درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۶۴: صیغه‌ی امر ۱

 

الفصل الثاني

فيما يتعلّق بصيغة الأمر

وفيه مباحث :

المبحث الأوّل

[معنى صيغة الأمر]

أنّه ربما يذكر للصيغة معان قد استعملت فيها ، وقد عدّ منها الترجّي والتمنّي والتهديد والإنذار والإهانة والاحتقار والتعجيز والتسخير (١) ... إلى غير ذلك (٢).

وهذا كما ترى ، ضرورة أنّ الصيغة ما استعملت في واحد منها ، بل لم يستعمل إلّا

__________________

(١) الترجّي والتمنّي كقول امرئ القيس الشاعر : «ألا أيّها الليل الطويل انجل». ديوان امرئ القيس : ٤٩.

والتهديد كقوله تعالى : ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.﴾ فصّلت / ٤٠.

والإنذار كقوله تعالى : ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً.﴾ الزمر / ٨.

والإهانة كقوله تعالى : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ.﴾ الدخان / ٤٩.

والاحتقار كقوله تعالى : ﴿اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ.﴾ المؤمنون / ١٠٨.

والتعجيز كقوله تعالى : ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.﴾ البقرة / ٢٣.

والتسخير كقوله تعالى : ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.﴾ البقرة / ٦٥.

(٢) كالاستعانة والتكذيب والمشورة والتسوية وغيرها.

في إنشاء الطلب (١) ، إلّا أنّ الداعي إلى ذلك (٢) كما يكون تارة هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعيّ يكون اخرى أحد هذه الامور ، كما لا يخفى.

قصارى ما يمكن أن يدّعى أن تكون الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب (٣) فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك ، لا بداع آخر منها (٤) ، فيكون إنشاء الطلب بها (٥) بعثا (٦) حقيقة ، وإنشاؤه بها تهديدا مجازا. وهذا غير كونها مستعملة في التهديد وغيره ، فلا تغفل(٧).

__________________

(١) والأولى أن يقول : «بل لم تستعمل إلّا في الطلب». والوجه في الأولويّة أنّ الظاهر من قوله : «إلّا في إنشاء الطلب» أنّ الصيغة تستعمل في إنشاء الطلب ، فالإنشائيّة داخلة في المستعمل فيه. وهذا ينافي ما ذكره في الأمر الثاني من الأمور المذكورة في المقدّمة من أنّ الإنشائيّة والإخباريّة من مقوّمات الاستعمال ، لا المستعمل فيه.

(٢) أي : إنشاء الطلب.

(٣) والأولى أن يقول : «أن تكون الصيغة موضوعة للطلب في مقام الإنشاء ...». وذلك لأنّه قد تقدّم منه أنّ الصيغ الإنشائيّة موجدة لمعانيها في نفس الأمر ، فالصيغة تتكفّل ايجاد المعنى بوجود انشائيّ. وعليه يصحّ أن يقال : «إنّ صيغة الأمر موضوعة للطلب في مقام الإنشاء ...» ، لأنّ الطلب قابل للإنشاء والإيجاد بالصيغة ، ولا يصحّ أن يقال : «إنّ صيغة الأمر موضوعة لإنشاء الطلب» ، لأنّ الصيغ الإنشائيّة موجدة لمعانيها ، فلا يكون معناها إلّا ما يقبل الوجود بها ، ولا شكّ أنّ انشاء الطلب غير قابل للإنشاء والإيجاد بالصيغة ، ضرورة أنّ الإنشاء لا يقبل الإنشاء والإيجاد مرّة اخرى ، فإذن لا يكون إنشاء الطلب معنى صيغة الأمر كي يصحّ أن يقال : «صيغة الأمر موضوعة لإنشاء الطلب».

اللهم إلّا أن يقال : إنّ اللام في قوله : «لإنشاء الطلب» ليست لام الإضافة ، بل هي لام الغاية. ومراده أنّ الصيغة موضوعة للطلب لأجل إنشائه بالصيغة. لكنّه خلاف ظاهر عبارته.

(٤) أي : من الدواعي.

(٥) أي : بالصيغة. ومرّ ما فيه.

(٦) أي : بداعي البعث.

(٧) والظاهر من المحقّق الاصفهانيّ أنّ الموضوع له صيغة الأمر هو النسبة الطلبيّة ، حيث قال : «مفاد الهيئة ـ كما هو ـ بمعنى البعث والطلب الملحوظ نسبة بين المادّة والمتكلّم والمخاطب». نهاية الدراية ١ : ٢١٤.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ هيئة الأمر انّما تدلّ على النسبة الإيقاعيّة ، فالصيغة موضوعة لإيقاع النسبة بين المبدأ والفاعل ، من دون أن تكون مستعملة في الطلب أو في التهديد أو غيرهما. فوائد الاصول ١ : ١٢٩ ـ ١٣٠. ـ

إيقاظ : [جريان الكلام في سائر الصيغ الإنشائيّة]

لا يخفى : أنّ ما ذكرناه في صيغة الأمر جار في سائر الصيغ الإنشائيّة ، فكما يكون الداعي إلى إنشاء التمنّي أو الترجّي أو الاستفهام بصيغها تارة هو ثبوت هذه الصفات حقيقة يكون الداعي غيرها اخرى (١). فلا وجه للالتزام بانسلاخ صيغها عنها واستعمالها في غيرها إذا وقعت في كلامه تعالى ـ لاستحالة (٢) مثل هذه المعاني في حقّه تبارك وتعالى ممّا لازمه العجز أو الجهل ـ ، وأنّه لا وجه له (٣) ، فإنّ المستحيل إنّما هو الحقيقيّ منها ، لا الإنشائيّ الإيقاعيّ الّذي يكون بمجرّد قصد حصوله بالصيغة ـ كما عرفت ـ. ففي كلامه تعالى قد استعملت في معانيها الإيقاعيّة الإنشائيّة أيضا ، لا لإظهار ثبوتها حقيقة ، بل لأمر آخر ـ حسبما تقتضيه الحال ـ من إظهار المحبّة (٤) أو الإنكار (٥) أو التقرير (٦) ... إلى غير ذلك.

ومنه ظهر أنّ ما ذكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام ليس كما ينبغي أيضا.

__________________

ـ وذهب المحقّق العراقيّ إلى أنّها موضوعة للنسبة الإرساليّة والمحرّكيّة بين المبدأ والفاعل.

نهاية الأفكار ١ : ١٧٨ ـ ١٧٩.

واختار السيّد الإمام الخمينيّ أنّ الصيغة موضوعة للبعث والإغراء. مناهج الوصول ١ : ٢٤٣ ـ ٢٤٥.

وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى أنّها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباريّ النفسانيّ في الخارج ـ أي اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف في الخارج ـ. محاضرات في اصول الفقه ٢ : ١٢٢ ـ ١٢٣.

(١) هكذا في النسخ. والأولى تذكير الضمير ، كي يرجع إلى «ثبوت».

(٢) تعليل للالتزام بالانسلاخ.

(٣) تأكيد لقوله : «فلا وجه للالتزام ...».

(٤) كقوله تعالى : ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ المائدة / ١٠٠. فاستعمل «لعلّ» في معناه الإيقاعيّ لإظهار محبّة فلاح المؤمنين.

(٥) كقوله تعالى : ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ.﴾ النمل / ٦٠ ـ ٦٤.

(٦) كقوله تعالى : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.﴾ الشرح / ١.