درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۶: قطع ۶

 

على من ساءت سريرته وخبثت طينته ، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (١) ، كيلا يكون للناس على الله حجّة (٢) ، بل كان له حجّة بالغة (٣).

[الاستدلال على المختار بالنقل]

ولا يخفى : أنّ في الآيات (٤) والروايات (٥) شهادة على صحّة ما حكم به

__________________

(١) الأنفال / ٤٢.

(٢) أي : حجّة لله تعالى.

(٣) لا يخفى : أنّ مسألة اختياريّة الإرادة وعدمها من المسائل الدقّيّة العقليّة الّتي وقعت بين الأفاضل والأعلام موردا للنقض والإبرام. ولتحقيق المسألة مقام آخر ، فإنّ لها مقدّمات دقيقة عقليّة مبرهنة في المعقول ، فلا بدّ من تحقيقها في المباحث العقليّة الفلسفيّة. ولا يجوز الدخول فيها من دون ذكر مقدّماتها ، فإنّ الدخول فيها من دون ذكر المقدّمات لا ينتج إلّا الذهول عن حقيقة الأمر والخروج عن سبيل الحقّ ، كما هو المتراءى من المحقّق المصنّف رحمه‌الله في المقام ومبحث الطلب ، والإرادة.

(٤) منها : قوله تعالى : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ البقرة / ٢٨٤.

ومنها : قوله تعالى : ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ الأسراء / ٣٦.

ومنها : قوله تعالى : ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ البقرة / ٢٢٥.

ومنها : قوله تعالى : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الأنفال / ٢٥.

فإنّ هذه الآيات تدلّ على المؤاخذة على الخطرات القلبيّة العمديّة ، فتدلّ على استحقاق المتجرّي للعقاب.

(٥) منها : قوله عليه‌السلام : «الراضي بفعل قوم كالداخل معهم فيه. وعلى كلّ داخل في باطل إثمان : إثم العمل به ، وإثم الرضا به». الوسائل ١١ : ٤٨ ، الباب ٥ من أبواب الأمر والنهي (كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، الحديث ١٢.

ومنها : قوله عليه‌السلام : «إنّ الله يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة». الوسائل : ١ : ٣٤ ، الباب ٥ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٥.

ومنها : قوله عليه‌السلام : «إنّما خلّد أهل النار في النار ، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا الله أبدا ...». الوسائل ١ : ٣٦ ، الباب ٦ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٤.

الوجدان الحاكم على الإطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة والمثوبة.

[استدلال المحقّق السبزواريّ ، والمناقشة فيه]

ومعه (١) لا حاجة إلى ما استدلّ على استحقاق المتجرّي للعقاب بما حاصله : «أنّه لولاه (٢) مع استحقاق العاصي له (٣) يلزم إناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار ، من مصادفة قطعه الخارجة عن تحت قدرته واختياره ، مع بطلانه وفساده» (٤).

إذ للخصم أن يقول : بأنّ استحقاق العاصي دونه إنّما هو لتحقّق سبب الاستحقاق فيه (٥) ـ وهو مخالفته عن عمد واختيار ـ وعدم تحقّقه فيه (٦) ، لعدم

__________________

ـ ولا يخفى : أنّها معارضة بخلافها ، كما ورد في روايات متعدّدة : «من همّ بسيّئة لم تكتب عليه». وسائل الشيعة ١ : ٣٦ ، الباب ٦ من أبواب مقدّمة العبادات الحديث ٦ و ٧ و ٢٠ و ٢١.

وقد يجمع بين الطائفتين بحمل الطائفة الأولى على القصد مع الاشتغال ببعض المقدّمات. والطائفة الثانية على مجرّد القصد.

وقد يجمع بينهما بحمل الطائفة الأولى على إرادة النيّة مع عدم الارتداع ، والثانية على إرادة النيّة أوّلا ثمّ الارتداع بعد ذلك.

وأورد المحقّق الخوئيّ على الاستدلال بالروايات من وجوه ثلاثة :

الأوّل : أنّها قاصرة من حيث السند أو من حيث الدلالة.

الثاني : أنّ مفادها هو المؤاخذة على نيّة المعصية الواقعيّة وقصد ارتكاب الحرام الواقعيّ ، لا ما يعتقده المكلّف حراما مع عدم كونه حراما واقعا.

الثالث : أنّ غاية ما تدلّ عليه أنّ القصد ممّا يحاسب ويعاقب عليه. وهذا التعبير لا يدلّ إلّا على ما كان العقل مستقلّا به من استحقاق المتجرّي للعقاب. مصباح الاصول ٢ : ٢٩ ـ ٣٠.

(١) أي : مع حكم الوجدان الّذي يشهد بصحّته الآيات والروايات.

(٢) أي : لو لا استحقاق المتجرّي للعقاب.

(٣) أي : للعقاب.

(٤) هذا ما تعرّض له الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٣٨ ـ ٣٩. ولعلّه أشار به إلى ما أفاده المحقّق السبزواريّ ـ في مسألة المصلّي الجاهل بالوقت ـ ، فراجع ذخيرة المعاد : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

(٥) أي : في العاصي.

(٦) أي : عدم تحقّق سبب الاستحقاق في المتجرّي.

مخالفته أصلا ـ ولو بلا اختيار ـ ، بل عدم (١) صدور فعل منه في بعض أفراده بالاختيار ، كما في التجرّي بارتكاب ما قطع أنّه من مصاديق الحرام ، كما إذا قطع ـ مثلا ـ بأنّ مائعا خمر مع أنّه لم يكن بالخمر ، فيحتاج إلى إثبات أنّ المخالفة الاعتقاديّة سبب كالواقعيّة الاختياريّة ، كما عرفت بما لا مزيد عليه.

[توهّم صاحب الفصول ، والجواب عنه]

ثمّ لا يذهب عليك : أنّه ليس في المعصية الحقيقيّة إلّا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة ـ وهو هتك واحد ـ ، فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين ـ كما توهّم (٢) ـ. مع ضرورة أنّ المعصية الواحدة لا توجب إلّا عقوبة واحدة. كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما كما لا يخفى. ولا منشأ لتوهّمه إلّا بداهة أنّه ليس في معصية واحدة إلّا عقوبة واحدة ، مع الغفلة عن أنّ وحدة المسبّب تكشف ـ بنحو الإنّ ـ عن وحدة السبب.

الأمر الثالث

[أقسام القطع وأحكامها]

[القطع الطريقيّ]

إنّه قد عرفت (٣) أنّ القطع بالتكليف ـ أخطأ أو أصاب ـ يوجب عقلا استحقاق

__________________

(١) معطوف على قوله : «لعدم».

(٢) المتوهّم هو صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٨٧.

وحاصل التوهّم : أنّ تفويت المقدّمة قبل زمان الواجب تجرّ على ترك الواجب ، فإذا لم يعثر عليها بعد الوقت يصير مصادفا للمعصية الحقيقة ويعدّان معصيتين ، فيستحقّ عقابين ، لكنّه إذا صادفها تداخلا وعدّا معصية واحدة.

وحاصل الجواب عنه : أنّ مشنأ استحقاق العقوبة في المعصية الحقيقيّة واحد ، وهو الهتك الواحد ، فلا موجب لتعدّد العقوبة كي يقال بتداخلهما. وعلى تقدير تعدّدها لا وجه للتداخل ، فإنّ وحدة المسبّب ـ وهو العقاب ـ كاشفة بنحو الإنّ عن وحدة السبب.

(٣) في الأمر الأوّل.

المدح والثواب ، أو الذمّ والعقاب من دون أن يؤخذ شرعا في خطاب (١).

[القطع الموضوعيّ]

وقد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلّقه (٢) ، لا يماثله ولا يضادّه (٣) ـ كما إذا ورد مثلا في الخطاب : «أنّه إذا قطعت بوجوب شيء يجب عليك التصدّق بكذا» ـ تارة بنحو يكون تمام الموضوع ، بأن يكون القطع بالوجوب مطلقا ـ ولو أخطأ ـ موجبا لذلك (٤) ؛ واخرى بنحو يكون جزءه وقيده ، بأن يكون القطع به في خصوص ما أصاب موجبا له.

وفي كلّ منهما يؤخذ طورا بما هو كاشف وحاك عن متعلّقه ؛ وآخر بما هو صفة خاصّة للقاطع ، أو المقطوع به.

وذلك (٥) لأنّ القطع لمّا كان من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة (٦) ـ ولذا كان العلم نورا لنفسه ونورا لغيره ـ صحّ أن يؤخذ فيه (٧) بما هو صفة خاصّة وحالة

__________________

(١) هذا هو القطع الطريقيّ.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «يخالف حكم متعلّقه».

والمراد أنّ القطع قد يؤخذ موضوعا لحكم يخالف مع حكم متعلّق القطع. كما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة وجب عليك التصدّق» ، فإنّ العلم بوجوب الصلاة اخذ موضوعا لحكم وجوب التصدّق الّذي كان مخالفا لحكم متعلّق القطع أي وجوب الصلاة ، ضرورة أنّ تعدّد المتعلّقين يوجب تعدّد الحكمين.

(٣) أي : إنّ الحكم الآخر لا يماثل حكم متعلّق القطع ، كالمثال المتقدّم. بخلاف ما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة» أو قال : «إذا علمت بوجوب الصلاة حرمت عليك الصلاة» ، فإنّ المثال الأوّل من اجتماع المثلين ، والثاني من اجتماع الضدّين.

(٤) أي : موجبا لذلك الحكم الآخر المخالف لحكم متعلّق القطع.

(٥) أي : الأخذ بأحد النحوين الأخيرين.

(٦) وهي الصفات الّتي اخذت الإضافة في مفهومها ، بمعنى أنّ تصوّرها متوقّفة على تصوّر الغير ، سواء كانت من الصفات الّتي لم تتوقّف في تحقّقها على الغير كالعلم ، أو كانت من الصفات الّتي تتوقّف في تحقّقها أيضا على الغير كالخلق والرزق.

(٧) أي : في موضوع حكم آخر.