطلاق.

(٣) أي : على قول الصحيحيّ والأعمّي.

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «هي الرجوع».

(٥) وقد خالفه المحقّق النائينيّ ـ في فوائد الاصول ١ : ٧٩ ـ وجعل ثمرة النزاع ـ بعد انكار الثمرة الاولى ـ هي جريان البراءة على قول الأعمّي والاشتغال على قول الصحيحيّ.

وخالفه أيضا السيّد الإمام الخمينيّ ـ في مناهج الوصول ١ : ١٦٠ ـ وجعل القول بالبراءة والاشتغال ثمرة القول بالأعمّ والصحيح.

ولكن لا يخفى : أنّ مخالفتهما معه ناشئة من الاختلاف في مبناهم في تصوير الجامع الصحيحيّ. بيان ذلك : أنّه لو قلنا بأنّ الجامع على القول بالصحيح جامع بسيط حقيقيّ ذاتيّ مقوليّ ـ كما قال به المحقّق الخراسانيّ ـ أو قلنا بأنّ الجامع جامع مركّب يعرّفه النهي عن الفحشاء ـ كما قال به المحقّق الاصفهانيّ ـ يكون الشكّ في الأقلّ والأكثر من موارد البراءة ، فلا وجه لجعل الثمرة الرجوع إلى البراءة على الأعمّ والاشتغال على الصحيح. وأمّا لو قلنا بأنّ الجامع على القول بالصحيح جامع بسيط عنوانيّ أو جامع مركّب مقيّد بالنهي عن الفحشاء ـ كما التزم بهما المحقّق النائينيّ ـ أو هيئة خاصّة حالّة في الأجزاء الخاصّة ـ كما أفاده السيّد الإمام الخمينيّ ـ يكون مورد الشكّ في الأقلّ والأكثر من موارد الاشتغال ، فيصحّ جعل الرجوع إلى البراءة ـ على الأعمّي ـ وإلى الاشتغال ـ على الصحيحيّ ـ ثمرة للقولين.