درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۷۲: صیغه‌ی امر ۹

 

خاليا عن قرينة على الوجوب أو الإباحة أو التبعيّة. ومع فرض التجريد عنها لم يظهر بعد كون عقيب الحظر موجبا لظهورها في غير ما تكون ظاهرة فيه ، غاية الأمر يكون موجبا لإجمالها ، غير ظاهرة في واحد منها إلّا بقرينة اخرى كما أشرنا (١).

المبحث الثامن

[عدم دلالة الصيغة على المرّة والتكرار]

الحقّ أنّ الصيغة (٢) مطلقا لا دلالة لها على المرّة ولا التكرار ، فإنّ المنصرف عنها ليس إلّا طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها ، فلا دلالة لها على أحدهما ، لا بهيئتها ولا بمادّتها.

والاكتفاء بالمرّة فإنّما هو لحصول الامتثال بها في الأمر بالطبيعة ، كما لا يخفى (٣).

ثمّ لا يذهب عليك أنّ الاتّفاق على أنّ المصدر المجرّد عن اللام والتنوين لا يدلّ إلّا على الماهيّة ـ على ما حكاه السكّاكيّ (٤) ـ لا يوجب كون النزاع هاهنا

__________________

(١) وتظهره الثمرة في مثل قوله تعالى : ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ المائدة / ٢ ، فإنّه أمر بالاصطياد ، وقع عقيب حرمة الاصطياد في حال الإحرام ، حيث قال تعالى : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ المائدة / ٩٥ ، فإذا قلنا بأنّ الأمر الواقع عقيب الحظر مجمل ولا ظهور له في شيء فلا يدلّ قوله تعالى : ﴿فَاصْطادُوا﴾ على الوجوب ولا على غيره ، ويرجع إلى الاصول العمليّة ، إلّا إذا قامت قرينة خاصّة على أحدها ، وإذا قلنا بأنّ الأمر الواقع عقيب الحظر ظاهر في الوجوب فيدلّ قوله تعالى : ﴿فَاصْطادُوا﴾ على الوجوب ، وهكذا.

(٢) وفي بعض النسخ : «صيغة الأمر».

(٣) هذا جواب عن اشكال مقدّر. وهو : أنّه لو لا دلالة الصيغة على المرّة لم يكتفى بالمرّة في مقام الامتثال؟ فالاكتفاء بالمرّة كاشف عن دلالتها على المرّة.

فأجاب عنه بأنّ الاكتفاء بالمرّة ليس لأجل دلالة الصيغة عليه ، بل هو لحكم العقل بحصول الامتثال بالمرّة فيما إذا امر بالطبيعة ، فإنّ الطبيعيّ يوجد بوجود فرده.

(٤) مفتاح العلوم (علم البيان) : ٩٣.

في الهيئة ـ كما في الفصول (١) ـ ، فإنّه غفلة وذهول عن كون المصدر (٢) كذلك لا يوجب الاتّفاق على أنّ مادّة الصيغة لا تدلّ إلّا على الماهيّة ، ضرورة أنّ المصدر ليست مادّة لسائر المشتقّات ، بل هو صيغة مثلها. كيف! وقد عرفت في باب المشتقّ (٣) مباينة المصدر وسائر المشتقّات بحسب المعنى (٤) ، فكيف بمعناه يكون مادّة لها؟ فعليه يمكن دعوى اعتبار المرّة أو التكرار في مادّتها ، كما لا يخفى.

إن قلت : فما معنى ما اشتهر من كون المصدر أصلا في الكلام؟

قلت : ـ مع أنّه محلّ الخلاف (٥) ـ معناه أنّ الّذي وضع أوّلا بالوضع الشخصيّ ثمّ بملاحظته وضع نوعيّا أو شخصيّا سائر الصيغ الّتي تناسبه (٦) ـ ممّا جمعه معه مادّة لفظ متصوّرة في كلّ منها ومنه بصورة ، ومعنى كذلك (٧) ـ هو المصدر أو الفعل ، فافهم.

ثمّ المراد بالمرّة والتكرار هل هو الدفعة والدفعات أو الفرد والأفراد (٨)؟

التحقيق : أن يقعا بكلا المعنيين محلّ النزاع ، وإن كان لفظهما ظاهرا في المعنى الأوّل.

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٧١.

(٢) هكذا في النسخ. ولكن الصحيح أن يقول : «عن أنّ كون المصدر».

(٣) في الأمر الثاني من مبحث المشتقّ ، فراجع الصفحة : ١٠٦.

(٤) فإنّ المصدر بمعناه يأبى عن الحمل ، والمشتقّ غير آب عن الحمل.

(٥) حيث ذهب الكوفيّون إلى أنّ الأصل في الكلام هو الفعل.

(٦) أي : تناسب ما وضع أوّلا بالوضع الشخصيّ.

(٧) المراد من «ما» الموصول في قوله : «ممّا» هو الصيغ ؛ والضمير في قوله : «جمعه» راجع إلى «ما» الموصول ، كما أنّ الضمير في قوله : «معه» راجع إلى ما وضع أوّلا. ومعنى العبارة : من الصيغ الّتي جمع تلك الصيغ مع ما وضع أوّلا مادّة لفظ ومادّة معنى متصوّرتان في كلّ من الصيغ وما وضع أوّلا بصورة مخصوصة ، كمادّة (ض ر ب) الّتي قد تتصوّر بصورة «ضرب» ، وقد تتصوّر بصورة «يضرب» ، وهكذا.

(٨) ذهب إلى الأوّل صاحب الفصول. وإلى الثاني صاحب القوانين. راجع الفصول الغرويّة الغرويّة : ٧١ ، وقوانين الاصول ١ : ٩٢.

وتوهّم أنّه لو اريد بالمرّة الفرد لكان الأنسب بل اللازم أن يجعل هذا المبحث تتمّة للمبحث الآتي من أنّ الأمر هل يتعلّق بالطبيعة أو بالفرد؟ فيقال عند ذلك : «وعلى تقدير تعلّقه بالفرد هل يقتضي التعلّق بالفرد الواحد أو المتعدّد ، أو لا يقتضي شيئا منهما؟». ولم يحتج إلى إفراد كلّ منهما بالبحث كما فعلوه ، وأمّا لو اريد بها الدفعة فلا علقة بين المسألتين كما لا يخفى (١) ؛ فاسد ، لعدم العلقة بينهما لو اريد بها الفرد أيضا ، فإنّ الطلب ـ على القول بالطبيعة ـ إنّما يتعلّق بها باعتبار وجودها في الخارج ، ضرورة أنّ الطبيعة من حيث هي ليست إلّا هي ، لا مطلوبة ولا غير مطلوبة. وبهذا الاعتبار كانت مردّدة بين المرّة والتكرار بكلا المعنيين. فيصحّ النزاع في دلالة الصيغة على المرّة والتكرار (٢) بالمعنيين وعدمها ؛ أمّا بالمعنى الأوّل فواضح ؛ وأمّا بالمعنى الثاني فلوضوح أنّ المراد من الفرد أو الأفراد (٣) وجود واحد أو وجودات ، وإنّما عبّر بالفرد لأنّ وجود الطبيعة في الخارج هو الفرد ، غاية الأمر خصوصيّته وتشخّصه ـ على القول بتعلّق الأمر بالطبائع ـ يلازم المطلوب وخارج عنه ، بخلاف القول بتعلّقه بالأفراد ، فإنّه ممّا يقوّمه.

تنبيه : [الامتثال عقيب الامتثال]

لا إشكال بناء على القول بالمرّة في الامتثال ، وأنّه لا مجال للإتيان بالمأمور به ثانيا على أن يكون أيضا به الامتثال ، فإنّه من الامتثال بعد الامتثال.

وأمّا على المختار ـ من دلالتها على طلب الطبيعة من دون دلالة على المرّة ولا على التكرار ـ فلا تخلو الحال : إمّا أن لا يكون هناك إطلاق الصيغة في مقام البيان ـ بل في مقام الإهمال أو الإجمال ـ فالمرجع هو الأصل ؛ وإمّا أن يكون إطلاقها في ذلك المقام فلا إشكال في الاكتفاء بالمرّة في الامتثال. وإنّما الإشكال في جواز أن لا يقتصر عليها ، فإنّ لازم إطلاق الطبيعة المأمور بها هو الإتيان بها

__________________

(١) هذا ما توهّمه صاحب الفصول ، فراجع الفصول الغرويّة : ٧١.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «أو التكرار».

(٣) في مبحث المرّة والتكرار.