درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۸۴: تقسیمات مقدمه‌ی واجب ۵ / تقسیمات واجب ۱

 

وأمّا الثاني : فكون شيء شرطا للمأمور به ليس إلّا ما يحصل لذات المأمور به بالإضافة إليه وجه وعنوان به يكون حسنا أو متعلّقا للغرض بحيث لولاها (١) لما كان كذلك. واختلاف الحسن والقبح والغرض باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة من الإضافات ممّا لا شبهة فيه ولا شكّ يعتريه. والإضافة كما تكون إلى المقارن تكون إلى المتأخّر أو المتقدّم بلا تفاوت أصلا ، كما لا يخفى على المتأمّل. فكما تكون إضافة شيء إلى مقارن له موجبا لكونه معنونا بعنوان يكون بذلك العنوان حسنا ومتعلّقا للغرض ، كذلك إضافته إلى متأخّر أو متقدّم ، بداهة أنّ الإضافة إلى أحدهما ربما توجب ذلك أيضا ، فلو لا حدوث المتأخّر في محلّه لما كانت للمتقدّم تلك الإضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه والأمر به ، كما هو الحال في المقارن أيضا ، ولذلك اطلق عليه الشرط مثله (٢) بلا انخرام للقاعدة أصلا ، لأنّ المتقدّم أو المتأخّر كالمقارن ليس إلّا طرف الإضافة الموجبة للخصوصيّة الموجبة للحسن ، وقد حقّق في محلّه أنّه بالوجوه والاعتبارات (٣) ، ومن الواضح أنّها تكون بالإضافات. فمنشأ توهّم الانخرام إطلاق الشرط على المتأخّر ؛ وقد عرفت أنّ إطلاقه عليه فيه كإطلاقه على المقارن إنّما يكون لأجل كونه طرفا للإضافة الموجبة للوجه الّذي يكون بذاك الوجه مرغوبا ومطلوبا ، كما

__________________

ـ ثمّ إنّ المحقّق العراقيّ حاول تصحيح الشرط المتأخّر بالتصرّف في معنى الشرط. وحاصله : أنّ الشرط ليس جزءا دخيلا في الأثر ، بل الشرط هو طرف ما يحدّد المقتضي وتحصل به الخصوصيّة اللازمة لتأثير المقتضي. فهو طرف إضافة وتحديد بها تحصل الفاعليّة للفاعل. ولا يمتنع أن يكون طرف الإضافة من الامور المتأخّرة بعد ما كانت الإضافة مقارنة ولم يكن للأمر المتأخّر أيّ تأثير. نهاية الأفكار ١ : ٢٧٩ ـ ٢٨٠ ، بدائع الأفكار ١ : ٣٢٠ ـ ٣٢١.

ولكن السيّد الإمام الخمينيّ ـ بعد ما تعرّض لما ذكره المحقّق العراقيّ تصحيحا للشرط المتأخّر ـ ناقش فيه من وجوه. ثمّ تصدّى لدفع الإشكال بوجهين آخرين ، ثانيهما أنّ موضوعات الأحكام وشرائطها كلّها تكون عرفيّة ، لا عقليّة ، والعرف يرى إمكان التقييد والإضافة بالأمر المتأخّر ، ولو كان العقل لا يساعد عليه ، كما هو الحال في سائر الموضوعات الشرعيّة. راجع تمام كلامه في مناهج الوصول ١ : ٢٣٨ ـ ٢٤٣.

(١) أي : لو لا الإضافة إليه.

(٢) أي : مثل المقارن.

(٣) راجع شرح تجريد الاعتقاد : ٣٠٢.

كان في الحكم لأجل دخل تصوّره فيه كدخل تصوّر سائر الأطراف والحدود الّتي لو لا لحاظها لما حصل له الرغبة في التكليف ، أو لما صحّ عنده الوضع.

وهذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الإشكال في بعض فوائدنا (١) ، لم يسبقني إليه أحد فيما أعلم ، فافهم واغتنم.

ولا يخفى : أنّها بجميع أقسامها داخلة في محلّ النزاع ، وبناء على الملازمة يتّصف اللاحق بالوجوب كالمقارن والسابق ، إذ بدونه لا تكاد تحصل الموافقة ، ويكون سقوط الأمر بإتيان المشروط به مراعى بإتيانه ، فلو لا اغتسالها في الليل ـ على القول بالاشتراط ـ لما صحّ الصوم في اليوم.

الأمر الثالث

في تقسيمات الواجب

[١ ـ الواجب المطلق والواجب المشروط]

منها : تقسيمه إلى المطلق والمشروط.

وقد ذكر لكلّ منهما تعريفات وحدود تختلف بحسب ما اخذ فيها من القيود ، وربما اطيل الكلام بالنقض والإبرام في النقض على الطرد والعكس (٢) ، مع أنّها ـ كما لا يخفى ـ تعريفات لفظيّة لشرح الاسم ، وليست بالحدّ ولا بالرسم.

والظاهر أنّه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق والمشروط ، بل يطلق كلّ منهما بما له من معناه العرفيّ. كما أنّ الظاهر أنّ وصفي الإطلاق والاشتراط وصفان إضافيّان ، لا حقيقيّان ، وإلّا لم يكد يوجد واجب مطلق ، ضرورة اشتراط وجوب كلّ واجب ببعض الامور ، لا أقلّ من الشرائط العامّة ، كالبلوغ والعقل.

فالحريّ أن يقال : إنّ الواجب مع كلّ شيء يلاحظ معه ، إن كان وجوبه غير

__________________

(١) راجع فوائد الاصول (للمصنّف) : ٥٧.

(٢) راجع مطارح الأنظار : ٤٣ ، بدائع الأفكار (للمحقّق الرشتيّ) : ٣٠٤.

مشروط به فهو مطلق بالإضافة إليه ، وإلّا فمشروط كذلك ، وإن كانا بالقياس إلى شيء آخر كانا بالعكس.

[الشرط من قيود الهيئة]

ثمّ الظاهر أنّ الواجب المشروط ـ كما أشرنا إليه ـ نفس الوجوب فيه مشروط بالشرط ، بحيث لا وجوب حقيقة ولا طلب واقعا قبل حصول الشرط ، كما هو ظاهر الخطاب التعليقيّ ، ضرورة أنّ ظاهر خطاب «إن جاءك زيد فأكرمه» كون الشرط من قيود الهيئة وأنّ طلب الإكرام وإيجابه معلّق على المجيء ؛ لا أنّ الواجب فيه يكون مقيّدا به ـ بحيث يكون الطلب والإيجاب في الخطاب فعليّا ومطلقا ، وإنّما الواجب يكون خاصّا ومقيّدا ـ ، وهو الإكرام على تقدير المجيء ، فيكون الشرط من قيود المادّة لا الهيئة ، كما نسب ذلك إلى شيخنا العلّامة رحمه‌الله مدّعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة واقعا ، ولزوم كونه من قيود المادّة لبّا ، مع الاعتراف بأنّ قضيّة القواعد العربيّة أنّه من قيود الهيئة ظاهرا.

أمّا امتناع كونه من قيود الهيئة : فلأنّه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب المتعلّق بالفعل المنشأ بالهيئة حتّى يصحّ القول بتقييده بشرط ونحوه ، فكلّ ما يحتمل رجوعه إلى الطلب الّذي يدلّ عليه الهيئة فهو عند التحقيق راجع إلى نفس المادّة.

وأمّا لزوم كونه من قيود المادّة لبّا : فلأنّ العاقل إذا توجّه إلى شيء والتفت إليه فإمّا أن يتعلّق طلبه به ، أو لا يتعلّق به طلبه أصلا. لا كلام على الثاني. وعلى الأوّل ، فإمّا أن يكون ذاك الشيء موردا لطلبه وأمره مطلقا على اختلاف طوارئه أو على تقدير خاصّ ؛ وذلك التقدير تارة يكون من الامور الاختياريّة ، واخرى لا يكون كذلك ؛ وما كان من الامور الاختياريّة قد يكون مأخوذا فيه على نحو يكون موردا للتكليف ، وقد لا يكون كذلك على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه والأمر به ، من غير فرق في ذلك بين القول بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد والقول بعدم التبعيّة ، كما لا يخفى.