درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۲: قطع ۲

 

من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظنّ لو حصل له وقد تمّت مقدّمات الانسداد على تقدير الحكومة (١) ، وإلّا فالرجوع إلى الاصول العقليّة من البراءة والاشتغال والتخيير ، على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.

وإنّما عمّمنا متعلّق القطع (٢) ، لعدم اختصاص أحكامه بما إذا كان متعلّقا بالأحكام الواقعيّة ؛ وخصّصنا بالفعليّ (٣) ، لاختصاصها بما إذا كان متعلّقا به على ما ستطّلع عليه. ولذلك عدلنا عمّا في رسالة شيخنا العلّامة ـ أعلى الله مقامه ـ من تثليث الأقسام (٤).

وإن أبيت إلّا عن ذلك ، فالأولى أن يقال : «إنّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع أولا. وعلى الثاني إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أولا» ، لئلّا يتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام (٥). ومرجعه على

__________________

ـ بينه وبين مقلّديه. والثاني كأحكام الدماء الثلاثة.

(١) وفي بعض النسخ : «على تقرير الحكومة». والأولى ما أثبتناه.

والحاصل : أنّ البالغ لا ينتهي إلى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظنّ إلّا بعد تحقّق ثلاثة امور :

الأوّل : حصول الظنّ بالحكم.

الثاني : تماميّة مقدّمات انسداد باب العلم.

الثالث : كون تماميّتها على نحو الحكومة ـ أي على نحو يحكم العقل باعتبار الظنّ ـ ، لا على نحو الكشف بأن يكشف عن حكم الشارع باعتباره ، فإنّ على الكشف يحصل القطع بالحكم الظاهريّ.

(٢) أي : عمّمناه للحكم الظاهريّ.

(٣) أي : خصّصنا الحكم بالفعليّ.

(٤) فرائد الاصول ١ : ٢٥.

(٥) والحاصل : أنّ الشيخ الأنصاريّ قسّم حالات المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعيّ إلى ثلاثة أقسام : إمّا أن يحصل له القطع بالحكم ، أو يحصل له الظنّ ، أو يحصل له الشكّ.

وعدل المصنّف رحمه‌الله عن هذا التقسيم إلى أحد التقسيمين التاليين :

الأوّل : التقسيم الثنائيّ ، بأن يقال : إنّ البالغ الملتفت إلى الحكم الشرعيّ إمّا أن يحصل له القطع بالحكم أو لا يحصل.

والوجه في العدول إليه أنّ أحكام القطع لا تختصّ بما إذا كان متعلّقا بالحكم الواقعيّ ، بل يشمل ما إذا كان متعلّقا بالحكم الظاهريّ أيضا. وعليه يكون الحكم الظاهريّ الثابت ـ

الأخير (١) إلى القواعد المقرّرة عقلا أو نقلا لغير القاطع ومن يقوم عنده الطريق (٢) ، على تفصيل يأتي في محلّه ـ إن شاء الله تعالى ـ حسبما يقتضي دليلها.

__________________

ـ بالأمارات والاصول الشرعيّة مندرجا في الحكم المقطوع به ، فتدخل مسائل الظنّ والشكّ ـ إلّا الاصول الثلاثة العقليّة ـ في مسائل القطع.

الثاني : التقسيم الثلاثيّ ، بأن يقال : إنّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع ، أو لا يحصل له القطع ولكن يقوم عنده طريق معتبر ، أو لا يحصل له القطع ولا يقوم عنده طريق معتبر. فلا بدّ من تبديل الظنّ ب «الطريق المعتبر» والشكّ ب «عدم الطريق المعتبر».

والوجه في العدول إليه أن لا تتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام ، فإنّ الظنّ غير المعتبر ـ كالظنّ الحاصل من الشهرة الفتوائيّة ـ محكوم بحكم الشكّ ، وقد جعل في تقسيم الشيخ قسيما له. والأمارة المعتبرة ـ بما تفيد الظنّ النوعيّ الّذي يجتمع احيانا مع الشكّ ولا يعتبر في حجّيّتها الظنّ الشخصيّ ، كأمارة اليد على الملكيّة ـ تكون قسيم الشكّ ، وقد جعلت في تقسيم الشيخ داخلة في الشكّ.

ثمّ إنّ أكثر المتأخّرين خالفوه في المقام. فحاول بعضهم تصحيح ما أفاده الشيخ من تثليث الأقسام ، منهم : المحقّق النائينيّ والمحقّق العراقيّ والسيّد الخوئيّ. راجع فوائد الاصول ٣ : ٤ ، نهاية الأفكار ٣ : ٤ ـ ٥ ، مصباح الاصول ٢ : ١١.

وذهب بعض آخر إلى تثليث الأقسام بوجه آخر ، منهم : المحقّقان الأصفهانيّ والحائريّ ، والسيّد الإمام الخمينيّ. راجع نهاية الدراية ٢ : ٣٠ ، درر الفوائد ٢ : ٢ ، أنوار الهداية ١ : ٣٤ ـ ٣٥.

ولا يخفى : أنّه لا يترتّب على كيفيّة التقسيم أيّ أثر عمليّ في مقام الاستنباط ، فلا نطيل المقام بذكر ما أفاده الأعلام من النقض والإبرام في المقام ، فإنّه تطويل بلا طائل.

(١) أي : مرجع المكلّف عند عدم القطع وعدم قيام طريق معتبر.

(٢) وهو الظانّ.

[أحكام القطع وأقسامه]

وكيف كان فبيان أحكام القطع وأقسامه يستدعي رسم امور :

الأمر الأوّل

[لزوم العمل بالقطع عقلا]

لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا ولزوم الحركة على طبقه جزما ، وكونه موجبا لتنجّز التكليف الفعليّ (١) فيما أصاب باستحقاق الذمّ والعقاب على مخالفته ، وعذرا فيما أخطأ قصورا. وتأثيره في ذلك (٢) لازم ، وصريح الوجدان به شاهد وحاكم ؛ فلا حاجة إلى مزيد بيان وإقامة برهان.

ولا يخفى : أنّ ذلك لا يكون بجعل جاعل ، لعدم جعل تأليفيّ حقيقة بين الشيء ولوازمه ، بل عرضا بتبع جعله بسيطا.

__________________

(١) لا يخفى : أنّ في قوله : «وكونه موجبا لتنجّز التكليف الفعليّ» وجهين :

الأوّل : أن يكون معطوفا على قوله : «لا شبهة في وجوب العمل». ويكون المراد أنّ للقطع أثرين : (أحدهما) وجوب متابعته. (ثانيهما) منجّزيّته ـ بمعنى استحقاق العقاب على مخالفته ـ ومعذّريّته فيما أخطأ.

الثاني : أن يكون تعبيرا آخر عن قوله : «وجوب العمل» على نحو العطف التفسيريّ ، فيكون المراد من المنجّزيّة نفس وجوب متابعته. وهذا ما يظهر من كلام المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ٢ : ٣١ ، وكلام المحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول ٢ : ١٥.

(٢) أي : في وجوب متابعة القطع وتنجّز التكليف واستحقاق العقوبة على مخالفته.

وبذلك (١) انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا ؛ مع أنّه يلزم منه اجتماع الضدّين اعتقادا مطلقا ، وحقيقة في صورة الإصابة ، كما لا يخفى (٢).

__________________

(١) أي : بما ذكرنا من أنّ وجوب متابعة القطع ومنجّزيّته من اللوازم العقليّة.

(٢) لا يخفى عليك : أنّ البحث في المقام يقع في جهات ثلاث :

الأولى : في أنّ طريقيّة القطع للكشف عن المقطوع به ذاتيّة أو جعليّة؟

الثانية : في أنّ وجوب متابعته ـ بمعنى استحقاق العقاب على مخالفته ـ هل هو ثابت شرعا أو ثابت ببناء العقلاء ويكون أمرا جعليّا عقلائيّا أو هو من اللوازم العقليّة للقطع؟

الثالثة : في أنّه هل يمكن للشارع المنع عن العمل به أو لا؟

أمّا الجهة الأولى : فلا شكّ في أنّ طريقيّة القطع ذاتيّة ، لا تنالها يد الجعل ، ضرورة أنّ حقيقة القطع هي نفس الانكشاف ، فلا يعقل الجعل فيه بجميع أنحائه ، فإنّ ثبوت الشيء لنفسه ضروريّ.

وأمّا الجهة الثانية : فاستظهر السيّد البروجرديّ من كلام الشيخ الأنصاريّ أنّ وجوب متابعة القطع وجوب شرعيّ. فرائد الاصول ٢ : ٣٠ ، لمحات في الاصول : ٤٢٢.

وذهب المصنّف رحمه‌الله إلى أنّ وجوب متابعته من لوازمه العقليّة ، حيث قال : «وتأثيره في ذلك لازم ، والوجدان به شاهد وحاكم».

وذهب المحقّق الاصفهانيّ إلى أنّ وجوب متابعته ـ بمعنى إذعان العقل باستحقاق العقاب على مخالفة ما تعلّق به القطع ـ ثابت ببناء العقلاء حفظا للنظام وإبقاء للنوع من باب أنّ مخالفة الأمر خروج عن زيّ الرقّيّة والعبوديّة وتكون هتكا للمولى وظلما به. فيكون وجوب متابعة القطع ـ بمعنى تنجّز التكليف واستحقاق العقاب ـ من القضايا المشهورة الّتي تطابقت عليها آراء العقلاء ، فيكون أمرا جعليّا عقلائيّا. نهاية الدراية ٢ : ٣١ و ٣٤ ـ ٣٥ و ٤١ ـ ٤٢.

وأمّا الجهة الثالثة : فذهب المصنّف رحمه‌الله إلى أنّه يمتنع المنع عن تأثيره ، وذلك لوجهين :

الأوّل : أنّه إذا فرض أنّ وجوب متابعة القطع من لوازمه العقليّة ، فيمتنع رفعه ، لامتناع التفكيك بين الشيء ولوازمه.

الثاني : أنّه لا معنى للمنع عن تأثير القطع إلّا نفي وجوب متابعته ، وهو مساوق للجواز. فإذا تعلّق قطع القاطع بحرمة شيء ـ مثلا ـ وردع الشارع عن تأثير قطعه كان مقتضى ردعه جواز ذلك الشيء. ومعلوم أنّ الحرمة والجواز متضادّان. وحينئذ لا يخلو : إمّا أن يكون قطعه مطابقا للواقع فيلزم اجتماع الضدّين باعتقاد القاطع وحقيقة. وإمّا أن لا يكون قطعه مطابقا للواقع فيلزم اجتماع الضدّين باعتقاد القاطع.

ومن هنا يظهر : أنّ مراد المصنّف رحمه‌الله من قوله : «اعتقادا مطلقا» أنّه يلزم منه اجتماع الضدّين ، سواء كان قطعه مطابقا للواقع أو لم يكن مطابقا له.