درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۲۴: ظن ۶

 

بمرتبتها الإنشائيّة أثر أصلا ، وإلّا لم يكن لتلك الدلالة مجال ، كما لا يخفى.

وأخرى ، بأنّه كيف يكون التوفيق بذلك ، مع احتمال أحكام فعليّة بعثيّة أو زجريّة في موارد الطرق والاصول العمليّة المتكفّلة لأحكام فعليّة؟ ضرورة أنّه كما لا يمكن القطع بثبوت المتنافيين ، كذلك لا يمكن احتماله.

فلا يصحّ التوفيق بين الحكمين بالتزام كون الحكم الواقعيّ الّذي يكون مورد الطرق إنشائيّا غير فعليّ.

كما لا يصحّ (١) بأنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة ، بل في مرتبتين ، ضرورة تأخّر الحكم الظاهريّ عن الواقعيّ بمرتبتين. وذلك لا يكاد يجدي ، فإنّ الظاهريّ وإن لم يكن في تمام مراتب الواقعيّ ، إلّا أنّه يكون في مرتبته أيضا (٢) ، وعلى تقدير المنافاة لزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة.

فتأمّل فيما ذكرنا من التحقيق في التوفيق ، فإنّه دقيق وبالتأمّل حقيق (٣).

[ثالثها : تأسيس الأصل في المسألة]

ثالثها : أنّ الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص (٤) شرعا ولا يحرز التعبّد به

__________________

(١) إشارة إلى الوجه الخامس من وجوه الجمع بين الحكم الواقعيّ والظاهريّ. وتوضيحه : أنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة كي يلزم اجتماع المتنافيين ، بل يكون الحكم الظاهريّ متأخّرا عن الحكم الواقعيّ ، فإنّ موضوع الحكم الواقعيّ هو نفس الشيء بما هو شيء ، وموضوع الحكم الظاهريّ هو الشيء الذي قد شكّ في حكمه الواقعيّ ، فيكون الحكم الظاهريّ متأخّرا عن الحكم الواقعيّ. بمرتبتين : (إحداهما) تأخّره عن موضوع الحكم الواقعيّ. (ثانيتهما) تأخّر موضوعه ـ وهو الشكّ ـ عن الحكم الواقعيّ. وإذا تعدّدت مرتبتهما فلا محذور من اجتماع الحكمين الفعليّين.

(٢) أي : إلّا أنّ الحكم الواقعيّ ثابت في مرتبة الحكم الظاهريّ ، لشموله حال الجهل ، فيجتمع الحكمان في مرتبة واحدة.

(٣) وهاهنا وجوه أخر أفادها الأعلام في الجمع بين الحكم الواقعيّ والحكم الظاهريّ ، تركناها خوفا من التطويل. وعلى المحقّق أن يرجع إلى نهاية الدراية ٢ : ١٥٢ ، ودرر الفوائد ٢ : ٢٥ ـ ٢٦ ، وفوائد الاصول ٣ : ١٠٠ ـ ١١٢ ، أنوار الهداية ١ : ١٩٩ ـ ٢٢١ ، مصباح الاصول ١ : ١٠٨ ، وغيرها من المطوّلات.

(٤) أي : بدليل خاصّ.

واقعا ، عدم حجّيّته جزما ، بمعنى عدم ترتّب الآثار المرغوبة من الحجّة عليه قطعا ، فإنّها لا تكاد تترتّب إلّا على ما اتّصف بالحجّيّة فعلا ، ولا يكاد يكون الاتّصاف بها إلّا إذا احرز التعبّد به وجعله طريقا متّبعا ، ضرورة أنّه بدونه (١) لا يصحّ المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرّد إصابته ، ولا يكون عذرا لدى مخالفته مع عدمها ، ولا تكون مخالفته تجرّيا ، ولا تكون موافقته بما هي موافقته انقيادا ، وإن كانت بما هي محتملة لموافقة الواقع كذلك (٢) إذا وقعت برجاء إصابته. فمع الشكّ في التعبّد به يقطع بعدم حجّيّته وعدم ترتيب شيء من الآثار عليه ، للقطع بانتفاء الموضوع معه. ولعمري هذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.

وأمّا صحّة الالتزام (٣) بما أدّى إليه من الأحكام وصحّة نسبته إليه «تعالى»

__________________

(١) أي : بدون الإحراز.

(٢) أي : انقيادا.

(٣) تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث استدلّ على نفي حجّيّة المشكوك بما دلّ على عدم جواز الإسناد والاستناد بالشيء مع عدم العلم بحجّيّته. وتوضيحه : أنّ للحجّة أثران :

(أحدهما) صحّة الاستناد إليها في مقام العمل. (ثانيهما) صحّة إسناد مؤدّاها إلى الشارع. وهذا الأثران لا يترتّبان على الشيء مع عدم العلم بحجّيّته ، لأنّ الاستناد إلى مشكوك الحجّيّة في مقام العمل وإسناد مؤدّاه إلى الشارع تشريع عمليّ وقوليّ ، وهو محرّم بالأدلّة الأربعة. فرائد الاصول ١ : ١٣١ ـ ١٣٢.

واستشكل عليه المصنّف رحمه‌الله بقوله : «فليسا من آثارها ...». وحاصله : أنّ إسناد مؤدّى الأمارة إلى المولى والاستناد إليها في مقام العمل ليسا من الآثار المترتّبة على الحجّيّة ، بل بينهما عموم من وجه ، فقد ثبتت الحجّيّة للشيء ولا يجوز إسناد مؤدّاه إلى الشارع كالظنّ على الحكومة ، وقد لا تثبت الحجّيّة له ويجوز إسناده إلى الشارع لو دلّ دليل على صحّة الإسناد حينئذ.

والمحقّق النائينيّ خالف المصنّف رحمه‌الله في جهة ووافقه في جهة اخرى :

الجهة الأولى : إشكاله على الشيخ الأنصاريّ. فناقش فيه بأنّ معنى حجّيّة الأمارة كونها وسطا في إثبات متعلّقها ، فتكون كالعلم ويترتّب عليها جواز الاستناد كما يترتّب على العلم.

وعليه فجواز الاستناد من لوازم الحجّيّة ، فانتفائه يكشف عن انتفاء الحجّيّة.

الجهة الثانية : أصل المدّعى من أنّ الشكّ في الحجّيّة يلازم القطع بعدم الحجّيّة. وافقه في هذا المدّعى ، لكنّه ذكر أنّه ليس المراد أخذ الحجّيّة في موضوعها بحيث لا تكون حجّة ـ

فليسا (١) من آثارها ، ضرورة أنّ حجّيّة الظنّ عقلا ـ على تقرير الحكومة في حال الانسداد ـ لا توجب صحّتهما ، فلو فرض صحّتهما شرعا مع الشكّ في التعبّد به (٢) لما كان يجدي في الحجّيّة شيئا ما لم يترتّب عليه ما ذكر من آثارها ، ومعه (٣) لما كان يضرّ عدم صحّتهما أصلا ، كما أشرنا إليه آنفا (٤). فبيان عدم صحّة الالتزام مع الشكّ في التعبّد ، وعدم جواز إسناده (٥) إليه تعالى غير مرتبط بالمقام ، فلا يكون الاستدلال عليه بمهمّ (٦) ، كما أتعب به شيخنا العلّامة (أعلى الله مقامه) بما أطنب من النقض والإبرام ، فراجعه (٧) بما علّقناه عليه(٨) ، وتأمّل.

وقد انقدح بما ذكرنا : أنّ الصواب فيما هو المهمّ في الباب (٩) ما ذكرنا في تقرير الأصل ، فتدبّر جيّدا.

إذا عرفت ذلك ، فما خرج موضوعا عن تحت هذا الأصل أو قيل بخروجه ، يذكر في ذيل فصول :

__________________

ـ واقعا مع عدم العلم بها ، فإنّه واضح الفساد ، إذ الحجّيّة ـ كسائر الأحكام الوضعيّة والتكليفيّة ـ لا يدور وجودها الواقعيّ مدار العلم بها ، بل المراد عدم ترتّب آثار الحجّيّة عليها من كونها منجّزة للواقع عند الإصابة ومعذّرة عند المخالفة ، فإنّ التنجّز يتوقّف على العلم بالحكم أو ما يقوم مقامه ، والعذر لا يمكن إلّا إذا استند في العمل إلى الحجّة ، وهو يتوقّف على العلم بها موضوعا وحكما. فوائد الاصول ٣ : ١٢٢ ـ ١٢٣.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «فليستا».

(٢) الضمير يرجع إلى «الظنّ».

(٣) أي : ومع ترتّب تلك الآثار عليه.

(٤) قبل أسطر ، حيث قال : «ضرورة أنّ حجّيّة الظنّ عقلا ...».

(٥) وفي بعض النسخ : «وعدم جواز الاستناد ...» ، والأصحّ أن يقول : «وعدم جواز الإسناد ...».

(٦) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «فلا يكون الاستدلال به ـ أي بعدم جواز الإسناد والاستناد مع الشكّ في التعبّد ـ عليه ـ أي على عدم الحجّيّة ـ بمهمّ».

(٧) راجع فرائد الاصول ١ : ١٣١ ـ ١٣٢.

(٨) راجع حاشية المصنّف على فرائد الاصول : ٤١.

(٩) وهو البحث عن الحجّيّة.