درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۱۰۱: ما هو الواجب فی باب المقدمه ۵

 

منوطا بحصوله» انتهى موضع الحاجة من كلامه رحمه‌الله (١).

وقد عرفت (٢) بما لا مزيد عليه أنّ العقل الحاكم بالملازمة دلّ على وجوب مطلق المقدّمة ، لا خصوص ما إذا ترتّب عليها الواجب ، فيما لم يكن هناك مانع عن وجوبه ـ كما إذا كان بعض مصاديقه محكوما فعلا بالحرمة ـ ، لثبوت مناط الوجوب حينئذ في مطلقها وعدم اختصاصه بالمقيّد بذلك منها.

وقد انقدح منه : أنّه ليس للآمر الحكيم الغير المجازف بالقول ذلك التصريح. وأنّ دعوى أنّ الضرورة قاضية بجوازه مجازفة ، كيف يكون ذا؟! مع ثبوت الملاك في الصورتين (٣) بلا تفاوت أصلا ، كما عرفت.

نعم ، إنّما يكون التفاوت بينهما (٤) في حصول المطلوب النفسيّ في إحداهما (٥) وعدم حصوله في الاخرى (٦) ، من دون دخل لها في ذلك أصلا ، بل كان بحسن اختيار المكلّف وسوء اختياره ، وجاز للآمر أن يصرّح بحصول هذا المطلوب في إحداهما وعدم حصوله في الاخرى. بل وحيث (٧) إنّ الملحوظ بالذات هو هذا المطلوب ، وإنّما كان الواجب الغيريّ ملحوظا إجمالا بتبعه ـ كما يأتي أنّ وجوب المقدّمة على الملازمة تبعيّ ـ جاز في صورة عدم حصول المطلوب النفسيّ التصريح بعدم حصول المطلوب أصلا ، لعدم الالتفات إلى ما حصل من المقدّمة فضلا عن كونها مطلوبة ، كما جاز التصريح بحصول الغيريّ مع عدم فائدته لو التفت إليها ، كما لا يخفى ، فافهم.

إن قلت : لعلّ التفاوت بينهما في صحّة اتّصاف إحداهما بعنوان الموصليّة دون

__________________

(١) انتهى كلامه مع اختلاف يسير. فراجع الفصول الغرويّة : ٨٦.

(٢) تقدّم ذيل ردّ قول الشيخ في الصفحة : ٢١٦.

(٣) وهما : ترتّب ذي المقدّمة على المقدّمة وعدمه.

(٤) أي : بين الصورتين.

(٥) وهي الموصلة.

(٦) وهي : غير الموصلة.

(٧) وفي بعض النسخ : «وحيث». والأنسب وجود كلمة «بل» قبل قوله : «وحيث» ، كما في النسخة الأصليّة.

الاخرى أوجب التفاوت بينهما في المطلوبيّة وعدمها وجواز التصريح بهما ، وإن لم يكن بينهما تفاوت في الأثر ، كما مرّ.

قلت : إنّما يوجب ذلك تفاوتا فيهما لو كان ذلك لأجل تفاوت في ناحية المقدّمة ، لا فيما إذا لم يكن تفاوت في ناحيتها أصلا ، كما هاهنا ، ضرورة أنّ الموصليّة إنّما تنتزع من وجود الواجب وترتّبه عليها من دون اختلاف في ناحيتها (١) ، وكونها (٢) في كلا الصورتين على نحو واحد وخصوصيّة واحدة ، ضرورة أنّ الإتيان بالواجب بعد الإتيان بها بالاختيار تارة وعدم الإتيان به كذلك (٣) اخرى لا يوجب تفاوتا فيها ، كما لا يخفى.

وأمّا ما أفاده قدس‌سره من أنّ مطلوبيّة المقدّمة حيث كانت بمجرّد التوصّل بها ، فلا جرم يكون التوصّل بها إلى الواجب معتبرا فيها. ففيه : أنّه إنّما كانت مطلوبيّتها لأجل عدم التمكّن من التوصّل بدونها ، لا لأجل التوصّل بها ، لما عرفت من أنّه (٤) ليس من آثارها ، بل ممّا يترتّب عليه (٥) أحيانا بالاختيار بمقدّمات اخرى ـ وهي مبادئ اختياره ـ ، ولا يكاد يكون مثل ذا (٦) غاية لمطلوبيّتها وداعيا إلى إيجابها.

وصريح الوجدان إنّما يقضي بأنّ ما اريد لأجل غاية وتجرّد عن الغاية بسبب عدم حصول سائر ما له دخل في حصولها يقع على ما هو عليه من المطلوبيّة الغيريّة (٧) ، كيف؟ وإلّا يلزم أن يكون وجودها من قيوده ومقدّمة

__________________

(١) أورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بأنّ الموصليّة وشبهها من العناوين منتزعة عن المقدّمة عند بلوغها إلى حيث يمتنع انفكاكها عن ذيها. نهاية الدراية ١ : ٣٩٩.

(٢) معطوف على قوله : «أنّ الموصليّة» أي : وضرورة كون المقدّمة في صورة الإيصال وعدمه على نحو واحد.

(٣) أي : عدم الإتيان بالواجب بعد الإتيان بالمقدّمة بالاختيار.

(٤) أي : التوصّل والترتّب.

(٥) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «عليها» ، فإنّ الضمير يرجع إلى المقدّمة.

(٦) أي : مثل هذا التوصّل الفعليّ المترتّب على المقدّمة تصادفا بحسن اختيار المكلّف.

(٧) وبتعبير أوضح : يقع ما اريد لأجل غاية على صفة المطلوبيّة الغيريّة.

لوقوعه (١) على نحو تكون الملازمة بين وجوبه بذاك النحو ووجوبها (٢) ، وهو كما ترى ، ضرورة أنّ الغاية لا تكاد تكون قيدا لذي الغاية بحيث كان تخلّفها موجبا لعدم وقوع ذي الغاية على ما هو عليه من المطلوبيّة الغيريّة ، وإلّا يلزم أن تكون مطلوبة بطلبه كسائر قيوده ، فلا يكون وقوعه على هذه الصفة منوطا بحصولها كما أفاده.

ولعلّ منشأ توهّمه خلطه بين الجهة التقييديّة والتعليليّة (٣).

هذا مع ما عرفت من عدم تخلّف هاهنا ، وأنّ الغاية إنّما هو حصول ما لولاه لما تمكّن من التوصّل إلى المطلوب النفسيّ ، فافهم واغتنم.

ثمّ إنّه لا شهادة على الاعتبار (٤) في صحّة منع المولى عن مقدّماته بأنحائها إلّا فيما إذا رتّب عليه الواجب ـ لو سلّم ـ أصلا ، ضرورة أنّه وإن لم يكن الواجب منها حينئذ غير الموصلة إلّا أنّه ليس لأجل اختصاص الوجوب بها في باب

__________________

(١) كان الأولى أن يقول : «وإلّا يلزم أن يكون وجودها من قيودها ومقدّمة لوقوعه كذلك».

ومعناه : وإن لم يقع ما اريد لأجل غاية على صفة المطلوبيّة يلزم أن يكون وجود الغاية من قيود مطلوبيّة ما اريد لأجل الغاية ، ويلزم أيضا أن يكون وجود الغاية مقدّمة لوقوع ذي الغاية على صفة المطلوبيّة.

(٢) أي : على نحو تكون الملازمة بين وجوب ما اريد لأجل غاية بنحو المطلوبيّة الغيريّة ووجوب الغاية.

(٣) توضيحه : أنّ ترتّب الواجب على المقدّمة جهة تعليليّة لوجوب المقدّمة ، فيكون الترتّب علّة لوجوب المقدّمة ، بحيث لولاه لما أوجب المولى المقدّمة. وليس جهة تقييديّة كي يكون قيدا لوجوب المقدّمة بحيث لو انتفى الترتّب ينتفي الوجوب ـ كما زعمه صاحب الفصول ـ.

(٤) أي : على اعتبار ترتّب ذي المقدّمة على المقدّمة في وجوب المقدّمة.

وهذا إشارة إلى استدلال آخر على وجوب خصوص المقدّمة الموصلة. وحاصله : أنّه يجوز للمولى أن يمنع عن المقدّمات غير الموصلة ، ولا يستنكره العقل. مع أنّه يستحيل العقل أن ينهى عن مطلق المقدّمة أو خصوص الموصلة. وهذه التفرقة دليل على عدم وجوب مطلق المقدّمة ووجوب خصوص الموصلة.

وقال السيّد المحقّق الخوئيّ ـ على ما في المحاضرات ٢ : ٤٢٠ ـ : «وهذا الاستدلال منسوب إلى السيّد الطباطبائيّ صاحب العروة».