درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۶۹: صیغه‌ی امر ۶

 

إن قلت : نعم ، لكن هذا كلّه إذا كان اعتباره في المأمور به بأمر واحد ، وأمّا إذا كان بأمرين تعلّق أحدهما بذات الفعل ، وثانيهما بإتيانه بداعي أمره فلا محذور أصلا كما لا يخفى (١) ، فللآمر أن يتوسّل بذلك في الوصلة إلى تمام غرضه ومقصده بلا شبهة (٢).

قلت : ـ مضافا إلى القطع بأنّه ليس في العبادات إلّا أمر واحد ، كغيرها من الواجبات والمستحبّات ، غاية الأمر يدور مدار الامتثال وجودا وعدما فيها المثوبات والعقوبات. بخلاف ما عداها ، فيدور فيه خصوص المثوبات ، وأمّا العقوبة فمترتّبة على ترك الطاعة ومطلق الموافقة ـ إنّ الأمر الأوّل إن كان يسقط بمجرّد موافقته ولو لم يقصد به الامتثال ـ كما هو قضيّة الأمر الثاني ـ فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الأوّل بدون قصد امتثاله ، فلا يتوسّل الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة ؛ وإن لم يكد يسقط بذلك ، فلا يكاد يكون له وجه إلّا عدم حصول غرضه بذلك من أمره ، لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله ، وإلّا لما كان موجبا لحدوثه ، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدّد الأمر ، لاستقلال العقل ـ مع عدم حصول غرض الآمر بمجرّد موافقة الأمر ـ بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط أمره (٣).

__________________

ـ وإن اريد منه أنّه يلزم أن يكون الأمر المحرّك للمكلّف تكوينا محرّكا إلى محرّكيّة نفسه كذلك ، فهو ممنوع أيضا ؛ لأنّ الأمر لا يكون محرّكا أصلا ، بل ليس له شأن إلّا إنشاء البعث على موضوع خاصّ ، فإن كان العبد مطيعا للمولى لحصول أحد المبادئ المتقدّمة في نفسه ورأى أنّ إطاعته لا تتحقّق إلّا بإتيان الصلاة المتقيّدة ، فلا محالة يأتي بها كذلك ، وهو أمر ممكن». مناهج الوصول ١ : ٢٦٦ ـ ٢٦٧.

(١) هكذا أفاد المحقّق الرشتيّ في بدائع الأفكار : ٣٣٥. زعما أنّه مراد الشيخ الأنصاريّ في التفصّي عن إشكال عباديّة الطهارات الثلاث. ولكن يأتي في مبحث مقدّمة الواجب أنّ الشيخ لم يلتزم بوجود الأمرين أصلا ، بل صرّح بأنّ الأمر بذات العمل مغن عن أمر آخر.

(٢) وفي بعض النسخ : «بلا منعة».

(٣) وقد استشكل فيه الأعلام الثلاثة :

أمّا المحقّق الاصفهانيّ : فأورد على كلا شقّي الترديد وادّعى امكان الالتزام بالشقّين من دون محذور : ـ

هذا كلّه إذا كان التقرّب المعتبر في العبادة بمعنى قصد الامتثال.

وأمّا إذا كان بمعنى الإتيان بالفعل بداعي حسنه أو كونه ذا مصلحة ، فاعتباره في متعلّق الأمر وإن كان بمكان من الإمكان (١) إلّا أنّه غير معتبر فيه قطعا ، لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال الّذي عرفت عدم إمكان أخذه فيه بداهة (٢).

__________________

ـ أمّا الشقّ الأوّل : فلأنّ ذات الصلاة ـ مثلا ـ لها مصلحة ملزمة ، وللصلاة المأتي بها بداعي أمرها مصلحة ملزمة اخرى ، فبموافقة الأمر الأوّل تحصل المصلحة القائمة بذات الصلاة ويسقط ، ولكن حيث أنّ المصلحة القائمة بالمأتي به بداعي الامتثال الأمر الأوّل لازمة الاستيفاء فيبدّل الامتثال بامتثال آخر ويجب إعادة المأتيّ به بداعي الأمر الأوّل.

وأمّا الشقّ الثاني : فلأنّ الأمر الأوّل لا يسقط بمجرّد موافقته ، ولا يلزم لغويّة الأمر الثاني ، فإنّ لزوم الإتيان بقصد القربة إمّا من باب حكم العقل بلزوم الإتيان به بعنوانه ، وهو ممنوع ؛ أو من باب حكم العقل بلزوم الإتيان بما يحتمل دخله في الغرض ، وهو ممنوع أيضا ، لأنّه انّما يحكم بذلك فيما إذا لا يتمكّن الآمر من بيانه ولو بأمر آخر ، والمفروض أنّه يتمكّن من بيانه بالأمر الثاني. نهاية الدراية ١ : ٢٣٤ ـ ٢٣٧.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فأورد على الشقّ الثاني بأنّ انتفاء قابليّة الأمر للداعويّة لا يستلزم امتناع ثبوته بعد تصوّر غرض آخر له ، كايضاح المأمور به للمكلّف ، فلا يكون الأمر الثاني لغوا. بدائع الأفكار ١ : ٢٣٢.

وأمّا المحقّق النائينيّ : فأورد على الشقّ الثاني بأنّ وظيفة العقل هي إدراك تعلّق إرادة الشارع بشيء وعدمه. وأمّا الآمريّة فليست من شئونه حتّى يكون شارعا في قبال الشارع ، فلا بدّ في حصول الغرض من تعدّد الأمر وكون الأمر الثاني داعيا إلى ما لا يدعو إليه الأمر الأوّل. وليس هذان الأمران عن ملاك يختصّ بكلّ واحد منهما حتّى يكون من قبيل الواجب في الواجب ، بل هناك ملاك واحد لا يمكن استيفاؤه بأمر واحد. ومن هنا اصطلحنا على الأمر الثاني ب «متمّم الجعل» ، ومعناه : تتميم الجعل الأوّلي الّذي لم يستوف تمام غرض المولى. أجود التقريرات ١ : ١١٦ ، وفوائد الاصول ١ : ١٦٢.

وبالجملة : فالأعلام ذهبوا إلى عدم الإشكال في أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر الثاني لو قلنا بتعدّد الأمر ، كما قال به الشيخ الأعظم الأنصاريّ.

(١) وخالفه المحقّق النائينيّ ، فذهب إلى امتناع أخذ سائر الدواعي القربيّة أيضا في متعلّق الأمر. راجع فوائد الاصول ١ : ٢٥١ ، أجود التقريرات ١ : ١٠٩.

(٢) وقد خالفه تلميذه المحقّق العراقيّ حيث ذهب في بدو الأمر إلى الامتناع ثمّ تفرّد بتحرير يفيد ـ بزعمه ـ إمكان أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر. بدائع الأفكار ١ : ٢٣٢ ـ ٢٣٤. ـ

تأمّل فيما ذكرناه في المقام تعرف حقيقة المرام ، كيلا تقع فيما وقع فيه من الاشتباه بعض الأعلام.

ثالثها (١) : [في عدم صحّة الاستدلال بإطلاق الأمر على عدم اعتبار قصد القربة]

إنّه إذا عرفت بما لا مزيد عليه عدم إمكان أخذ قصد الامتثال في المأمور به أصلا ، فلا مجال للاستدلال بإطلاقه (٢) ـ ولو كان مسوقا في مقام البيان ـ على عدم اعتباره ، كما هو أوضح من أن يخفى ، فلا يكاد يصحّ التمسّك به إلّا فيما يمكن اعتباره فيه.

فانقدح بذلك أنّه لا وجه لاستظهار التوصّليّة من إطلاق الصيغة بمادّتها (٣) ، ولا لاستظهار عدم اعتبار مثل الوجه ممّا هو ناشئ من قبل الأمر من إطلاق المادّة في العبادة لو شكّ في اعتباره فيها.

نعم ، إذا كان الآمر في مقام بصدد بيان تمام ما له دخل في حصول غرضه وإن لم يكن له دخل في متعلّق أمره ، ومعه سكت في المقام ، ولم ينصب دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله ، كان هذا قرينة على عدم دخله في غرضه (٤) ، وإلّا لكان سكوته نقضا له وخلاف الحكمة.

__________________

ـ وخالفه أيضا السيّدان العلمان : الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ، فذهبا إلى جواز أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر ولو لم نقل بتعدّد الأمر. فراجع مناهج الوصول ١ : ٢٦٠ ، والمحاضرات ٢ : ١٧٢.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «ثالثتها».

(٢) أي : إطلاق الأمر.

(٣) لعلّه تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث قال ـ على ما في تقريرات بحثه ـ : «فالحقّ الحقيق بالتصديق هو أنّ ظاهر الأمر يقتضى التوصّليّة ...». مطارح الأنظار : ٦١.

ولكن لا يخفى : أنّه لا بدّ من حمل كلام الشيخ على الإطلاق المقامي ، ضرورة أنّه أنكر التمسّك بالإطلاق اللفظيّ لإثبات التوصّليّة ، فاستظهاره في المقام أجنبيّ عن مورد البحث.

نعم ، ذهب السيّد المحقّق الخوئيّ والسيّد الإمام الخمينيّ إلى أصالة التوصليّة تمسّكا بإطلاق الصيغة. راجع المحاضرات ٢ : ١٧٢ ، ومناهج الوصول ١ : ٢٧٤.

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «في حصول غرضه».