درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۷: قطع ۱۷

 

[القول الثاني وبيان ضعفه]

وأمّا احتمال أنّه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى لزوم الموافقة القطعيّة ، وبنحو العلّيّة بالنسبة إلى الموافقة الاحتماليّة وترك المخالفة القطعيّة (١) ، فضعيف

__________________

ـ إلّا بعد وصوله إلى العبد ، وهو يتحقّق بالعلم الإجماليّ كما يتحقّق بالعلم التفصيليّ ، فإنّ العلم الإجماليّ لا يفارق التفصيليّ في حقيقة انكشاف أمر المولى ونهيه ، ولمّا كان الملاك في استحقاق العقاب هتك حرمة المولى والظلم عليه ـ بالخروج عن رسم الرقّيّة ومقتضيات العبوديّة ـ وهو منطبق على المخالفة للحكم المعلوم ولو لم يعلم طرف المعلوم تفصيلا ، كان العلم الإجماليّ منجّزا للتكليف وعلّة تامّة له. راجع نهاية الدراية ٢ : ٩٢ ـ ٩٨ و ٥٧٨ ـ ٥٨٤.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فذهب أيضا إلى أنّ العلم الإجماليّ علّة تامّة لانكشاف الحكم الواقعيّ ومنجّز له مطلقا. واستدلّ عليه بأنّ الوجدان يقضي بمناقضة العلم الإجماليّ لجريان الاصول في أطرافه وقبح الترخيص في مخالفته ، وهو أمر مرتكز يكشف عن علّيّة العلم الإجماليّ لإثبات الاشتغال بالتكليف وتنجيزه. نهاية الأفكار ٣ : ٤٦.

(١) لا يخفى : أنّ المحقّق النائينيّ نسب هذا التفصيل إلى الشيخ الأعظم الأنصاريّ. ولكن المحقّق العراقيّ نسب إليه القول بأنّ العلم الإجماليّ علّة تامّة للتنجّز مطلقا ، واستشهد على النسبة ببعض كلمات الشيخ. فراجع فوائد الاصول ٢ : ٣٦ ، ونهاية الأفكار ٣ : ٣١٠ ـ ٣١١.

والتحقيق : أنّ كلمات الشيخ في المقام مضطربة. فيستفاد من بعضها أنّه يرى تأثير العلم الإجماليّ في الموافقة القطعيّة بنحو الاقتضاء ، كقوله : «إذن الشارع في أحد المشتبهين ينافي حكم العقل بوجوب امتثال التكليف المعلوم المتعلّق بالمصداق المشتبه ، لإيجاب العقل حينئذ الاجتناب عن كلا المشتبهين. نعم ، لو أذن الشارع في ارتكاب أحدهما مع جعل الآخر بدلا عن الواقع في الاجتزاء بالاجتناب عنه جاز ...». فرائد الاصول ٢ : ٢٠٤. فإنّ ظهوره في تأثير العلم الإجماليّ بنحو الاقتضاء واضح ، إذ لو كان علّة له لم يصحّ إذن الشارع في ارتكاب بعض الأطراف.

ويستفاد من بعض آخر من كلماته أنّ تأثيره بنحو العلّيّة التامّة ، حيث قال ـ في الجواب عن توهّم جريان أصالة الحلّ في كلا المشتبهين والتخيير بينهما ـ : «قلت : أصالة الحلّ غير جارية هنا بعد فرض كون المحرّم الواقعيّ مكلّفا بالاجتناب عنه منجّزا ـ على ما هو مقتضى الخطاب بالاجتناب عنه ـ ، لأنّ مقتضى العقل في الاشتغال اليقينيّ بترك الحرام الواقعيّ هو الاحتياط والتحرّز عن كلا المشتبهين حتّى لا يقع في محذور فعل الحرام ... فلا يبقى مجال للإذن في فعل أحدهما». فرائد الاصول ٢ : ٢١١ ـ ٢١٢. وقال أيضا : «قلت : العلم الإجماليّ كالتفصيليّ علّة تامّة لتنجّز التكليف بالمعلوم ، إلّا أنّ المعلوم إجمالا يصلح لأن يجعل ـ

جدّا (١) ، ضرورة أنّ احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة ، فلا يكون عدم القطع بذلك معها (٢) موجبا لجواز الإذن في الاقتحام ، بل لو صحّ الإذن في المخالفة الاحتماليّة ، صحّ في القطعيّة أيضا ، فافهم (٣).

__________________

ـ أحد محتمليه بدلا عنه في الظاهر». فرائد الاصول ٢ : ٢٨١. وعليه ففي نسبة ما في المتن إلى الشيخ الأعظم الأنصاريّ نظر. نعم ، هو مذهب المحقّق النائينيّ كما مرّ.

(١) هذا جواب قوله : «وأمّا احتمال ...». وحاصله : أنّ محذور الإذن في ارتكاب جميع الأطراف هو القطع باجتماع المتناقضين أو الضدّين ـ أي الحكم بالترخيص وثبوت التكليف المعلوم إجمالا ـ ، ونفس المحذور بعينه موجود في الترخيص في بعض الأطراف ، لأنّ الإذن في بعض الأطراف يستلزم احتمال اجتماع المتناقضين ، لاحتمال تعلّق الحكم المعلوم بالإجمال بالطرف المرخّص فيه ، والمناقضة محال مطلقا ، سواء كانت مناقضة احتماليّة أو كانت مناقضة قطعيّة.

(٢) أي : عدم القطع بثبوت المتناقضين مع المناقضة الاحتماليّة.

(٣) تتمّة :

وهي في بيان الثمرة المترتّبة على القولين في المقام. وهي تظهر في موارد :

منها : أنّه إذا كان الأصل الجاري في أحد الأطراف العلم الإجماليّ من سنخ الأصل الجاريّ في الطرف الآخر ، مع اختصاص الطرف الأوّل بأصل آخر طوليّ ، وقلنا بتعارض الأصلين الواقعين في رتبة واحدة وتساقطهما ، فعلى القول بأنّ العلم الإجماليّ مؤثّر في الحكم الواقعيّ على نحو الاقتضاء ـ فيمكن للشارع جعل الترخيص في بعض الأطراف وتجري الاصول في أطراف العلم الإجماليّ ما لم يعارضها أصل آخر ـ يمكن إجراء الأصل الواقع في الرتبة اللاحقة في الطرف الأوّل ، لعدم وجود معارض له. وعلى القول بأنّ العلم الإجماليّ علّة تامّة ـ ولا يمكن الترخيص في تمام الأطراف ولا في بعضه ولا يجرى الاصول في الأطراف ولو لم يكن لها معارض ـ لم يمكن إجراؤه في الطرف الأوّل ، بل يسقط بالعلم الإجماليّ.

مثلا : إذا علم إجمالا بوقوع نجاسة في الماء أو على الثوب ، فيقع الشكّ في الماء من جهتين : (إحداهما) الشكّ في طهارته. و (ثانيتهما) الشكّ في حلّيّته. فيكون من الجهة الأولى مجرى أصالة الطهارة ، ومن الجهة الثانية مجرى أصالة الحلّ الّتي هي في طول أصالة الطهارة. ويقع الشكّ في الثوب من الجهة الأولى ، وهي الشكّ في طهارته ، وأمّا حرمته فلا ، لأنّ العلم بالنجاسة لا أثر له في حرمة لبس الثوب ، بل يجوز لبسه مع العلم التفصيليّ بالنجاسة ، فيكون مجرى أصالة الطهارة فقط. ولا شكّ أنّ أصالة الطهارة الجارية في الطرف الأوّل تعارض أصالة الطهارة الجارية في الطرف الآخر ، ويتساقطان ، فلا يجوز التوضّؤ بالماء ـ

ولا يخفى : أنّ المناسب للمقام هو البحث عن ذلك (١) ؛ كما أنّ المناسب في باب البراءة والاشتغال ـ بعد الفراغ هاهنا عن أنّ تأثيره في التنجّز بنحو الاقتضاء لا العلّية ـ هو البحث عن ثبوت المانع شرعا أو عقلا ، وعدم ثبوته ؛ كما لا مجال بعد البناء على أنّه بنحو العلّيّة للبحث عنه هناك أصلا ، كما لا يخفى.

هذا بالنسبة إلى إثبات التكليف وتنجّزه به (٢).

[المقام الثاني : في كفاية العلم الإجماليّ وعدمه]

وأمّا سقوطه به بأن يوافقه إجمالا : فلا إشكال فيه في التوصّليّات (٣).

وأمّا في العبادات (٤) : فكذلك فيما لا يحتاج إلى التكرار ، كما إذا تردّد أمر عبادة (٥)

__________________

ـ ولا لبس الثوب في الصلاة. وأمّا أصالة الحلّ في الطرف الأوّل فعلى القول بتأثير العلم الإجماليّ في الحكم الواقعيّ بنحو الاقتضاء وجريان الاصول في أطرافه لو لم يعارضها أصل آخر ، تجري ، لعدم وجود معارض له ؛ وعلى القول بتأثيره على نحو العلّيّة وعدم جريان الاصول في الأطراف ولو لم يعارضها أصل ، لا تجري ، بل تسقط بالعلم الإجماليّ.

ومنها : إذا كان الأصل الجاري في كلّ طرف من سنخ الأصل الجاري في الطرف الآخر ، مع اختصاص كلّ منهما بأصل طوليّ آخر. فعلى القول بالاقتضاء يتحقّق التعارض بين الأصلين الحاكمين والأصلين المحكومين وتصل النوبة إلى البحث عن أنّ القاعدة في تعارض الاصول هل هو التساقط أو التخيير؟ وعلى القول بالعلّيّة التامّة لا يتحقّق التعارض ولا مجال للبحث المزبور. ومثاله : ما إذا علمنا بنجاسة أحد الماءين ، فإنّ الأصل الأوّليّ الجاري في كلّ منهما هو أصالة الطهارة ، والأصل الثانويّ هو أصالة الحلّ.

(١) أي : عن تنجيز العلم الإجماليّ بنحو العلّيّة أو الاقتضاء.

(٢) أي : بالعلم الإجماليّ.

(٣) لأنّ الغرض منها مجرّد حصول المأمور به في الخارج بأيّ نحو اتّفق ، ضرورة أنّ المأمور به في التوصّليّات يتحقّق بإتيان جميع محتملاته ، فلو علم أحد بأنّه مديون بدرهم إمّا لزيد أو لعمرو ، وأعطى درهما لزيد ودرهما لعمرو ، حصل له العلم بالفراغ.

(٤) وفي بعض النسخ : «أمّا العباديّات» ، وفي بعضها : «أمّا في العباديّات». والأولى ما أثبتناه.

والأولى منه أن يقول : «وأمّا في التعبّديّات».

(٥) وفي بعض النسخ : «تردّد عبادة». والصحيح ما أثبتناه.

بين الأقلّ والأكثر (١) ، لعدم الإخلال بشيء ممّا يعتبر أو يحتمل اعتباره في حصول الغرض منها ـ ممّا لا يمكن أن يؤخذ فيها (٢) ، فإنّه نشأ من قبل الأمر بها ، كقصد الإطاعة والوجه والتمييز ـ فيما إذا أتى بالأكثر ؛ ولا يكون إخلال حينئذ (٣) إلّا بعدم إتيان ما احتمل جزئيّته على تقديرها بقصدها (٤) ؛ واحتمال دخل قصدها (٥) في حصول الغرض ضعيف في الغاية وسخيف إلى النهاية.

وأمّا فيما احتاج إلى التكرار (٦) : فربما يشكل من جهة الإخلال بالوجه تارة ، وبالتميّز اخرى ، وكونه لعبا وعبثا ثالثة (٧).

__________________

(١) كتردّد أمر الصلاة بين عشرة أجزاء وتسعة ، فإنّ الاحتياط فيها يتحقّق بإتيان عشرة.

(٢) قوله : «ممّا لا يمكن أن يؤخذ فيها» بيان لقوله : «ما يعتبر أو يحتمل اعتباره». ومعنى العبارة : أنّه إذا أتى بالأكثر احتياطا فلا يوجب الاخلال بما يعتبر ـ قطعا أو احتمالا ـ في حصول الغرض من العبادة. وهو القيود الّتي لا يعقل أن يؤخذ في نفس العبادة ، كقصد القربة الّذي يعتبر في العبادة قطعا ، وقصد الوجه أو التميّز المعتبران احتمالا في حصول الغرض ، فإنّها متأخّرة عن الأمر ، فلا يمكن أخذها في موضوع الأمر.

(٣) أي : حين الإتيان بالأكثر احتياطا.

(٤) أي : لا يلزم إخلال إلّا الإخلال بقصد جزئيّة ما كان مشكوك الجزئيّة على تقدير كونه جزءا واقعا. فالأولى أن يقول : «ولا يكون إخلال إلّا الإخلال بقصد جزئيّة الجزء المشكوك على تقدير جزئيّته ، حيث أتى به من دون قصد الجزئيّة».

(٥) أي : قصد الجزئيّة.

(٦) وتمكّن من العلم التفصيليّ بالواجب ، كتردّد أمر الصلاة الواجبة بين القصر والإتمام ، أو تردّد أمر الصلاة بين إقامته إلى جهتين أو أزيد فيما إذا اشتبهت القبلة ، والمفروض أنّه يقدر على العلم بأحد أطراف الترديد.

(٧) أمّا الإخلال بقصد الوجه : فلأنّ المفروض أنّ كلّ واحد من أطراف الترديد محتمل الوجوب ، ولا علم للمكلّف بالنسبة إلى الواجب الحقيقيّ ، فلا يمكن له قصد الوجوب بالنسبة إلى واحد منها بعينه ، مع أنّ قصد الوجوب دخيل في تحقّق الامتثال.

وأمّا الإخلال بقصد التميّز : فلأنّ تكرار العبادة يوجب عدم إحراز ما ينطبق عليه عنوان المأمور به الواقعيّ.

وأمّا كونه لعبا وعبثا ـ كما ذكره الشيخ الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ٤٠٩ ـ : فلأنّ الواجب واحد ، والتكرار لعب بأمر المولى ، فلا وجه لتكريره.