درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۴: قطع ۱۴

 

ومن هنا قد انقدح : أنّه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الاصول الحكميّة أو الموضوعيّة في أطراف العلم لو كانت جارية مع قطع النظر عنه (١).

كما لا يدفع بها (٢) محذور عدم الالتزام به (٣) ، بل الالتزام بخلافه (٤) لو قيل بالمحذور فيه (٥) حينئذ أيضا ، إلّا على وجه دائر ، لأنّ جريانها موقوف على عدم محذور في عدم الالتزام اللازم من جريانها ، وهو موقوف على جريانها بحسب الفرض (٦).

__________________

(١) والحاصل : أنّه على تقدير لزوم الموافقة الالتزاميّة يجب الالتزام بما هو الثابت عند الله واقعا والاعتقاد بحكم الله الواقعيّ على واقعه ، ولو لم يعلم مصداق ما هو الثابت عنده تعالى مفصّلا. وهذا الالتزام ممكن أيضا فيما إذا دار الأمر بين المحذورين ، كما إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة ، إذ يمكن الالتزام بما هو الثابت عند الله واقعا. والالتزام به كذلك لا ينافي جريان الاصول الحكميّة ـ كأصالة الإباحة فيما دار أمره بين الوجوب أو الحرمة ـ أو الموضوعيّة ـ كاستصحاب عدم تعلّق الحلف بوطء المرأة فيما إذا تردّدت بين من وجب وطئها وبين من وجب ترك وطئها ـ ، ضرورة أنّ الملتزم به هو الحكم الثابت عند الله واقعا ، وما يثبت بالاصول هو الحكم الظاهريّ ، ولا تنافي بينهما.

(٢) أي : بالاصول الحكميّة أو الموضوعيّة. وفي بعض النسخ : «ولا يدفع هنا».

(٣ ـ ٤) الضمير يرجع إلى التكليف.

(٥) أي : في عدم الالتزام.

(٦) لا يخفى : أنّ في النسخة الأصليّة ضرب قلم المحو على قوله : «بل الالتزام بخلافه ... بحسب الفرض». وأمّا في غيرها من النسخ المخطوطة بل في النسخ المطبوعة ـ عدا ما في حقائق الاصول ـ فالزيادة موجودة.

ولا يخفى أيضا : أنّ كلامه هذا تعريض بما أفاده الشيخ الأنصاريّ ـ في فرائد الاصول ١ : ٨٤ ـ من دفع محذور عدم الالتزام بالتكليف بإجراء الاصول الموضوعيّة أو الحكميّة.

وتوضيحه يتوقّف على بيان امور :

الأوّل : أنّه إذا كان المكلّف متمكّنا من الموافقة الالتزاميّة تجب عليه الموافقة والالتزام عقلا على تقدير لزوم الموافقة الالتزاميّة ، وإلّا لزم لغويّة لزوم الموافقة الالتزاميّة. فلزوم الموافقة علّة لوجوبها عقلا ، ولا مانع من تأثيره فيها إلّا عدم التمكّن من الموافقة ، والمفروض أنّه متمكّن من الموافقة ، بأن يلتزم بما هو الثابت واقعا ولو إجمالا ، فلا مانع من تأثيره. وإذن يكون القول بعدم وجوب الموافقة على تقدير لزوم الموافقة قولا بجواز تخلّف العلّة عن معلولها ، وبطلانه واضح.

ومن هنا يظهر امور : ـ

اللهمّ إلّا أن يقال (١) : إنّ استقلال العقل بالمحذور فيه إنّما يكون فيما إذا لم يكن هناك ترخيص في الإقدام والاقتحام في الأطراف ، ومعه لا محذور فيه ، بل ولا في الالتزام بحكم آخر. إلّا أنّ الشأن حينئذ في جواز جريان الاصول في أطراف العلم الإجماليّ مع عدم ترتّب أثر عمليّ عليها ، مع أنّها أحكام عمليّة كسائر الأحكام الفرعيّة ؛ مضافا إلى عدم شمول أدلّتها لأطرافه ، للزوم التناقض في مدلولها على تقدير شمولها ، كما ادّعاه (٢) شيخنا العلّامة ـ أعلى الله مقامه (٣) ـ ، وإن كان محلّ تأمّل ونظر ، فتدبّر جيّدا.

__________________

ـ ١ ـ أنّ المراد من محذور عدم الالتزام بالتكليف هو تخلّف العلّة عن المعلول.

٢ ـ أنّ المحذور ثابت في الالتزام بخلاف التكليف أيضا ، كما أشار إليه المصنّف رحمه‌الله بقوله : «بل الالتزام بخلافه ...».

٣ ـ أنّ المراد من قوله : «حينئذ» هو حين العلم الإجماليّ بوجوب الشيء أو حرمته.

٤ ـ أنّ قوله : «أيضا» إشارة إلى ثبوت المحذور فيما إذا علم بالحكم تفصيلا.

الثاني : أنّه يستفاد من كلام الشيخ الأنصاريّ ـ في فرائد الاصول ١ : ٨٤ ـ أنّه يدفع محذور عدم الالتزام بالتكليف بسبب إجراء الاصول الحكميّة أو الموضوعيّة. وذلك لأنّ إجراء الأصل في الشبهة الموضوعيّة يرفع موضوع وجوب الالتزام ، فإنّ أصالة عدم الحلف على ترك وطء هذه المرأة أو عدم الحلف على وطئها ـ في مورد دوران الأمر بينهما ـ تخرج المرأة عن موضوع وجوب الالتزام ـ وهو وجوب الوطء أو حرمته ـ ، فلا يجب الالتزام بهما ، لعدم ثبوتهما.

الثالث : أنّه ذهب المصنّف رحمه‌الله إلى بطلان ما ذكره الشيخ في دفع محذور عدم الالتزام بالتكليف بإجراء الاصول ، لأنّه مستلزم للدور. وذلك لأنّ جريان الأصل في كلّ من الطرفين موقوف على عدم محذور في عدم الالتزام بالحكم الواقعيّ بسبب جريانها ، وإلّا لم تجر الأصول ، وعدم المحذور موقوف أيضا على جريانهما ، وهذا دور.

وبتعبير آخر : جريان الأصل موقوف على عدم ثبوت وجوب الالتزام ، فإنّ ثبوت وجوبه مناف لجريان الأصل ، وعدم ثبوت وجوبه موقوف على جريان الأصل ، وهذا دور.

(١) هذا استدراك على قوله : «كما لا يدفع بها ...» ودفع للدور وتصحيح لكلام الشيخ.

(٢) أي : ادّعى الشيخ عدم شمول أدلّة الاصول لأطراف العلم الإجماليّ.

(٣) راجع فرائد الاصول ٣ : ٤١٠.

الأمر السادس

[حجّيّة قطع القطّاع]

لا تفاوت في نظر العقل أصلا فيما رتّب على القطع من الآثار عقلا بين أن يكون حاصلا بنحو متعارف ومن سبب ينبغي حصوله منه ، أو غير متعارف لا ينبغي حصوله منه ـ كما هو الحال غالبا في القطّاع ـ ، ضرورة أنّ العقل يرى تنجّز التكليف بالقطع الحاصل ممّا لا ينبغي حصوله ، وصحّة مؤاخذة قاطعه على مخالفته ، وعدم صحّة الاعتذار عنها بأنّه حصل كذلك ، وعدم صحّة المؤاخذة مع القطع بخلافه ، وعدم حسن الاحتجاج عليه بذلك ولو مع التفاته إلى كيفيّة حصوله.

نعم ، ربما يتفاوت الحال في القطع المأخوذ في الموضوع شرعا ، والمتّبع في عمومه وخصوصه دلالة دليله في كلّ مورد ؛ فربما يدلّ على اختصاصه بقسم في مورد ، وعدم اختصاصه به في آخر ، على اختلاف الأدلّة واختلاف المقامات ، بحسب مناسبات الأحكام والموضوعات وغيرها من الأمارات.

وبالجملة : القطع فيما كان موضوعا عقلا لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع ، ولا من حيث المورد ، ولا من حيث السبب ، لا عقلا وهو واضح ، ولا شرعا ، لما عرفت (١) من أنّه لا تناله يد الجعل نفيا ولا إثباتا وإن نسب إلى بعض الأخباريّين (٢) : «أنّه لا اعتبار بما إذا كان بمقدّمات عقليّة». إلّا أنّ مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة ، بل تشهد بكذبها (٣) ، وأنّها إنّما تكون إمّا في مقام منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شيء وحكم الشرع بوجوبه ، كما ينادي به بأعلى صوته

__________________

(١) في الأمر الأوّل ، الصفحة : ٢٣٣ من هذا الجزء.

(٢) كالمحدّث الأسترآباديّ في الفوائد المدنيّة : ١٢٩ ، والمحدّث الجزائريّ في شرح التهذيب ـ على ما في فرائد الاصول ١ : ٥٤ ـ ، والمحدّث البحرانيّ في الحدائق الناضرة ١ : ١٣٢.

(٣) لا يخفى : أنّ كلام جملة منهم صريح في عدم جواز العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة. فراجع ما استقصى الشيخ الأنصاريّ من كلماتهم في فرائد الاصول ١ : ٦١ ـ ٦٥.