درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۵: قطع ۵

 

عليه من تبعة العقوبة واللوم والمذمّة ـ يمكن أن يقال : إنّ حسن المؤاخذة والعقوبة إنّما يكون من تبعة بعده عن سيّده بتجرّيه عليه ، كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة ، فكما أنّه يوجب البعد عنه ، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة ، فإنّه وإن لم يكن باختياره (١) ، إلّا أنّه بسوء سريرته وخبث باطنه ، بحسب نقصانه واقتضاء استعداده ذاتا وإمكانه. وإذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال وينقطع السؤال ب «لم» ، فإنّ الذاتيّات ضروريّ الثبوت للذات (٢). وبذلك أيضا ينقطع السؤال عن أنّه لم اختار الكافر والعاصي الكفر والعصيان ، والمطيع والمؤمن الإطاعة والإيمان؟ فإنّه يساوق السؤال عن أنّ الحمار لم يكون ناهقا ، والإنسان لم يكون ناطقا؟

وبالجملة : تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه «تعالى» والبعد عنه سبب لاختلافها في استحقاق الجنّة ودرجاتها ، والنار ودركاتها ، وموجب لتفاوتها في نيل الشفاعة وعدمه (٣) ، وتفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتيّا ، والذاتيّ لا يعلّل.

إن قلت : على هذا (٤) فلا فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب والوعظ والإنذار.

قلت : ذلك (٥) لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته ، لتكمل به نفسه ، ويخلص مع ربّه انسه ، [قال الله تعالى] (٦) : ﴿ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ (٧) ، [و] قال الله تبارك وتعالى : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨) ، وليكون حجّة

__________________

(١) كيف لا؟ وكانت المعصية الموجبة لاستحقاق العقوبة غير اختياريّة ، فإنّها هي المخالفة العمديّة ، وهي لا تكون بالاختيار ، ضرورة أنّ العمد إليها ليس باختياريّ ، وإنّما تكون نفس المخالفة اختياريّة ، وهي غير موجبة للاستحقاق ، وإنّما الموجبة له هي العمديّة منها ، كما لا يخفى على اولي النهى. منه [أعلى الله مقامه].

(٢) هكذا في بعض النسخ. وفي بعضها : «ضروريّ للذات». والصحيح أن يقول : «ضروريّة الثبوت للذات».

(٣) وفي بعض النسخ : «وعدم نيلها».

(٤) أي : على تقدير كون النقصان ذاتيّا.

(٥) أي : بعث الرسل وإنزال الكتب.

(٦) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٧) الأعراف / ٤٣.

(٨) الذاريات / ٥٥.

على من ساءت سريرته وخبثت طينته ، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (١) ، كيلا يكون للناس على الله حجّة (٢) ، بل كان له حجّة بالغة (٣).

[الاستدلال على المختار بالنقل]

ولا يخفى : أنّ في الآيات (٤) والروايات (٥) شهادة على صحّة ما حكم به

__________________

(١) الأنفال / ٤٢.

(٢) أي : حجّة لله تعالى.

(٣) لا يخفى : أنّ مسألة اختياريّة الإرادة وعدمها من المسائل الدقّيّة العقليّة الّتي وقعت بين الأفاضل والأعلام موردا للنقض والإبرام. ولتحقيق المسألة مقام آخر ، فإنّ لها مقدّمات دقيقة عقليّة مبرهنة في المعقول ، فلا بدّ من تحقيقها في المباحث العقليّة الفلسفيّة. ولا يجوز الدخول فيها من دون ذكر مقدّماتها ، فإنّ الدخول فيها من دون ذكر المقدّمات لا ينتج إلّا الذهول عن حقيقة الأمر والخروج عن سبيل الحقّ ، كما هو المتراءى من المحقّق المصنّف رحمه‌الله في المقام ومبحث الطلب ، والإرادة.

(٤) منها : قوله تعالى : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ البقرة / ٢٨٤.

ومنها : قوله تعالى : ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ الأسراء / ٣٦.

ومنها : قوله تعالى : ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ البقرة / ٢٢٥.

ومنها : قوله تعالى : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الأنفال / ٢٥.

فإنّ هذه الآيات تدلّ على المؤاخذة على الخطرات القلبيّة العمديّة ، فتدلّ على استحقاق المتجرّي للعقاب.

(٥) منها : قوله عليه‌السلام : «الراضي بفعل قوم كالداخل معهم فيه. وعلى كلّ داخل في باطل إثمان : إثم العمل به ، وإثم الرضا به». الوسائل ١١ : ٤٨ ، الباب ٥ من أبواب الأمر والنهي (كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، الحديث ١٢.

ومنها : قوله عليه‌السلام : «إنّ الله يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة». الوسائل : ١ : ٣٤ ، الباب ٥ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٥.

ومنها : قوله عليه‌السلام : «إنّما خلّد أهل النار في النار ، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا الله أبدا ...». الوسائل ١ : ٣٦ ، الباب ٦ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٤.