درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۹۶: تقسیمات واجب ۱۳

 

وقد تفصّي عن الإشكال بوجهين آخرين :

أحدهما : ما ملخّصه : أنّ الحركات الخاصّة ربما لا تكون محصّلة لما هو المقصود منها من العنوان الّذي يكون بذاك العنوان مقدّمة وموقوفا عليها ، فلا بدّ في إتيانها بذاك العنوان من قصد أمرها ، لكونه (١) لا يدعو إلّا إلى ما هو الموقوف عليه ، فيكون عنوانا إجماليّا ومرآة لها (٢) ، فإتيان الطهارات عبادة وإطاعة لأمرها ليس لأجل أنّ أمرها المقدّميّ يقضي بالإتيان كذلك ، بل إنّما كان لأجل إحراز نفس العنوان الّذي يكون (٣) بذاك العنوان موقوفا عليها (٤).

__________________

ـ اجمالا ـ فيكون هو الداعي إلى العمل ، لا الأمر الغيريّ. وإمّا أن يكون مغفولا عنه رأسا فلم يتحقّق القصد إليه كي تتحقّق العباديّة ، لأنّ قوام العباديّة بقصد الأمر النفسيّ.

(١) أي : لكون أمرها.

(٢) أي : فيكون القصد الأمر الغيريّ عنوانا إجماليّا لتلك الحركات.

(٣) هكذا في النسخ. والصحيح «تكون» ، فإنّ الضمير المستتر فيه يرجع إلى الطهارات.

(٤) لا يخفى عليك : أنّ هذا الوجه ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ ـ في كتاب الطهارة ٢ : ٥٥ ـ جوابا عن الإشكال الرابع ـ أعنى إشكال الدور ـ ، فهو لم يتفصّ به عن الإشكالات الثلاثة الّتي ذكرها المصنّف كي يقال : «وقد تفصّي عن الإشكال بهذا الوجه» ، بل انّما تفصّى الشيخ به عن إشكال الدور. نعم ، يمكن التفصّي به عنها كما تفصّى الشيخ به عن إشكال الدور.

ولا يخفى أيضا : أنّ ما ذكره المصنّف في تقريب كلام الشيخ غير تامّ ، فإنّ غاية ما يستفاد من التقريب المذكور أنّ الحركات المخصوصة من العناوين القصديّة ، فتقصد إجمالا بقصد امتثال الأمر الغيريّ. وأمّا أنّ هذا العناوين هل هي من العناوين الواقعيّة الراجحة في ذاتها أم لا؟ فلا يستفاد من التقريب المذكور.

وفي الجملة : فحاصل هذه الوجه أنّ الحركات المخصوصة معنونة بعناوين واقعيّة قصديّة راجحة في ذاتها ، فهي قطع النظر عن الأمر الغيرىّ معنونة بتلك العناوين ، وهو موجب لوقوعها بنحو العبادة ، غاية الأمر لمّا كانت من العناوين القصديّة وكانت مجهولة لدينا فلا بدّ في قصدها من قصد امتثال الأمر الغيريّ ، لأنّ الأمر الغيريّ لا يدعو إلّا إلى تلك الحركات المعنونة بها ، فيكون قصد الأمر الغيريّ طريقا إلى قصد ذلك العنوان.

وتندفع به جميع الإشكالات الثلاثة ، لأنّ عباديّتها ومقرّبيّتها وترتّب الثواب عليها مستندة إلى رجحانها الذاتيّ ، لتعنونها بعنوان راجح ، لا من جهة اقتضاء امتثال الأمر الغيريّ ، فلا محذور.

وفيه : ـ مضافا إلى أنّ ذلك (١) لا يقتضي الإتيان بها كذلك (٢) ، لإمكان الإشارة إلى عناوينها الّتي تكون بتلك العناوين موقوفا عليها بنحو آخر ولو بقصد أمرها وصفا (٣) ، لا غاية وداعيا (٤) ، بل كان الداعي إلى هذه الحركات الموصوفة بكونها مأمورا بها شيئا آخر غير أمرها (٥) ـ : أنّه غير واف (٦) بدفع إشكال ترتّب المثوبة عليها ، كما لا يخفى (٧).

ثانيهما : ما محصّله : أنّ لزوم وقوع الطهارات عبادة إنّما يكون لأجل أنّ الغرض من الأمر النفسيّ بغاياتها كما لا يكاد يحصل بدون قصد التقرّب بموافقته ، كذلك لا يحصل ما لم يؤت بها كذلك (٨) ، لا باقتضاء أمرها الغيريّ.

وبالجملة : وجه لزوم إتيانها عبادة إنّما هو لأجل أنّ الغرض في الغايات لا يحصل إلّا بإتيان خصوص الطهارات من بين مقدّماتها أيضا بقصد الإطاعة (٩).

__________________

(١) أي : كون الحركات الخاصّة المعنونة بعنوان خاصّ مقدّمة.

(٢) أي : بقصد أمرها غاية.

(٣) بأن ينوي الإتيان بالمأمور به بالأمر الغيريّ بأيّ عنوان.

(٤) بأن ينوى الإتيان بالحركات المخصوصة لكونها مأمورا بها.

(٥) كالتنظيف والتبريد ونحوهما.

(٦) هذا هو الصحيح. بخلاف ما في النسخ : «غير واف».

(٧) قد مرّ أنّه يفي بردّ الإشكالات كلّها ، فإنّ المثوبة تترتّب على رجحانها الذاتيّ ، لا على امتثال الأمر الغيريّ.

(٨) أي : بقصد القربة.

(٩) ولا يخفى : أنّ هذا الوجه أيضا ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ ـ في كتاب الطهارة ٢ : ٥٥ ـ جوابا عن إشكال الدور ، لا جوابا عن الإشكال الّذي ذكره المصنّف في المقام كي يدفع به الإشكال المذكور.

وحاصل الجواب ـ على ما في كتاب الطهارة للشيخ الأنصاريّ ـ : أنّ مقدّميّة الطهارات متقوّمة بكونها عباديّة ، فالمولى لا بدّ له من الأمر بذات الطهارات ابتداء ثمّ الإعلام بلزوم الإتيان بها بداعى أمر المتعلّق بذاتها ، فيكون الأمر بذاتها مقوّما لمقدّميّتها وغنى من أمر آخر ، فيرتفع به محذور الدور.

وأنت خبير بأنّ ما ذكره المصنّف تقريبا لهذا الوجه لا يخلو من الاضطراب ، بل لا يطابق ما ذكره الشيخ.

وفيه : أيضا أنّه غير واف بدفع إشكال ترتّب المثوبة عليها.

وأمّا ما ربّما قيل (١) في تصحيح اعتبار قصد الإطاعة في العبادات ـ من الالتزام بأمرين : أحدهما كان متعلّقا بذات العمل ، والثاني بإتيانه بداعي امتثال الأوّل ـ فلا يكاد (٢) يجدي في تصحيح اعتباره (٣) في الطهارات ، إذ لو لم تكن بنفسها مقدّمة لغاياتها لا يكاد يتعلّق بها أمر من قبل الأمر بالغايات. فمن أين يجيء طلب آخر من سنخ الطلب الغيريّ متعلّق بذاتها ليتمكّن به من المقدّمة في الخارج؟ هذا مع أنّ في هذا الالتزام ما في تصحيح اعتبار قصد الطاعة في العبادة على ما عرفته مفصّلا سابقا (٤) ، فتذكّر (٥).

__________________

ـ وقال المحقّق الاصفهانيّ في هامش تعليقته على المقام ـ بعد ما ادّعى أنّ هذا الوجه هو الجواب الثاني من الجوابين الّذين ذكرهما العلّامة الأنصاريّ في كتاب الطهارة بأدنى تغيير ـ : «لا يخفى عليك : أنّ الإشكال المذكور في كتاب الطهارة ليس في مقرّبيّة الأمر الغيريّ وترتّب الثواب على موافقته ، بل في صيرورة المقدّمة تعبّديّة بالأمر بها ، للزوم الدور. فالجواب عنه بتعبّديّتها في ذاتها أو لزوم إتيانها بداعى الأمر بدليل آخر أو بأمر آخر جواب مطابق للإشكال». نهاية الدراية ١ : ٣٨٧.

(١) والقائل هو المحقّق الرشتيّ في بدائع الأفكار : ٣٣٥. فإنّه ذكر هذا الوجه توضيحا للوجه الثاني الّذي ذكره الشيخ في كتاب الطهارة زعما أنّه نفس الوجه المذكور في كتاب الطهارة ، لكنّك عرفت أنّ الشيخ لم يلتزم بوجود أمرين ـ أحدهما يتعلّق بذات العمل ، وثانيهما بالعمل بقصد الأمر الأوّل ـ ، بل صرّح بأنّ الأمر بذات العمل مغن عن أمر آخر ، وإليك نصّ عبارته : «وإذا أراد الشارع الصلاة المتوقّفة على تلك المقدّمة الموقوفة مقدّميّتها على الأمر وجب الأمر به مع نصب الدلالة على وجوب الإتيان به على وجه العبادة ، فهذا الأمر محقّق لمقدّميّته مغن عن أمر آخر بعد صيرورته مقدّمة». كتاب الطهارة ٢ : ٥٥ ـ ٥٦.

(٢) وفي النسخ : «لا يكاد» ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) وفي النسخ : «اعتبارها». والصحيح ما أثبتناه ، فإنّ الضمير يرجع إلى قصد الإطاعة.

(٤) في مبحث التوصّليّ والتعبّديّ : ١٤٠ ، حيث قال : «وتوهّم امكان تعلّق الأمر ...».

(٥) إلى هنا ذكر المصنّف أربعة وجوه في التفصّي عن إشكالات الطهارات الثلاث. أحدها : ما أفاد من أنّها مستحبّة في أنفسها. وثانيها : ما أشار إليه بقوله : «أحدهما». وثالثها : ما ذكره ذيل قوله : «ثانيهما». ورابعها : ما أشار إليه بقوله : «وأمّا ما ربّما قيل ...». ولم يرتض إلّا بالوجه الأوّل.

وقد تفصّى عنه المحقّق النائينيّ بأنّ الأمر النفسيّ المتعلّق بذي المقدّمة ينحلّ إلى ـ