درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۷۵: اجزاء ۱

 

الفصل الثالث

[في الإجزاء]

الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء (١) في الجملة (٢) بلا شبهة. وقبل الخوض في تفصيل المقام وبيان النقض والإبرام ينبغي تقديم امور :

أحدها : [المراد من «وجهه»]

الظاهر أنّ المراد من «وجهه» في العنوان هو النهج الّذي ينبغي أن يؤتى به

__________________

(١) لا يخفى عليك : أنّ ظاهر العناوين في مسألة الإجزاء إلى زمان الشيخ الأعظم الأنصاريّ أنّ هذه المسألة مسألة لفظيّة ، لها صلة بما تعلّق بصيغة الأمر ، كما قال الشيخ ـ في العدّة ١ : ٢١٢ ـ : «إنّ الأمر هل يقتضي كون المأمور به مجزيا أم لا؟» ، وقال الشيخ محمّد حسين الاصفهانيّ ـ في الفصول الغرويّة : ١١٦ ـ : «إنّ الأمر بالشيء هل يقتضي الإجزاء إذا اتي بالمأمور به على وجهه أم لا؟».

ولكن عدل عنه الشيخ الأنصاريّ وذهب إلى أنّ المسألة عقليّة ، فقال في عنوان المسألة : «اختلفوا في أنّ إتيان المأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أو لا؟» ثمّ قال : «إنّ البحث هنا انّما هو في اقتضاء إتيان المأمور به عقلا». وتبعه المصنّف في المقام. واختاره أكثر من تأخّر عن المصنّف. فراجع مطارح الأنظار : ١٨ ، فوائد الاصول ١ : ٢٤٢ ، مقالات الاصول ١ : ٢٦٢ ، نهاية الدراية ١ : ٢٥٧ ، المحاضرات ٢ : ٢٢٠.

إن قلت : فلم جعلها المصنّف ذيل المسائل المتعلّقة بالأوامر؟

قلت : إنّ مجرّد ذكرها ذيل المسائل المتعلّقة بالأوامر ليس دليلا على كونها من المسائل اللفظيّة ، كما أنّه ذكر مسألة مقدّمة الواجب ذيل مباحث الأوامر مع أنّه صرّح بكونها مسألة عقليّة ، كما سيأتي.

(٢) ضرورة أنّ الإجزاء بالنسبة إلى أمره الواقعيّ مما لا ينكره أحد.

على ذلك النهج شرعا وعقلا (١) ، مثل أن يؤتى به بقصد التقرّب في العبادة. لا خصوص الكيفيّة المعتبرة في المأمور به شرعا ، فإنّه عليه يكون «على وجهه» قيدا توضيحيّا (٢) ، وهو بعيد (٣) ؛ مع أنّه يلزم خروج التعبّديّات عن حريم النزاع ، بناء على المختار ـ كما تقدّم (٤) ـ من أنّ قصد القربة من كيفيّات الإطاعة عقلا ، لا من قيود المأمور به شرعا. ولا الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب (٥) ، فإنّه ـ مع عدم اعتباره عند المعظم ، وعدم اعتباره عند من اعتبره إلّا في خصوص العبادات لا مطلق الواجبات ـ لا وجه لاختصاصه به بالذكر (٦) على تقدير الاعتبار. فلا بدّ من إرادة ما يندرج فيه من المعنى ، وهو ما ذكرناه ، كما لا يخفى.

ثانيها : [المراد من «الاقتضاء»]

الظاهر أنّ المراد من «الاقتضاء» هاهنا الاقتضاء بنحو العلّيّة والتأثير ، لا بنحو الكشف والدلالة (٧) ، ولذا نسب إلى الإتيان ، لا إلى

__________________

(١) أمّا النهج الّذي ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج شرعا فهو مثل أن يؤتى بالصلاة المأمور بها مستقبلا إلى القبلة أو ساترا للعورة. وأمّا النهج الّذي ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج عقلا فهو مثل أن يؤتى بالمأمور به بقصد التقرّب.

فقوله : «مثل أن يؤتى ...» مثال لقوله : «عقلا». وكان الأولى أن يقول : «شرعا مثل أن يؤتى به مستقبلا ، أو عقلا مثل أن يؤتى به متقرّبا إلى الله».

(٢) لأنّ النهج الّذي يعتبر شرعا يدلّ عليه عنوان المأمور به.

(٣) لأنّ الأصل في القيود كونها احترازيّة.

(٤) تقدّم في الصفحة : ١٣٩.

(٥) وهو بعض الفقهاء والمتكلّمين. لاحظ جواهر الكلام ٩ : ١٦٠ ـ ١٦٣.

(٦) هكذا في النسخ. والصحيح أن يحذف قوله : «به».

(٧) والأولى أن يقول : «إنّ المراد من الاقتضاء هاهنا هو الاقتضاء بنحو الاستلزام». بيان ذلك : أنّ الاقتضاء قد يطلق ويراد منه التأثير في الامور التكوينيّة الخارجيّة ، فيقال ـ مثلا ـ : «النار تقتضي الحرارة» ، ويصطلح عليه بالعلّيّة أو الاقتضاء الثبوتيّ.

وقد يطلق ويراد به الكشف والدلالة ويعبّر عنه بالاقتضاء الإثباتيّ ، فيقال ـ مثلا ـ : «الأمر يقتضي الوجوب».

وقد يطلق ويراد منه الاستلزام بين الشيئين. وهذا هو المراد من الاقتضاء في المقام ، ـ

الصيغة (١).

إن قلت : هذا إنّما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره (٢) ، وأمّا بالنسبة إلى أمر آخر ـ كالإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ بالنسبة إلى الأمر الواقعيّ ـ فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره (٣) بنحو يفيد الإجزاء أو بنحو آخر لا يفيده (٤).

قلت : نعم ، لكنّه لا ينافي كون النزاع فيهما في الاقتضاء (٥) بالمعنى المتقدّم ،

__________________

ـ بل في كثير من المباحث الاصوليّة. فيقال ـ مثلا ـ : «هل يقتضي وجوب ذي المقدّمة وجوب المقدّمة؟».

وبالجملة : فالمراد من الاقتضاء في المقام هو الاستلزام ، فيكون معنى قوله : «الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء» أنّ الإتيان بالمأمور به يستلزم عقلا سقوط التكليف شرعا.

(١) وقد اشكل عليه : بأنّه كلمة «الاقتضاء» في كلام القوم منسوب إلى الأمر ـ كما في الفصول والقوانين ـ ، فلا يصحّ الاستشهاد على إرادة العلّيّة من الاقتضاء بأنّه ورد منسوبا إلى الإتيان.

والجواب عنه : أنّ المصنّف لم يكن بصدد بيان المراد من الاقتضاء في كلام من ذهب إلى كون المسألة لفظيّة ، بل كان في مقام بيان المراد من الاقتضاء في كلام من ذهب إلى كون المسألة عقليّة ، كالشيخ الأنصاريّ ، فإنّه أسند الاقتضاء إلى الإتيان ، لا الأمر.

(٢) أي : الأمر المتعلّق بالمأتي به.

(٣) الضمير يرجع إلى المأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ.

(٤) وحاصل الإشكال : أنّ كلمة «الاقتضاء» في العنوان ليس بمعنى العلّيّة مطلقا ، بل يكون في بعض الموارد بمعنى العلّيّة وفي بعض آخر بمعنى الدلالة. بيان ذلك : أنّ النزاع في المسألة تارة يكون في إجزاء المأمور به عن أمره ـ كإجزاء المأمور به بالأمر الواقعيّ عن الأمر الواقعيّ ، وإجزاء المأمور به بالأمر الاضطراريّ عن الأمر الاضطراريّ ، وإجزاء المأمور به الظاهريّ عن الأمر الظاهريّ ـ حينئذ يكون الاقتضاء بمعنى العلّيّة ، إذ لا تلحظ دلالة الدليل. واخرى يكون في إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ عن الأمر الواقعيّ ، فيبحث عن دلالة الدليل على اعتبار المأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ بنحو يفيد سقوط الأمر الواقعيّ أو بنحو آخر لا يفيد سقوط الأمر الواقعيّ؟

(٥) وفي بعض النسخ : «فيهما كان في الاقتضاء». ولكن الصحيح ما أثبتناه ، بل هو ما يستظهر من النسخة الأصليّة بعد الدقّة فيها.

غايته أنّ العمدة في سبب الاختلاف فيهما (١) إنّما هو الخلاف في دلالة دليلهما ـ هل أنّه (٢) على نحو يستقلّ العقل بأنّ الإتيان به موجب للإجزاء ويؤثّر فيه ـ وعدم دلالته ، ويكون النزاع فيه (٣) صغرويّا أيضا (٤). بخلافه في الإجزاء بالإضافة إلى أمره ، فإنّه لا يكون إلّا كبرويّا لو كان هناك نزاع ، كما نقل عن بعض (٥) ، فافهم (٦).

ثالثها : [المراد من الإجزاء]

الظاهر أنّ «الإجزاء» هاهنا بمعناه لغة ، وهو الكفاية ، وإن كان يختلف ما يكفي عنه ، فإنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ يكفي فيسقط به التعبّد به ثانيا ، وبالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ يكفي فيسقط به القضاء ، لا أنّه يكون هاهنا اصطلاحا ـ بمعنى إسقاط التعبّد أو القضاء ـ ، فإنّه بعيد جدا.

__________________

(١) أي : في اقتضاء إتيان المأمور به الاضطراريّ والظاهريّ بمعنى العلّيّة والتأثير.

(٢) أي : دليلهما.

(٣) والأولى أن يقول : «فيهما» ، فإنّ الضمير يرجع إلى المأمور به الاضطراريّ والمأمور به الظاهريّ.

(٤) وحاصل الجواب : أنّ وقوع النزاع فيهما في الاقتضاء بمعنى الدلالة لا ينافي وقوعه فيهما في الاقتضاء بمعنى العلّيّة. بل يكون هناك نزاعان : أحدهما صغرويّ ، وهو النزاع في دلالة دليلهما على أنّ موضوعيهما وافيان بتمام مصلحة المأمور به الواقعيّ وعدم دلالته. وثانيهما كبرويّ ، وهو النزاع في أنّ نفس الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ هل يؤثّر في الإجزاء بلحاظ وفائه بتمام المصلحة أو لا يؤثّر فيه بلحاظ عدم وفائه بتمام المصلحة؟

فالنزاع الأوّل منشأ للنزاع الثاني ، ولا تنافي بينهما.

(٥) نقله العلّامة الحلّيّ عن أبي هاشم. ونقله السيّد الطباطبائيّ عن أبي هاشم وعبد الجبّار وأتباعهما. راجع مبادئ الوصول : ١١١ ، ومفاتيح الاصول : ١٢٦.

(٦) لعلّه إشارة إلى ما ذكره المحقّق الاصفهانيّ من أنّ فرض ابتناء وقوع النزاع في الكبرى على وقوع النزاع في الصغرى لا يناسب المسائل الاصوليّ ، إذ من شرائط المسائل الاصوليّة أن تكون نتيجتها كلّيّة جارية في جميع الموارد. مضافا إلى أنّه إذا كان النزاع الصغرويّ المذكور منشأ للنزاع الكبرويّ فالمناسب أن يحرّر النزاع في المنشأ ـ أي دلالة الدليل ـ ويفرّع النزاع الكبرويّ على كيفيّة دلالة دليلهما. نهاية الدراية ١ : ٢٥٩ ـ ٢٦٠.