درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۲۱: ظن ۳

 

المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفيّة بحسب ما أدّى إليه الطريق ، بل إنّما تكون موجبة لتنجّز التكليف به إذا أصاب ، وصحّة الاعتذار به إذا أخطأ ، ولكون (١) مخالفته وموافقته تجرّيا وانقيادا مع عدم إصابته ، كما هو شأن الحجّة غير المجعولة ، فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين أو ضدّين ، ولا طلب الضدّين ، ولا اجتماع المفسدة والمصلحة ، ولا الكراهة والإرادة ، كما لا يخفى.

وأمّا تفويت مصلحة الواقع أو الإلقاء في مفسدته ، فلا محذور فيه أصلا إذا كانت في التعبّد به (٢) مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء.

نعم ، لو قيل (٣) باستتباع جعل الحجّيّة للأحكام التكليفيّة ، أو بأنّه لا معنى لجعلها

__________________

(١) معطوف على قوله : «لتنجّز» أي : وتكون موجبة لكون ...

(٢) أي : في التعبّد بالطريق غير العلميّ.

(٣) هذا شروع في بيان الوجه الثاني من الوجوه الخمسة المشار إليها. وتوضيحه يستدعى تقديم امور :

الأوّل : أنّه بناء على وجود الحكم الظاهريّ في مورد الأمارات قد يدّعى أنّ الحجّيّة المجعولة للأمارات تستتبع حكما تكليفيّا ظاهريّا ، وقد يدّعى أنّ المجعول حقيقة في مورد الأمارات هو الحكم التكليفيّ الظاهريّ ، والحجّيّة منتزعة عنه.

الثاني : أنّه لا شكّ في تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد ، غاية الأمر قد تكون المصالح أو المفاسد في متعلّقات الأحكام فتتبع الأحكام لها ، من دون أن تكون في نفس الأحكام مصلحة أو مفسدة ؛ وقد تكون المصالح أو المفاسد في نفس الأحكام لا في متعلّقاتها. وعليه فالأحكام بعضها ناشئ عن وجود المصلحة أو المفسدة في متعلّقه ، وهي : «الأحكام الواقعيّة» ؛ وبعضها ناشئ عن وجود المصلحة أو المفسدة في نفسه وهي : «الأحكام الظاهريّة».

الثالث : أنّ المعتبر في كون حكم مثلا لحكم آخر أو كون حكم ضدّا لحكم آخر هو وحدة المنشأ فيهما ، بأن يكون منشأ أحدهما نفس منشأ الآخر. فيكون الحكمان مثلين فيما إذا كانا ناشئين عن وجود مصلحة أو مفسدة في متعلّق واحد ، بأن يكون منشأ أحدهما وجود المصلحة في المتعلّق الّذي يكون وجودها فيه منشأ أيضا لصدور الحكم الآخر. ويكون الحكمان ضدّين إذا كان منشأ الوجوب ـ مثلا ـ وجود المصلحة في المتعلّق الذي يكون وجود المفسدة فيه منشأ للحكم بحرمته.

وإمّا إذا اختلف منشؤهما ـ بأن يكون المنشأ في أحدهما وجود المصلحة أو المفسدة ـ

إلّا جعل تلك الأحكام ، فاجتماع حكمين وإن كان يلزم ، إلّا أنّهما ليسا بمثلين أو ضدّين ، لأنّ أحدهما (١) طريقيّ [ناشئ] (٢) عن مصلحة (٣) في نفسه (٤) موجبة لإنشائه الموجب للتنجّز أو لصحّة الاعتذار بمجرّده ، من دون إرادة نفسانيّة أو كراهة كذلك متعلّقة بمتعلّقه فيما يمكن هناك انقداحهما حيث إنّه مع المصلحة أو

__________________

ـ في متعلّق الحكم ، وفي الآخر وجود المصلحة أو المفسدة في نفس الحكم ـ فلا يكون الحكمان مثلين ولا ضدّين ، كي يكون اجتماعهما محالا.

إذا عرفت هذه الامور ، فاعلم : أنّه لو قلنا بوجود الحكم الظاهريّ التكليفيّ في مورد الأمارات بأحد الوجهين المتقدّمين في الأمر الأوّل ، فاجتماع الحكمين في متعلّق الأمارات وإن كان يلزم ، إلّا أنّه لا محذور في اجتماعهما ، لأنّهما ليسا بمثلين ولا ضدّين. وذلك لأنّ المنشأ في أحدهما غير المنشأ في الآخر ، فإنّ المنشأ في الحكم الظاهريّ الّذي أدّت إليه الأمارة هو وجود المصلحة أو المفسدة في نفس الحكم ، فإنّه يوجب إنشاء الحكم الظاهريّ الموجب للتنجّز وصحّة الاعتذار ، والمنشأ في الحكم الواقعيّ هو وجود المصلحة أو المفسدة في متعلّق الحكم ، فمركز المصلحة أو المفسدة في أحدهما غير مركزها في الآخر ، فلم يتحقّق الحكمان المثلان أو الحكمان الضدّان ، لفقدان ما يعتبر في التماثل أو التضادّ من وحدة المنشأ.

وأمّا نفس الحكمين بما هما إنشاءان قطع النظر عن منشئهما فلا تضادّ ولا تماثل بينهما.

ومن هنا يظهر : أنّه لا يلزم اجتماع الإرادتين أو الإرادة والكراهة في المبدأ الأعلى ، ولا في المبادئ العالية ، لأنّ الإرادة والكراهة تابعة لوجود المصلحة والمفسدة في متعلّق الحكم ، فلا إرادة ولا كراهة إلّا في الأحكام الواقعيّة ، وهذه الإرادة والكراهة إنّما تتحقّق في المبادئ العالية ، وهي النفس النبويّة أو الولويّة إذا يوحى الحكم الناشئ عن المصلحة أو المفسدة في المتعلّق إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أو يلهم به الولي ، وأمّا المبدأ الأعلى فليس فيه إلّا العلم بالمصلحة والمفسدة.

وناقش فيه المحقّقان : العراقيّ والاصفهانيّ. فراجع نهاية الأفكار ٣ : ٧٠ ، ونهاية الدراية ٢ : ١٣٧ ـ ١٣٨.

(١) وهو الحكم الظاهريّ الّذي أدّت إليه الأمارة. والوجه في تسميته بالطريقيّ أنّه متعلّق بما هو طريق إلى الواقع.

(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٣) هكذا في لنسخ. والصواب أن يقول : «عن مصلحة أو مفسدة».

(٤) أي : في نفس الحكم الظاهريّ.

المفسدة الملزمتين في فعل وإن لم يحدث بسببها (١) إرادة أو كراهة في المبدأ الأعلى ، إلّا أنّه إذا اوحي بالحكم الناشئ (٢) من قبل تلك المصلحة أو المفسدة إلى النبيّ أو ألهم به الوليّ (٣) فلا محالة ينقدح في نفسه الشريفة بسببها الإرادة أو الكراهة الموجبة للإنشاء بعثا أو زجرا ، بخلاف ما ليس هناك مصلحة أو مفسدة في المتعلّق ، بل إنّما كانت في نفس إنشاء الأمر به طريقيّا ؛ والآخر واقعيّ حقيقيّ [ناشئ] (٤) عن مصلحة أو مفسدة في متعلّقه ، موجبة لإرادته أو كراهته الموجبة لإنشائه بعثا أو زجرا في بعض المبادئ العالية ، وإن لم يكن في المبدأ الأعلى إلّا العلم بالمصلحة أو المفسدة ـ كما أشرنا ـ (٥). فلا يلزم أيضا اجتماع إرادة وكراهة ، وإنّما لزم إنشاء حكم واقعيّ حقيقيّ بعثا أو زجرا ، وإنشاء حكم آخر طريقيّ ، ولا مضادّة بين الإنشاءين فيما إذا اختلفا (٦) ؛ ولا يكون من اجتماع المثلين فيما اتّفقا (٧) ؛ ولا إرادة ولا كراهة أصلا إلّا بالنسبة إلى متعلّق الحكم الواقعيّ ، فافهم.

نعم (٨) يشكل الأمر في بعض الاصول العمليّة ، كأصالة الإباحة الشرعيّة ، فإنّ

__________________

(١) أي : بسبب المصلحة أو المفسدة.

(٢) وفي بعض النسخ : «بالحكم الشأنيّ».

(٣) وفي بعض النسخ : «ألهم به الوصيّ الوليّ».

(٤) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٥) قبل أسطر ، حيث قال : «وإن لم يحدث بسببها إرادة أو كراهة في المبدأ الأعلى ...».

(٦) كما إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة مع كون الواجب الواقعيّ هو صلاة الظهر.

(٧) كما إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة مع كونها واجبا واقعيّا.

(٨) استدراك على الوجه الثاني ، وشروع في بيان الوجه الثالث عدولا عن الوجه الثاني ، لعدم كفايته في دفع الغائلة في الاصول التعبّديّة ، كأصالة الإباحة والطهارة والاستصحاب. فلا بدّ في توضيح كلامه من بيان أمرين :

الأوّل : أنّ الوجه الثاني ـ وهو دفع غائلة اجتماع الحكمين بجعل أحد الحكمين حقيقيّا باعتبار كون منشئه وجود المصلحة في متعلّقه وجعل الآخر ظاهريّا طريقيّا باعتبار كون منشئه وجود المصلحة في نفسه ـ يشكل في الاصول التعبّديّة ، كأصالة الإباحة والطهارة والاستصحاب ، لأنّها أحكام شرعيّة فعليّة حقيقيّة ، فالحكم بحلّيّة كلّ شيء ـ الّذي دلّ عليه ـ