درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۶: قطع ۱۶

 

التفصيليّ بالحكم الفعليّ (١) لأجل منع بعض مقدّماته الموجبة له ، ولو إجمالا ، فتدبّر جيّدا.

الأمر السابع

[حجّيّة العلم الإجماليّ]

إنّه قد عرفت (٢) كون القطع التفصيليّ بالتكليف الفعليّ علّة تامّة لتنجّزه ، لا يكاد تناله يد الجعل إثباتا أو نفيا ، فهل القطع الإجماليّ كذلك (٣)؟

[المقام الأوّل : في ثبوت التكليف بالعلم الإجماليّ وعدمه]

فيه إشكال (٤).

[القول المختار في المقام]

لا يبعد أن يقال (٥) : إنّ التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف ، وكانت مرتبة

__________________

ـ الفرع الخامس : انّه إذا كان لأحد درهم عند الودعي وللآخر درهمان عنده ، فسرق أحد الدراهم ، فيحكم بأنّ لصاحب الدرهمين درهم ونصف ولصاحب الدرهم نصف. مع أنّ الحكم بالتنصيف مخالف للعلم الإجماليّ بأنّ تمام هذا الدرهم لأحدهما ، بل التنصيف يوجب إعطاء النصف لغير مالكه.

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «من حمله على ما لم يحصل العلم التفصيليّ بالحكم الفعليّ ...» أو يقول : «من المنع عن حصول العلم التفصيليّ بالحكم الفعليّ في تلك الموارد ...».

(٢) في الأمر الأوّل ، الصفحة : ٢٣٣ من هذا الجزء.

(٣) اعلم أنّ البحث عن العلم الإجماليّ يقع في مقامين :

المقام الأوّل : في أنّ العلم الإجماليّ هل يكون منجّزا ومثبتا للتكليف كما كان العلم التفصيليّ كذلك أم لا؟

المقام الثاني : هل يكون الامتثال الإجماليّ مسقطا للتكليف أم لا؟

(٤) بل فيه أقوال. ولكن المصنّف رحمه‌الله اقتصر على بيان مختاره وبيان ما ينسب إلى الشيخ الأعظم الأنصاريّ ، وإن كان في النسبة نظر ، كما سيأتي.

(٥) وفي بعض النسخ : «ربما يقال».

الحكم الظاهريّ معه محفوظة ، جاز الإذن من الشارع بمخالفته احتمالا ، بل قطعا (١).

__________________

(١) والحاصل : أنّ العلم الإجماليّ ليس علّة تامّة لتنجّز التكليف ، بل إنّما يكون مقتضيا للتنجّز بحيث يؤثّر في التكليف لو لم يمنع مانع عن تأثيره. بخلاف الشكّ البدويّ ، فإنّه لا يؤثّر في التنجّز أصلا. وبخلاف العلم التفصيليّ فإنّه يكون علّة تامّة للتنجّز. وعليه يكون العلم الإجماليّ مقتضيا بالنسبة إلى كلّ من وجوب الموافقة وحرمة المخالفة القطعيّتين ، فيمكن للشارع جعل الترخيص في أطراف العلم الإجماليّ بالتكليف الإلزاميّ من الوجوب والحرمة.

وتوضيح ما أفاده يبتني على تقديم مقدّمتين :

إحداهما : أنّ الحكم الواقعيّ ينكشف بالعلم التفصيليّ تمام الانكشاف ، فيكون تامّ الفعليّة من جميع الجهات ومنجّزا بلا قيد. بخلاف العلم الإجماليّ ، فإنّ الحكم الواقعيّ لم ينكشف به تمام الانكشاف ، فلا يكون الواقع في موارد العلم الإجماليّ تامّ الفعليّة ، بل يكون فعليّا من جهة دون جهة اخرى.

ثانيتهما : أنّه إذا انكشف الواقع تمام الانكشاف فيرتفع مورد الحكم الظاهريّ ، بداهة أنّ الواقع ـ حينئذ ـ لا يكون موردا للأمارة ولا للأصل. وأمّا إذا لم ينكشف تمام الانكشاف ـ كما في موارد العلم الإجماليّ ـ فتكون مرتبة الحكم الظاهريّ محفوظة ، لأنّ في موارد العلم الإجماليّ يكون كلّ من أطراف العلم الإجماليّ مشكوك الحكم ومجهوله ، فيكون موردا للأمارة وموضوعا للأصل.

إذا عرفت هاتين المقدّمتين ، فنقول :

إنّ العلم الإجماليّ مقتض بالنسبة إلى لزوم الموافقة وحرمة المخالفة القطعيّتين ، وحينئذ يمكن للشارع جعل ترخيص المكلّف في مخالفة جميع الأطراف ظاهرا ، لعدم المنافاة بين الحكم المعلوم بالإجمال وبين الترخيص ، لما مرّ من عدم كون المعلوم بالإجمال فعليّا من جميع الجهات ، فتكون مرتبة الحكم الظاهريّ محفوظة مع العلم الإجماليّ ، فلا منافاة بين الحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال وبين الحكم الظاهريّ.

وقد يتوهّم من عبارة المصنّف رحمه‌الله في مبحث الاشتغال أنّ العلم الإجماليّ علّة تامّة بالنسبة إلى كلا الطرفين ، فيكون ما أفاده هنا منافيا لما أفاده هناك. هذا ما توهّمه العلّامة المحشّي المشكينيّ على ما في حواشيه على الكفاية (المطبوعة بالطبع الحجريّ) ٢ : ٣٥.

ولكن التحقيق : أنّه لا تهافت بين كلاميه ، فإنّه أفاد هنا أنّ العلم الإجماليّ إنّما يكون مقتضيا للتكليف ، بمعنى أنّه يكشف عن الحكم الواقعيّ لو لم يمنع مانع عنه. وأفاد هناك أنّ العلم الإجماليّ علّة للتنجّز فيما إذا تعلّق بالحكم الفعليّ التامّ الفعليّة. وأنت خبير بعدم المنافاة بينهما. وسيأتي مزيد توضيح في مبحث الاشتغال إن شاء الله.

وليس محذور مناقضته مع المقطوع إجمالا إلّا محذور (١) مناقضة الحكم الظاهريّ مع الواقعيّ في الشبهة غير المحصورة بل الشبهة البدويّة (٢) ، ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بين التكليف الواقعيّ والإذن بالاقتحام في مخالفته بين الشبهات أصلا ؛ فما به التفصّي عن المحذور فيهما كان به التفصّي عنه في القطع به في الأطراف المحصورة أيضا ، كما لا يخفى. وقد أشرنا إليه سابقا (٣) ويأتي إن شاء الله مفصّلا (٤).

نعم ، كان العلم الإجماليّ كالتفصيليّ في مجرّد الاقتضاء ، لا في العلّيّة التامّة (٥) ، فيوجب تنجّز التكليف أيضا لو لم يمنع عنه مانع عقلا كما كان في أطراف كثيرة غير محصورة ، أو شرعا كما في ما أذن الشارع في الاقتحام فيها كما هو ظاهر

__________________

(١) وفي بعض النسخ هكذا : «ومحذور مناقضته مع المقطوع إجمالا إنّما هو محذور ...» والمعنى واحد.

(٢) وفي بعض النسخ زيادة ، هي : «لا يقال : إنّ التكليف فيهما لا يكون بفعليّ. فإنّه يقال : كيف المقال في موارد ثبوته في أطراف غير محصورة أو في الشبهات البدويّة مع القطع به أو احتماله أو بدون ذلك». ولكن ضرب عليها في النسخة الأصليّة قلم المحو. وهو الصحيح ، فإنّها مستدركة ، لاستفادة مضمونها من مطاوي السطور المتقدّمة عليها.

والحاصل : أنّه لا مضادّة بين الحكم الواقعيّ والظاهريّ في المقام ، إذ لو كانت بينهما مضادّة لما أمكن جعل الحكم الظاهريّ في الشبهات غير المحصورة ، بل في الشبهة البدويّة.

(٣) في الأمر الرابع : ٢٥٧ ، حيث قال : «قلت : لا بأس باجتماع الحكم الواقعيّ ...».

(٤) في مبحث حجّيّة الأمارات ، الصفحة : ٢٨٥ ـ ٢٨٧ من هذا الجزء.

(٥) لكنّه لا يخفى : أنّ التفصّي عن المناقضة ـ على ما يأتي ـ لمّا كان بعدم المنافاة بين الحكم الواقعيّ ما لم يصر فعليّا والحكم الظاهريّ الفعليّ كان الحكم الواقعيّ في موارد الاصول والأمارات المؤدّية إلى خلافه لا محالة غير فعليّ ، فحينئذ فلا يجوّز العقل مع القطع بالحكم الفعليّ الإذن في مخالفته ، بل يستقلّ مع قطعه ببعث المولى أو زجره ولو إجمالا بلزوم موافقته وإطاعته ، نعم لو عرض بذلك عسر موجب لارتفاع فعليّته شرعا أو عقلا ، كما إذا كان مخلّا بالنظام ، فلا تنجّز حينئذ ، لكنّه لأجل عروض الخلل في المعلوم ، لا لقصور العلم عن ذلك ، كما كان الأمر كذلك فيما إذا أذن الشارع في الاقتحام ، فإنّه أيضا موجب للخلل في المعلوم ، لا المنع عن تأثير العلم شرعا. وقد انقدح بذلك أنّه لا مانع عن تأثيره شرعا أيضا ، فتأمّل جيّدا. منه [أعلى الله مقامه].

[قوله عليه‌السلام] (١) : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (٢).

وبالجملة : قضيّة صحّة المؤاخذة على مخالفته (٣) مع القطع به بين أطراف محصورة ، وعدم صحّتها مع عدم حصرها أو مع الإذن في الاقتحام فيها ، هو كون القطع الإجماليّ مقتضيا للتنجّز ، لا علّة تامّة (٤).

__________________

(١) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٢) وسائل الشيعة ١٢ : ٥٩ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ١.

(٣) أي : مخالفة التكليف.

(٤) ولا يخفى : أنّ الأعلام الثلاثة خالفوه في المقام.

أمّا المحقّق النائينيّ : فأورد على المقدّمة الثانية الّتي ذكرناها توضيحا لما أفاده المصنّف رحمه‌الله في المقام ـ من انحفاظ رتبة الحكم الظاهريّ في أطراف العلم الإجماليّ وإمكان كون كلّ واحد من أطرافه موردا للأمارة وموضوعا للاصول وجواز جعل ترخيص الشارع في مخالفة جميع الأطراف من وجوب الموافقة وحرمة المخالفة ـ ، فقال ما لفظه : «جريان الأصول العمليّة في كلّ واحد من الأطراف يستلزم الجمع في الترخيص بين جميع الأطراف ، والترخيص في الجميع يضادّ التكليف المعلوم بالإجمال ، فلا يمكن أن تكون رتبة الحكم الظاهريّ محفوظة في جميع الأطراف. نعم ، يمكن الترخيص في بعض الأطراف والاكتفاء عن الواقع بترك الآخر أو فعله». فوائد الاصول ٣ : ٧٧.

وقال في موضع آخر : «لا يجوز الإذن في جميع الأطراف. لأنّه إذن في المعصية. والعقل يستقلّ بقبحها. وأمّا الإذن في البعض فهو ممّا لا مانع عنه ، فإنّ ذلك يرجع في الحقيقة إلى جعل الشارع الطرف الغير المأذون فيه بدلا عن الواقع والاكتفاء بتركه عنه لو فرض أنّه صادف المأذون للواقع وكان هو الحرام المعلوم في البين». فوائد الاصول ٤ : ٣٥.

والحاصل : أنّه ذهب إلى أنّ العلم الإجماليّ مقتض بالنسبة إلى خصوص وجوب الموافقة القطعيّة ، ولا تكون مرتبة الحكم الظاهريّ محفوظة في جميع الأطراف كي يجوز للشارع الترخيص في جميعها ، بل إنّما يمكن الترخيص في بعض الأطراف.

وأمّا المحقّق الاصفهانيّ : فذهب إلى أنّ العلم الإجماليّ منجّز للتكليف مطلقا ، وعلّة تامّة لانكشاف الحكم الواقعيّ تمام الانكشاف ، فيكون الحكم الواقعيّ في موارد العلم الإجماليّ تامّ الفعليّة. وذلك لأنّ حقيقة الحكم الحقيقيّ الفعليّ الّذي عليه مدار الإطاعة والعصيان هو الإنشاء بداعي البعث والتحريك وجعل الداعي. ولا يمكن اتّصاف الإنشاء بهذه الأوصاف ـ