درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۷۶: اجزاء ۲

 

غايته أنّ العمدة في سبب الاختلاف فيهما (١) إنّما هو الخلاف في دلالة دليلهما ـ هل أنّه (٢) على نحو يستقلّ العقل بأنّ الإتيان به موجب للإجزاء ويؤثّر فيه ـ وعدم دلالته ، ويكون النزاع فيه (٣) صغرويّا أيضا (٤). بخلافه في الإجزاء بالإضافة إلى أمره ، فإنّه لا يكون إلّا كبرويّا لو كان هناك نزاع ، كما نقل عن بعض (٥) ، فافهم (٦).

ثالثها : [المراد من الإجزاء]

الظاهر أنّ «الإجزاء» هاهنا بمعناه لغة ، وهو الكفاية ، وإن كان يختلف ما يكفي عنه ، فإنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ يكفي فيسقط به التعبّد به ثانيا ، وبالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ يكفي فيسقط به القضاء ، لا أنّه يكون هاهنا اصطلاحا ـ بمعنى إسقاط التعبّد أو القضاء ـ ، فإنّه بعيد جدا.

__________________

(١) أي : في اقتضاء إتيان المأمور به الاضطراريّ والظاهريّ بمعنى العلّيّة والتأثير.

(٢) أي : دليلهما.

(٣) والأولى أن يقول : «فيهما» ، فإنّ الضمير يرجع إلى المأمور به الاضطراريّ والمأمور به الظاهريّ.

(٤) وحاصل الجواب : أنّ وقوع النزاع فيهما في الاقتضاء بمعنى الدلالة لا ينافي وقوعه فيهما في الاقتضاء بمعنى العلّيّة. بل يكون هناك نزاعان : أحدهما صغرويّ ، وهو النزاع في دلالة دليلهما على أنّ موضوعيهما وافيان بتمام مصلحة المأمور به الواقعيّ وعدم دلالته. وثانيهما كبرويّ ، وهو النزاع في أنّ نفس الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ هل يؤثّر في الإجزاء بلحاظ وفائه بتمام المصلحة أو لا يؤثّر فيه بلحاظ عدم وفائه بتمام المصلحة؟

فالنزاع الأوّل منشأ للنزاع الثاني ، ولا تنافي بينهما.

(٥) نقله العلّامة الحلّيّ عن أبي هاشم. ونقله السيّد الطباطبائيّ عن أبي هاشم وعبد الجبّار وأتباعهما. راجع مبادئ الوصول : ١١١ ، ومفاتيح الاصول : ١٢٦.

(٦) لعلّه إشارة إلى ما ذكره المحقّق الاصفهانيّ من أنّ فرض ابتناء وقوع النزاع في الكبرى على وقوع النزاع في الصغرى لا يناسب المسائل الاصوليّ ، إذ من شرائط المسائل الاصوليّة أن تكون نتيجتها كلّيّة جارية في جميع الموارد. مضافا إلى أنّه إذا كان النزاع الصغرويّ المذكور منشأ للنزاع الكبرويّ فالمناسب أن يحرّر النزاع في المنشأ ـ أي دلالة الدليل ـ ويفرّع النزاع الكبرويّ على كيفيّة دلالة دليلهما. نهاية الدراية ١ : ٢٥٩ ـ ٢٦٠.

رابعها : [فارق المسألة عن مسألة المرّة والتكرار]

الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرّة والتكرار لا يكاد يخفى ، فإنّ البحث هاهنا في أنّ الإتيان بما هو المأمور به يجزئ عقلا؟ بخلافه في تلك المسألة ، فإنّه في تعيين ما هو المأمور به شرعا بحسب دلالة الصيغة بنفسها أو بدلالة اخرى. نعم ، كان التكرار عملا موافقا لعدم الإجزاء ، لكنّه لا بملاكه.

وهكذا الفرق بينها وبين مسألة تبعيّة القضاء للأداء (١) ، فإنّ البحث في تلك المسألة في دلالة الصيغة على التبعيّة وعدمها. بخلاف هذه المسألة ، فإنّه ـ كما عرفت ـ في أنّ الإتيان بالمأمور به يجزئ عقلا عن إتيانه ثانيا ـ أداء أو قضاء ـ أو لا يجزئ؟ فلا علقة بين المسألة والمسألتين أصلا.

إذا عرفت هذه الامور فتحقيق المقام يستدعي البحث والكلام في موضعين :

الموضع الأوّل

[في إجزاء الإتيان بالمأمور به عن التعبّد به ثانيا]

انّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ ، بل أو (٢) بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ أيضا يجزئ عن التعبّد به ثانيا ، لاستقلال العقل بأنّه لا مجال مع موافقة الأمر بإتيان المأمور به على وجهه لاقتضائه التعبّد به ثانيا.

نعم ، لا يبعد أن يقال بأنّه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبّد به ثانيا بدلا عن التعبّد به أوّلا ، لا منضمّا إليه ـ كما أشرنا إليه في المسألة السابقة (٣) ـ. وذلك فيما

__________________

(١) لا يخفى عليك : أنّه لا وجه لتعرّض الفرق بينهما بعد عدم وجود أيّ تشابه بينهما يوجب توهّم رجوعهما إلى بحث واحد. كيف؟ والموضوع في هذه المسألة هو الإتيان بالمأمور به وأنّه يجزئ عن الواقع أم لا؟ والموضوع في تلك المسألة هو عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يحذف كلمة «أو».

(٣) راجع مبحث المرّة والتكرار ، الصفحة : ١٥٣.

علم أنّ مجرّد امتثاله لا يكون علّة تامّة لحصول الغرض وإن كان وافيا به لو اكتفى به ؛ كما إذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعد ، فإنّ الأمر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعد. ولذا لو اهرق الماء واطّلع عليه العبد وجب عليه إتيانه ثانيا ، كما إذا لم يأت به أوّلا ، ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه ، وإلّا لما أوجب حدوثه ، فحينئذ يكون له الإتيان بماء آخر موافق للأمر ، كما كان له قبل إتيانه الأوّل ، بدلا عنه.

نعم ، فيما كان الإتيان علّة تامّة لحصول الغرض ، فلا يبقى موقع للتبديل ، كما إذا امر بإهراق الماء في فمه لرفع عطشه فأهرقه. بل لو لم يعلم أنّه من أيّ القبيل فله التبديل باحتمال أن لا يكون علّة ، فله إليه سبيل (١).

ويؤيّد ذلك ، بل يدلّ عليه ما ورد من الروايات في باب إعادة من صلّى فرادى جماعة وأنّ الله تعالى يختار أحبّهما إليه (٢).

الموضع الثاني

[في إجزاء وعدم إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراريّ أو الظاهريّ]

وفيه مقامان :

__________________

(١) ولا يخفى : أنّ ما ذهب إليه المصنّف ـ من جواز الامتثال عقيب الامتثال فيما إذا علم أنّ الامتثال الأوّل لا يكون علّة تامّة لحصول الغرض ـ واقع مورد النقض والإبرام بين المحقّقين من الأعلام.

فذهب المحقّق العراقيّ إلى امتناعه عقلا ؛ والمحقّق الاصفهانيّ إلى أنّ إتيان المأمور به بحدوده علّة تامّة لحصول الغرض مطلقا فيسقط الأمر ولا مجال للامتثال ثانيا ؛ والمحقّق النائينيّ إلى أنّ تبديل الامتثال في الشرعيّات يحتاج إلى دليل يكشف عن عدم سقوط الغرض عند سقوط الأمر ، ومع عدم الدليل لا يمكن للمكلّف التبديل ، ولم نعثر في الشريعة على دليل عليه. فراجع بدائع الأفكار ١ : ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ، نهاية الدراية ١ : ٢٦٣ ، فوائد الاصول ١ : ٢٤٣.

وذهب السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ـ إلى امتناع الامتثال بعد الامتثال مطلقا. فراجع المحاضرات ٢ : ٢٢٥ ، ومناهج الوصول ١ : ٣٠٥ ـ ٣٠٦.

(٢) راجع الوسائل ٥ : ٤٥٥ ـ ٤٥٧ ، الباب ٥٤ من أبواب صلاة الجماعة.