درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۷۱: صیغه‌ی امر ۸

 

نعم ، يمكن أن يقال : إنّ كلّ ما يحتمل بدوا دخله في امتثال أمر وكان (١) ممّا تغفل عنه غالبا العامّة ، كان على الآمر بيانه ونصب قرينة على دخله واقعا ، وإلّا لأخلّ بما هو همّه وغرضه. أمّا إذا لم ينصب دلالة على دخله كشف عن عدم دخله. وبذلك يمكن القطع بعدم دخل الوجه والتميّز (٢) في الطاعة بالعبادة ، حيث ليس منهما عين ولا أثر في الأخبار والآثار ، وكانا ممّا تغفل عنه العامّة ، وإن احتمل اعتباره (٣) بعض الخاصّة (٤) ، فتدبّر جيّدا.

ثمّ إنّه لا أظنّك أن تتوهّم وتقول : «إنّ أدلّة البراءة الشرعيّة (٥) مقتضية لعدم الاعتبار ، وإن كان قضيّة الاشتغال عقلا هو الاعتبار (٦)» ؛ لوضوح أنّه لا بدّ في عمومها من شيء قابل للرفع والوضع شرعا ، وليس هاهنا ، فإنّ دخل قصد القربة ونحوها في الغرض ليس بشرعيّ ، بل واقعيّ. ودخل الجزء والشرط فيه وإن كان

__________________

ـ وأمّا الثانية : فخالفه الأعلام الثلاثة ، فراجع نهاية الدراية ١ : ٢٣٤ ـ ٢٣٧ ، بدائع الأفكار (للمحقّق العراقيّ) ١ : ٢٣٢ ، فوائد الاصول ١ : ١٦٢.

وأمّا الرابعة : فهي الموافق للمشهور. وخالفه فيها المحقّق الاصفهانيّ ، فقال : «يمكن القول بالبراءة هنا ، وإن قلنا بالاحتياط في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين». نهاية الدراية ١ : ٢٤٤.

وأمّا الخامسة : فهي توافق ما رامه الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٦١. ولكن خالفه المحقّق الحائريّ والأعلام الثلاثة والسيّدان العلمان. فراجع درر الفوائد ١ : ٦٨ نهاية الدراية ١ : ٢٤٤ ، فوائد الاصول ١ : ١٦٨ ، نهاية الأفكار ١ : ٢٠٢ ، المحاضرات ٢ : ١٩٣ ، مناهج الوصول ١ : ٢٧٨.

وعلى المتتبّع أن يرجع كلماتهم حتّى يظهر اختلافهم في هذا المقال تفصيلا وإطلاقا.

(١) هكذا في النسخة المطبوعة ـ بالطبع الحجريّ ـ المذيّلة بحاشية العلّامة المشكينيّ ، وهو الصحيح.

وفي بعض النسخ المخطوطة : «كلّ ما ربّما يحتمل بدوا دخله في الامتثال أمرا كان ...» ، وهو غلط.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «التمييز».

(٣) أي : اعتبار الوجه والتمييز. والإفراد باعتبار رجوعه إلى «ما».

(٤) وهو بعض المتكلّمين والفقهاء. لاحظ جواهر الكلام ٩ : ١٦٠ ـ ١٦٣.

(٥) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رفع ما لا يعلمون» و «الناس في سعة ما لا يعلمون».

(٦) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «وإن كانت قضيّة الاشتغال عقلا هي الاعتبار».

كذلك (١) إلّا أنّهما قابلان للوضع والرفع شرعا. فبدليل الرفع ـ ولو كان أصلا ـ يكشف أنّه ليس هناك أمر فعليّ بما يعتبر فيه المشكوك يجب الخروج عن عهدته عقلا ، بخلاف المقام ، فإنّه علم بثبوت الأمر الفعليّ (٢) ، كما عرفت (٣) ، فافهم.

المبحث السادس

[مقتضى إطلاق الصيغة هو الوجوب النفسيّ التعيينيّ العينيّ]

قضيّة إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيّا تعيينيّا عينيّا (٤) ، لكون كلّ واحد ممّا يقابلها يكون فيه تقيّد الوجوب وتضيّق دائرته (٥). فإذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة عليه ، فالحكمة تقتضي كونه مطلقا (٦) ، وجب هناك شيء آخر أو لا ،

__________________

(١) أي : واقعيّا.

(٢) وهو حكم العقل بلزوم تحصيل العلم بالفراغ.

(٣) قبل أسطر ، حيث قال : «فاعلم أنّه لا مجال هاهنا ...».

(٤) الواجب النفسيّ هو الواجب لنفسه لا لأجل واجب آخر ، كالصلاة اليوميّة. ويقابله الواجب الغيريّ ، كالوضوء.

والواجب التعيينيّ هو الواجب بلا واجب آخر يكون بديلا عنه في عرضه ، كالصلاة اليوميّة. ويقابله الواجب التخييريّ ، كخصال كفّارة الإفطار العمديّ في شهر رمضان.

والواجب العينيّ ما يتعلّق بالمكلّف بشخصه ولا يسقط بفعل الغير ، كالصوم. ويقابله الواجب الكفائيّ ، كصلاة الميّت.

وسيأتي توضيح بعض الأقسام إن شاء الله.

(٥) والأولى أن يقول : «لما في كلّ واحد من مقابلاتها من تقيّد الوجوب وتضيّق دائرته». بيان ذلك : أنّ كلّ واحد من الوجوب الغيريّ والتخييريّ والكفائيّ مقيّد بقيد وجوديّ. فالأوّل مقيّد بكونه منبعثا عن وجوب آخر ، والثاني مقيّد بكونه ذا عدل ، والثالث مقيّد بسقوطه بفعل الغير.

فالنفسيّة ليست إلّا عدم كون الوجوب منبعثا عن وجوب آخر ، والتعيينيّة هي عدم كون الوجوب ذا عدل ، والعينيّة ليست إلّا عدم سقوطه بفعل الغير. وعدم القرينة على القيود الوجوديّة دليل على عدمها.

(٦) وأورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ بما حاصله : أنّ مقدّمات الحكمة لا تقتضي النفسيّة أو التعيينيّة أو العينيّة ، كما لا تقتضي مقابلاتها ، فإنّ النفسيّة والتعيينيّة والعينيّة مباينة مع مقابلاتها ، وكلّ منها يمتاز عن مقابله بقيد وجوديّ أو عدميّ ، فهي ومقابلاتها خصوصيّات ـ

أتى بشيء آخر أو لا ، أتى به آخر أو لا ، كما هو واضح لا يخفى.

المبحث السابع

[الأمر عقيب الحظر أو توهّمه]

انّه اختلف القائلون بظهور صيغة الأمر في الوجوب ـ وضعا أو إطلاقا ـ فيما إذا وقع (١) عقيب الحظر أو في مقام توهّمه على أقوال.

نسب إلى المشهور ظهورها في الإباحة (٢) ، وإلى بعض العامّة ظهورها في الوجوب (٣) ، وإلى بعض تبعيّته (٤) لما قبل النهي إن علّق الأمر بزوال علّة النهي (٥) ... إلى غير ذلك(٦).

والتحقيق : أنّه لا مجال للتشبّث بموارد الاستعمال ، فإنّه قلّ مورد منها يكون

__________________

ـ في الوجوب ، لا أنّ الوجوب التعيينيّ النفسيّ العينيّ نفس طبيعة الوجوب ومقابلاتها طبيعته مع قيد تطرأ عليها ، بل كلّها خصوصيّات زائدة على الطبيعة وتحتاج إلى بيان زائد.

ثمّ ذهب إلى أنّه يحمل الوجوب على النفسيّ والتعيينيّ والعينيّ ، لا لدلالة الهيئة على شيء منها ، بل لأنّ صدور الأمر عن المولى تمام الموضوع ـ عند العقلاء ـ لوجوب الطاعة ، ومعه لا مجال لإعذار المكلّف من نفسه باحتمال التخييريّة فيما إذا عدل إلى غيره ، أو باحتمال الكفائيّة فيما إذا تركه وأتى به غيره ، أو باحتمال الغيريّة فيما إذا تركه مع سقوط الوجوب عن الغير. مناهج الوصول ١ : ٢٨٢ ـ ٢٨٣.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «وقعت».

(٢) أي : الإباحة بالمعنى الأعمّ ـ أعنى : رفع الحجر والحظر ـ. كما ذهب إليه الآمديّ في الإحكام ٢ : ٣٩٨ ، والمحقّق القميّ في القوانين ١ : ٨٩.

وأمّا الاباحة بالمعنى الأخصّ فلم أعثر على من قال بظهورها فيها.

(٣) ذهب إليه بعض المخالفين ، كالحنفيّة ، والمعتزلة ، والقاضي الباقلانيّ والفخر الرازيّ ، والبيضاويّ. فراجع فواتح الرحموت (المطبوع بذيل المستصفى ١ : ٣٧٩) ، ونهاية السئول ٢ : ٢٧٢ ، والإحكام (للآمديّ) ٢ : ١٧٨.

(٤) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «تبعيّتها».

(٥) ذهب إلى هذا التفصيل العضديّ.

(٦) كقول الشيخ الطوسيّ والسيّد المرتضى من الرجوع إلى ما كان عليه سابقا قبل المنع مطلقا.

راجع العدّة ١ : ١٨٣ ، والذريعة إلى اصول الشريعة ١ : ٧٣.

خاليا عن قرينة على الوجوب أو الإباحة أو التبعيّة. ومع فرض التجريد عنها لم يظهر بعد كون عقيب الحظر موجبا لظهورها في غير ما تكون ظاهرة فيه ، غاية الأمر يكون موجبا لإجمالها ، غير ظاهرة في واحد منها إلّا بقرينة اخرى كما أشرنا (١).

المبحث الثامن

[عدم دلالة الصيغة على المرّة والتكرار]

الحقّ أنّ الصيغة (٢) مطلقا لا دلالة لها على المرّة ولا التكرار ، فإنّ المنصرف عنها ليس إلّا طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها ، فلا دلالة لها على أحدهما ، لا بهيئتها ولا بمادّتها.

والاكتفاء بالمرّة فإنّما هو لحصول الامتثال بها في الأمر بالطبيعة ، كما لا يخفى (٣).

ثمّ لا يذهب عليك أنّ الاتّفاق على أنّ المصدر المجرّد عن اللام والتنوين لا يدلّ إلّا على الماهيّة ـ على ما حكاه السكّاكيّ (٤) ـ لا يوجب كون النزاع هاهنا

__________________

(١) وتظهره الثمرة في مثل قوله تعالى : ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ المائدة / ٢ ، فإنّه أمر بالاصطياد ، وقع عقيب حرمة الاصطياد في حال الإحرام ، حيث قال تعالى : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ المائدة / ٩٥ ، فإذا قلنا بأنّ الأمر الواقع عقيب الحظر مجمل ولا ظهور له في شيء فلا يدلّ قوله تعالى : ﴿فَاصْطادُوا﴾ على الوجوب ولا على غيره ، ويرجع إلى الاصول العمليّة ، إلّا إذا قامت قرينة خاصّة على أحدها ، وإذا قلنا بأنّ الأمر الواقع عقيب الحظر ظاهر في الوجوب فيدلّ قوله تعالى : ﴿فَاصْطادُوا﴾ على الوجوب ، وهكذا.

(٢) وفي بعض النسخ : «صيغة الأمر».

(٣) هذا جواب عن اشكال مقدّر. وهو : أنّه لو لا دلالة الصيغة على المرّة لم يكتفى بالمرّة في مقام الامتثال؟ فالاكتفاء بالمرّة كاشف عن دلالتها على المرّة.

فأجاب عنه بأنّ الاكتفاء بالمرّة ليس لأجل دلالة الصيغة عليه ، بل هو لحكم العقل بحصول الامتثال بالمرّة فيما إذا امر بالطبيعة ، فإنّ الطبيعيّ يوجد بوجود فرده.

(٤) مفتاح العلوم (علم البيان) : ٩٣.